مقالات أخرى مميزة

قصة سفينة نوح كاملة من البداية للنهاية

نوح هو أبو الأنبياء، ومن أولي العزم الذين أرسلهم الله لهداية الناس، نجا الله به القوم المؤمنين من الطوفان، وأهلك القوم الكافرين بالعذاب، فهيا بنا نستعرض قصة سفينة نوح.

نشأة نوح مع قومه ودعوته لهم

نجاة نوح ومن آمن معه من الطوفان

كان قوم سيدنا نوح كفار يتخذون من الأصنام والتماثيل التي يصنعونها آلهة لهم، ويسجدون لها ويقدمون لها القربان، وكان نوح مؤمنًا بالله وحده ساخطًا على قومه الكافرين.

أرسل الله نوح عليه السلام ليدعو قومه إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأصنام والتماثيل التي يصنعونها، وكان قومه في ضلال كبير؛ فتكبروا ولم يستجيبوا لدعوة نوح عليه السلام.

أخذ نوح يذكرهم بنعم الله عليهم؛ فهو الذي خلق لهم السماوات والأرض، والشجر والماء والنبات، وهو الذي صورهم فأحسن تصويرهم، ووهبهم العقل ليفكروا ويتدبروا في ملكوت الله عز وجل.

أخذ نوح يخاطبهم بأن تلك التماثيل لا تغنى عنهم شيئًا، وأنها مجرد حجارة لا تنفع ولا تضر، فكيف يعبدون تلك الحجارة؟!

قال تعالى “قالَ يا قومِ ليسَ بي ضلالةٌ ولكنِّي رسولٌ من ربِّ العالمينَ* أُبَلِّغُكم رسالاتِ ربي وأنصحُ لكم وأعلمُ مِنَ اللهِ ما لا تعلمونَ”

 لم يطلب نوح عليه السلام من قومه أجرًا ولا جزاء على دعوته، وإنما كان يريد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، استجاب لنوح قلة قليلة من قومه وهم الفقراء أصحاب القلوب الطيبة، واقتنعوا بحديث نوح وأن تلك التماثيل ليست آلهة، وإنما هي مجرد تماثيل لا روح بها.

أما أغلب قوم نوح فقد استكبروا وأخذوا يسدون آذانهم؛ حتى لا يسمعون حديثه، واتهموه بالجنون حيث قال تعالى “وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا”.

تمسك قوم نوح بعبادة آلهتهم التي أطلقوا عليها أسماء: يغوث ويعوق ونسرا، وقيل إن تلك الأسماء كانت لرجال صالحين، ولما ماتوا قام قوم نوح بصناعة التماثيل، لهم وعبادتها من دون الله.

فلما كثر الجدال بين نوح وقومه، عرضوا عليه إن كان يريد أن يصدقوه ويؤمنوا بالله، فعليه أن يقوم بإبعاد الفقراء الذين اتبعوه وآمنوا بالله، فلا يمكن أن يجتمع رؤساء القوم مع أولئك الفقراء المعدمين.

رد عليهم نوح أنه لا يستطيع طرد الفقراء؛ فليس لهم ذنب، وهم ليسوا ضيوفه بل خلقهم الله وجعلهم يعيشون على تلك الأرض، حينها قال قوم نوح إذًا اذهب بعيدًا عنا، ولا تحاول التحدث معنا مرة أخرى.

لم ييأس نوح من دعوة قومه واستمر في الدعوة إلى الله ألف عامًا إلا خمسين، وكان بطش قومه قد اشتد عليه، فكانوا يقومون بإهانته وسبه ورجمه بالحجارة كلما أقبل عليهم؛ فحذرهم نوح من غضب الله وأنه سيرسل عليهم عذاب أليم إن لم ينتهوا عما يفعلون.

حينها طلب قوم نوح منه أن يدعو ربه لينزل عليهم العذاب الأليم، إن كان صادقًا، وأخذوا يستهزئون به ويسخرون منه، فتوجه نوح إلى ربه قائلا “قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا”.

