ومن يصنع المعروف في غير أهله … قصة مثل عربي بعبرةٍ مفيدة

ومن يصنع المعروف في غير أهله … قصة مثل عربي بعبرةٍ مفيدة

عُرف العرب في شبه الجزيرة العربية بصفاتهم الحميدة وأخلاقهم النبيلة، كالكرم والمروءة وإغاثة الملهوف، وحسن الضيافة، ولكن تجربتهم في الحياة علمتهم أن صنع المعروف مع الأشخاص الماكرين ستكون له نتائج وخيمة. ولعل قصة المثل الشعبي “ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر” أشهرها. ما هي قصة هذا المثل؟ وما العبرة التي سنأخذها منه؟ سنسرد لكم بالتفصيل القصة الشيّقة لهذا المثل …

أهمية المثل الشعبي

تلعب الأمثال الشعبية، ذات الآثار الإيجابية، دورًا مهمًا في حياة المجتمعات الإنسانية، من خلال المحافظة على هُوية الأمة، فهي تراث إنساني عريق وأصدق ما يعبر عن أخلاق الأمة وتفكيرها وعقليّتها، وتقاليدها وعاداتها، فأمة بلا تراث كشجرة بلا جذور، والأمة التي تفقد تراثها من السهل أن تفقد وطنها. ويمكن عدّها مرآة للحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية والدينية واللغوية لأنها تُقرب المراد للعقل، من خلال تُصوير المعقول بصورة المحسوس، فتجعل المعاني كالأشخاص مما يُؤدي إلى ثبوتها في الذهن. هي تعبير صادق يصدر عن عامة الناس دون تكلف، كما أنها أقوى دلالًة من الشعر في ذلك، فهو لغة ممتازة لفئة بعينها، أما الأمثال الشعبية فلسان جميع فئات المجتمع.

خصائص الأمثال

تتميز الأمثال الشعبية عن غيرها من الجمل المحكية في اللغة العربية بمجموعة من الخصائص منها:

  • الإيجاز: وهو التعبير عن الفكرة في أقل كلمات ممكنة، وقد يختصر هذا التعبير في كلمتين فقط.
  • إصابة المعنى: فمضمون المثل يعبر عن حدث معين مشابه وقع مع أحدهم على أرض الواقع.
  • الأصالة: فالأمثال عربية المنشأ، مع أن مفرداتها ليست بلفظها الفصيح.
  • البلاغة: وتمتاز الأمثلة كذلك بإيجاز اللفظ وتركيزه.
  • الموسيقى: لا تخلو الأمثال من الموسيقى اللفظية.
  • الإحساس: فهي تعكس بصدق مشاعر المجتمع، وأحاسيسه وآماله، وآلامه وأفراحه وأحزانه وحكمته.

من أين جاء العرب بهذا المثل؟

أخذ العرب هذا المثل من معلقة زهير بن أبي سلمى، الذي لقب بحكيم شعراء العرب … توفي قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل، وتنبأ بظهور الاسلام. له معلقة مشهورة من المعلقات السبع، والتي لخص فيها خلاصة تجربته في الحياة ومنها وجوب عدم الوفاء لأهل الغدر حيث قال فيها:

ومنْ يجعل المعروفَ في غير أهله ِ **** يلاقي الذي لاقـَى مجيرُ أمِّ عامر ِ

أدام لها حين استجارت بقـــــــربهِ **** طعاماً وألبان اللـــقاح الدرائـــــــر ِ

وسمـَّـنها حتى إذا مـــــا تكاملــــتْ **** فـَـرَتـْهُ بأنيابٍ لها وأظافــــــــــر

فقلْ لذوي المعروفِ هذا جزاء منْ **** بدا يصنعُ المعروفَ في غير شــاكر

ما المغزى من هذا المثل الشعبي؟

جُبل الإنسان على حب الخير ومساعدة المحتاجين، ولعل ديننا الإسلامي الحنيف قد حثنا على فعل ذلك، ولكن هل حدد لنا أشخاصًا معينين لنمد لهم يد العون؟ … لا لم يحدد لنا ذلك وإنما نبهنا بوجوب الحذر، ولعل قول الإمام علي (كرم الله وجهه) خير دليل على ذلك، حيث قال: “احذر اللئيم إذا أكرمته”، لذا افعل الخير أينما حللت، ولكن لا تنسَ أخذ الحيطة من الغدر الذي قد يصيبك من البعض، فالنفس البشرية أمّارة بالسوء.

قصة المثل العربي (ومن يصنع المعروف في غير أهله)

يحكى أن مجموعة من الأعراب خرجوا، في يوم شديد الحر، للصيد في الصحراء، وأثناء رحلتهم اعترضت طريقهم أنثى الضبع المعروفة بأم عامر، فعمدوا إلى مطاردتها، وإذ بها تلجأ إلى منزل رجل أعرابي، فلما رأى حالها منهكة من الجوع والعطش والحرّ الّشديد أشفق عليها، فخرج شاهرًا سيفه في وجه القوم، وسألهم؟ ما حاجتكم لقتلها؟ فأجابوه طريدتنا ونريدها، فأجابهم الأعرابي الشهم: لقد أصبحت بجواري ولن تصلوا لها ما دام سيفي بيدي. فتركوه وانصرفوا.

عاد الأعرابي إلى “أم عامر” فوجدها منهكة من الجوع فعمد إلى شاته فحلبها وقدم الحليب لـ “أم عامر”، حتى ارتوت واستعادت قوتها، وفي المساء أوى الأعرابي إلى فراشه والسعادة تغمره من طيب صنيعه، إلا أن طبع “أم عامر” الغدار والمفترس غلبها فانقضت عليه أثناء نومه وبقرت بطنه وشربت من دمه، ثم تركته مضرجًا بدمائه وغادرت المكان.

في صباح اليوم التالي جاء ابن عم الأعرابي يطلبه في داره فوجده مضرجًا بدمه، وأدرك ما حدث لأبن عمه جزاءً لمعروفه، وعرف أن من قتله هي “أم عامر”، فاقتفى أثرها في الصحراء حتى وجدها، فرماها بسهمه وأرداها قتيلة. ثم أنشد أبياتًا من الشعر لزهير بن أبي سلمى أصبحت مثلًا تتناقله ألسنة الناس عبر الأجيال:

“ومن يصنع المعروف في غير أهله … يلاقي الذي لاقي مُجير أم عامر

أدام لها حين استجارت بقربه … طعامًا وألبان اللقاح الدرائر

وسمّنها حتى إذا ما تكاملت … فرته بأنياب لها وأظافر

فقل لذوي المعروف هذا جزاء من … بدا يصنعُ المعروف في غير شاكر”

ومنذ ذلك الحين، أصبح الناس يرددون هذا المثل “ومن يصنع المعروف في غير أهله”، عندما يقدّم أحد مساعدة وعون ومعروف لشخص ما، ويرد هذا الشخص المعروف والإحسان بنكران الجميل، ويرد الإحسان بالإساءة.

في النهاية

نجد أن الأمثال الشعبية لعبت، منذ الأزل، دورًا كبيرًا في حياة المجتمعات من خلال الحفاظ على هوية الأمة وتراثها، حيث قربت الفكرة المراد إيصالها للعقل بكلمات بسيطة ومعبرة، فهي جواهر الحكمة وقد صيغت من أجل نقل المعرفة العملية إلينا، حيث تعد مزيج من الحكمة والفلسفة التي توصل إلينا العبرة بأبسط الطرق.

المصادر

654 مشاهدة