مقالات أخرى مميزة

ومن يصنع المعروف في غير أهله

لسنا هنا بصدد مقال شعري يروي قصة مُجير أم عامر (أم عامر أحد أسماء الضباع)، ذلك البدوي الذي أجارها من الصياد وأطعمها ولكنها أنقضت عليه بعد أن آمنها فرثاه أبن عمه بقصيدة كان مطلعها
ومن يصنع المعروف في غير أهله              يلقى الذي لاقى مجير أم عامر

في المجتمعات التي ترزح تحت وطأة التخلف والجهل تسود الكثير من النظريات السوداوية والتشاؤمية المحبطة، وفي كثير من الأحيان تصبح وبطريقة لا شعورية جزء من سلوك الناس وحياتهم اليومية وتؤثر في تفكيرهم وأسلوب حياتهم.

وبالطبع مجتمعاتنا العربية لها النصيب الأكبر من هذه الظاهرة ليس فقط لأنها ترزح تحت وطأة عقود من الظلم والتخلف والجهل، بل أكثر من ذلك لأنها في كثير من الأحيان تساهم بتكوين هذه النظريات وحقن أفرادها بها بعد أن تُغيّب العقل والمنطق وتصبح الغريزة هي المتحكم والمسيطر.

ومن يصنع المعروف في غير أهله

ومن يصنع المعروف في غير أهله

ومن يصنع المعروف في غير أهله هي واحدة من تلك النظريات السائدة بكثرة في عالمنا العربي، ونكاد نسمعها كل يوم وفي كل مقام وإن اختلفت الأساليب والأشكال التي تصاغ بها وتفعل فعلها فينا.

“الأقارب عقارب” “أحذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة” “أتق شر من أحسنت إليه” وغيرها الكثير من الأمثلة والأقوال التي بشكل أو آخر تدفعنا لتجنب عمل المعروف أيً كان. في الغالب هذه الأقوال تصبح طريقة تفكير قطاع واسع من الناس وتفعل فعلها فيهم لا شعورياً فكلنا نعرف الناس في مجتمعاتنا ونظرتها لفعل الخير والتي غالباً ليست كما يجب بل وليست كما يأمر ديننا.

ومن يصنع المعروف في غير أهله شأنها شأن الكثير من الأقوال والنظريات التي تتحكم في التفكير الجمعي للعقل العربي أصبحت مبرر لكل من لا تستهوي نفسه فعل الخير ولا يحبذ تقديم المساعدة للأخرين، غدت مبرر لكل قاعد ولكل القادرين على إحداث تغيير في حياة الأخرين ولا يفعلون.

يكفي أن نلقي نظرة سريعة على المنظمات الأهلية وجمعيات العمل الطوعي في المجتمع العربي ونتقصى حالها لندرك حجم المشكلة. ثقافة العمل الطوعي في العالم العربي تتجلى في أدني صورها، ضعف القيادة، نقص في التمويل، نقص في الموارد البشرية في الوقت الذي يبحث فيه المواطن العربي عن “أهل المعروف” ليصنع معهم الخير، وفي الغالب لا يجد ليس لأن لا أحد أهلاً للمعروف ولكن لأنه لا يحبذ فعل الخير وعقله الباطن يبرر له فعله بكلام من قبيل لا أحد أهل للمعروف.

اقرأ أيضًا: نصائح في اختيار الصديق الصالح وكيف تختار الأصدقاء المناسبين لك

من الذي يستحق المساعدة؟

العقل والمنطق يقتضي إنه عندما ينوي شخص ما فعل الخير وصنع المعروف فأنه من المفترض أن يبحث عمن يحتاج المساعدة ويقدمها وليس البحث عن أهل المعروف، فكل إنسان يحتاج مساعدة هو أهل للمعروف ويفترض أن يجد من يساعده، وخاصة إذا ما كان في مجتمع كمجتمعنا العربي كل معتقداته تحض على فعل الخير وتقديم المساعد للجميع.

أما بالنسبة لأولئك الذين يفهمون الحياة بأنها “دين ووفا” حسب قولهم، فهنا تزداد المشكلة تكريسًا وتعقيدًا ويظهر جليًا أن هناك خلل ما في نظرة هؤلاء الناس لمفهوم عمل الخير والمعروف مع الأخرين، فهذا الصنف من الناس تجده يردد عليك باستمرار “ما الفائدة؟” ويصرح باستمرار إنه غير مستعد للقيام بأي عمل لا يعود عيه بنفع مقابل.

في تراثنا الديني لا يوجد أي نص يشير لهذا المفهوم ولا يوجد ما يؤكد بأن أي عمل تقوم به يجب أن يعود إليك بشكل أو بآخر (على الأقل في الدنيا لا الآخرة). أما ألا نقدم المساعدة إلا عندما نكون واثقين بأنها ستعود علينا بشكل أو آخر فهنا لم تعد عمل خير وخرجت من مفهوم صناعة المعروف بشكل كلي ما دمنا ننتظر مقابل.

اقرأ أيضًا: ما هو الحب وكيف تراه المجتمعات العربية؟

الفرق بين المجتمعات في مفهوم عمل الخير

في المجتمعات المتقدمة والتي وصلت لمفاهيم إنسانية أكثر رقيًا فيما يخص الأعمال الإنسانية والخيرية يختلف مفهوم عمل الخير كلياً عما هو سائد في مجتمعات العالم الثالث.

تجد الناس هناك – في المجتمعات المتقدمة – تتهافت نحو الأعمال الخيرية وتسافر مسافات شاسعة وتقطع جبال وبحار ووديان للوصول إلى من يستحق مساعدتهم بغض النظر عن الدين والعرق والهوية وكل الاعتبارات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان هؤلاء الناس هم “أهل للمعروف” أم لا.

أما هنا – في مجتمعات العالم الثالث – ولن نذهب بعيدًا، ففي عالمنا العربي يكفي أن تلقي نظرة سريعة على مخيمات اللجوء المنتشرة في كثير من بلداننا العربية لتعرف حجم المأساة، يكفي أن تشاهد تقرير إخباري واحد عن اللاجئين لنرى كيف يُعاملون من قبل أهل البلد الأصليين.

باختصار لا يمكن قياس قصة البدوي “مجير أًم عامر” على العلاقات الاجتماعية والمفاهيم الإنسانية لأنه لا مجال للمقارنة بين الحالتين، ومن الإجحاف بحقنا كبشر أن نسقط السطر الشعري هذا على العلاقات الإنسانية.

نحن بشر خلقنا الله لنكون عونًا لبعضنا في السراء قبل الضراء، نقدم المساعدة للمحتاج دون أن ننتظر مقابل وبغض النظر عن خلفيته وإذا ما كان أهلًا للمعروف أم لا، ويعرف هذا الكلام جيداً الناس الذين يقدمون باستمرار ويدركون جيدًا حلاوة العطاء دون مقابل وكيف تصبح الحياة بهذه المفاهيم.

الوسوم