دعا نوح ربه أن ينزل عليهم أشد العذاب؛ حتى لا يضلوا باقي العباد المؤمنين، ولا ينشروا الفساد والضلال في بقاع الأرض “قَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارّاَ إنك إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارً”.

الله يأمر نوح بصنع السفينة

استجاب الله لدعاء نوح عليه السلام، ووعده بإهلاك أولئك الكافرين ونجاته هو ومن اتبعه من المؤمنين، وأمر الله عز وجل نوح عليه السلام أن يقوم بصنع سفينة من أخشاب الأشجار.

ولكن نوح لا يعرف كيف يصنع السفينة!! حينها علمه الله وأوحى إليه بالذهاب إلى الغابة، وقطع الأشجار، وشق ألواحها وتنظيفها، ثم قطعها وصناعة السفينة منها.

كانت صناعة سفينة نوح وفقًا لتوجيهات الله، وعلى مرأى منه وبتعليمه، قال تعالى في القرآن الكريم “وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا” وكان قوم نوح يمرون عليه أثناء عمله في صناعة السفينة؛ فيسخرون منه.

لم يصمت قوم نوح بل سخروا منه قائلين: لم تركت حديثك الغريب عن الإيمان، وأصبحت نجارًا تصنع السفن والمراكب؟!! هل رأيت أن ذلك العمل أكثر ربحًا من الدعوة إلى ربك؟!!

وتعجب قوم نوح كيف يصنع سفينة، وليس هناك بحرًا أو نهرًا لتبحر فيه السفينة!! هل ستجري تلك السفينة على الأرض؟! كانوا يظنون أنهم على حق، وأن نوح على باطل، وأن العذاب لن يقع عليهم أبدًا كما يحذرهم نوح.

حينها كان يرد عليهم نوح أن ينتظروا وسوف يعرفون ما سيحل بهم؛ فيضحكون منه، ويطلقون عليه المجنون الذي يتنقل ما بين الرسالة والنجارة.

انتهى نوح من صنع السفينة، وكانت سفينة ضخمة هائلة اختلف أهل التفسير في حجمها، وعدد طوابقها، وطولها وعرضها، وشكلها وكم استغرق نوح في بنائها.

أمر الله سبحانه وتعالى نوح أن يجمع من كل نوع من الحيوانات والطيور والحشرات والزواحف زوجًا، كالبقر والفيل والنمر والعصفور والجمال والخيل والأسود والغزلان وغيرهم، ثم يدخلهم في السفينة التي صنعها ويقوم بدعوة أهله، ومن آمن معه من قومه لركوب تلك السفينة.

كما أمره الله بتخزين أنواع الأطعمة والمشروبات في السفينة، ومن الحبوب والبذور والفاكهة ما يستطيع، ففعل نوح ما أمره الله به، وبعد امتلاء السفينة قام نوح بغلقها كما أمره الله سبحانه وتعالى.

الطوفان يغرق القوم الكافرين

قال تعالى ” حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” وحين جاء أمر الله أظلمت السماء، وقامت الرياح والعواصف الشديدة، وتساقطت الأمطار بغزارة كبيرة.

أخذت عيون الماء تتدفق من الأرض، وأصبح الجو مرعبًا “ففتحنا أبوابَ السَّماءِ بماءٍ مُنهَمرٍ وفجَّرنا الأرضَ عُيونًا فالتقى الماءُ على أمرٍ قدْ قُدِّرَ وحَملناهُ على ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ”.

كانت زوجة نوح كافرة لم تؤمن بدعوته، وكان ابنه كافرًا أيضًا بذل نوح الجهود الكثيرة لدعوته لعبادة الله وترك الكفر والضلال، ولكنه أبى ولما جاء الطوفان نادى نوح ابنه لينقذه من الطوفان “وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِين”َ

عصى الابن أمر أبيه، وقال له سآوي إلى جبل، وسأحتمي به من الماء فحذره نوح أنه لا منجي من عذاب الله في ذلك اليوم، إلا من آمن بالله واتبع نوح في السفينة.

اشتدت الأمواج وارتفعت كثيرًا، فانقلب الابن وسط الأمواج، وانجرف مع التيار، حتى اختفى من نظر أبيه، وسارت السفينة وسط الماء، واستغرقت الرحلة أيامًا وليالي، يرتفع فيها الطوفان حتى قام بتغطية كل شيء من أرض، وجبال، ومرتفعات، وهضاب ومات كل من على الأرض من ناس وحيوانات وطيور ودواب.

أمر الله تعالى أن يجف الطوفان فقال تعالى “وقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”.

نجاة نوح ومن آمن معه من الطوفان

الطوفان يغرق القوم الكافرين

حينها توقفت الأمواج وجف الماء، وتوقف الرعد والبرق، وعادت الشمس من جديد، ورست السفينة على جبل اسمه “الجودي”، حين توقفت السفينة شعر نوح ومن معه في السفينة بعدم حركتها، فقام نوح بفتح أحد النوافذ فدخل شعاع الشمس إلى داخل السفينة.

فرح نوح ومن معه أشد الفرح، واختلطت أصوات الناس والحيوانات مع بعضها البعض، وتوجه نوح وأهله إلى الله شاكرين نعمته، ويحمدونه على النجاة من الهلاك والعذاب.

تأكد نوح من جفاف الماء من الأرض، ثم بدأ بإنزال الناس والحيوانات من السفينة؛ فتفرقت الناس كل إلى مكانه، وعادت الحياة مرة أخرى للبلاد.

حينما نظر نوح إلى أبنائه وأهله ووجد مكان ابنه فارغًا تذكره، وحزن حزنًا كبيرًا ودمعت عيناه، ودعا الله قائلًا “فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ” حينها قال الله له أن ابنه لم يعمل عملًا صالحًا حتى يرحمه الله، فهو ليس من أهله بسبب كفره وطغيانه.

حينها خاف نوح أن يكون الله قد غضب عليه، حينما طلب منه أن يعفو عن ابنه، فاستغفر الله وطلب منه أن يغفر له ذنبه وخطيئته، وأن يرضى عنه؛ فغفر الله له، وأمره بتعمير بلده هو ومن آمن معه، فعادت البلاد عمارًا كما كانت.

الدروس والعبر من قصة نوح عليه السلام

  • الإصرار والاستمرار في الدعوة إلى الله عز وجل، برغم الصعاب والمحن التي يلاقيها الإنسان من الناس، فنوح عليه السلام لم يتوقف عن دعوة قومه، برغم ما تعرض له من أذى واستهزاء.
  • البدء في أي عمل بتسمية الله حتى يبارك الله فيه، فحين بدأ نوح صناعة السفينة بأوامر الله سبحانه وتعالى بدأ عمله “وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ”.
  • لا تشفع القرابة أو صلة الرحم بين الناس يوم القيامة، وإنما ما ينفعهم هو العمل الصالح والقرب من الله سبحانه وتعالى، فحين عصى ابن نوح أبيه، واستمر في كفره وعصيانه، لم يستطيع نوح أن يشفع له عند الله عز وجل.
  • الاستغفار يجلب النعم، ويزيل المحن، وينقذ الإنسان من أصعب الابتلاءات، قال الله في قرآنه الكريم” قُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا”.
  • التدبر في خلق الله وصنعه للكون يزيد من إيمان العبد بربه، فقد أمر نوح قومه أن يتدبروا كيف خلقهم الله، وأحسن خلقهم، وجعل لهم عقلًا يفكرون به، وعيونًا يرون بها، وآذانًا يسمعون بها فهو الخالق وحده لا شريك له.