تأثير الموسيقى على شخصية الإنسان .. يوميات عاشق للموسيقى

سوق الموسيقى من حولنا رائج جدًا ومتنوع للغاية ويستهدف الكثيرين في كل الفئات العمرية، فهناك مثلًا أغاني الأطفال وأغاني للبالغين وأخرى للحائرين ولمدمنين المخدرات بالطبع، ذلك الرواج والتنوع دفعني لأن أبحث في قضية تأثير الموسيقى على شخصية الإنسان بجوانبها المختلفة لكي نعلم هل نستمر في سماع الموسيقى أم نتوقف.

وستجدنا في هذا المقال لا نتحدث عن رأي الدين كثيرًا، ليس لأنه لا يهمنا ولكن لكونه محسومًا بشكل واضح، وهو أن الموسيقى حرام بكل تأكيد، ولكننا سنهتم بتلك التأثيرات النفسية، وبالطبع لا بد وأن نفرق بين اثنين من الأشياء الموسيقى والأغاني، الموسيقى هي محض نغمات لو حُمّلت بالكلمات لصارت أغاني.

تأثير الموسيقى على شخصية الإنسان .. يوميات عاشق للموسيقى

وفي الغالب للأسف سوق الأغاني الحزينة المليئة بالدموع أكثر رواجًا، والذي يدفع كل منتجي الموسيقى في العالم العربي تحديدًا، أن يستثمرون أموالهم في الطريق الرابح لهم بكل تأكيد، والكارثة الأكبر هي مساهمة تكنولوجيا المعلومات والتقدم التكنولوجي في ازدهار تلك الصناعة، بظهور ملفات ومسارات MP3 مما يسر عملية الاستماع والنقل كثيرًا.

قبل أن نتحدث عن تأثير الموسيقى

ما هي الموسيقى

فالموسيقى هي عبارة عن مجموعة من الأصوات تتألف من ثلاث أنواع أساسية منها، وهي الإيقاع والميلودي والهرموني، كل واحد من تلك الأصوات له دور مختلف، وبما أنني كنت عاشقًا للموسيقى فأعلم ماهية كل نوع من تلك الأصوات النغمية.

فالإيقاع هو تلك الأصوات المتقطعة التي في الغالب تصدر من آلات مثل الطبلة والدرامز والرق والدفوف وهدفها الأساسي أن تنظم بقية الأصوات من حولها، أما الميلودي فهي تلك الأصوات المتنوعة والتي هي أساس أي مقطوعة موسيقية، وهي الخط الأساسي لأي لحن، أما الهرموني فهو تناغم الإيقاع مع الميلودي.

والبعض يتعامل مع الهمهمات humming الناتجة من صوت بشري على أنها موسيقى، وبالطبع لو كانت تُحمل جملة لحنية مسموعة ومنضبطة فهي لحن، والبعض حاول الانسلاخ من فكرة حرمانيه الأغاني فقدم ذلك اللون من الأغاني عن طريق تلك الهمهمات لكن النتيجة واحدة في النهاية.

وخلال رحلتي والتي استمعت فيها تقريبًا لكل ألوان الموسيقى الشرقية والغربية والإسبانية، وجدت أن الموسيقى لا يبرع فيها سوى غير المسلم، وأنا في هذا لست بمتحامل على أي شخص لكنها الحقيقة، فبيتهوفن وتشايكوفسكي وغيرهم لم يكونوا مسلمين، والبعض يقول إن أندريا ريدر كان أفضل من محمد عبد الوهاب نفسه.

تأثير الموسيقى على شخصية الإنسان .. يوميات عاشق للموسيقى

ومحمد عبد الوهاب نفسه أو كما يلقبونه بموسيقار الأجيال تقابل كثيرًا وتناقش مع الدكتور مصطفى محمود واحتد بينهم النقاش على طبيعة الموسيقى، وهل هي من الأعمال التي يتشرف الواحد منا أن يقابل الله عز وجل بها، أم أنها “حاجة متشرفش”، وكانت النقاشات تنتهي ببكاء عبد الوهاب دائمًا.

وهذا رابط للمقطع يروي فيه الدكتور مصطفى محمود بنفسه تلك القصة.

ولا بد وأن تعلم عزيزي القارئ أن الموسيقى في المقام الأول صناعة industry تدر لأصحابها من المنتجين والملحنين والعازفين ومهندسي الصوت آلاف الدولارات وهي مهنتهم، لماذا أقول هذا، لأن هذه الأموال الطائلة قد تدفعهم لإخفاء حقيقة الألم والمعاناة والحيرة التي يعانونها بسبب سماعهم وعملهم بالموسيقى.

رأي الشرع في الموسيقى

ولن نتحدث كثيرًا عن أدلة التحريم، يكفينا أن نقول إنه ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف”، وقال عمر بن عبد العزيز أن “الغناء مبدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن”.

والأغاني فوق كل هذا تؤجج مشاعر وعواطف الشباب الغض، والذي لا يقوى على تحمل كل تلك الجرعات من الكلمات والأنغام المتدفقة، وعلى لسان أحد العاملين بالموسيقى، قال لي أنه يمر بنوبات من الاختناق بعد سماعه عدد كبير من مقاطع الموسيقى، بالرغم من دخوله لكلية التربية الموسيقية عن اقتناع.

أنواع الموسيقى

والموسيقى أنواع منها البحتة والمقصود بها تلك النغمات والألحان غير المصحوبة بالصوت البشري أو الغنائي، وبالطبع لها رواج أكبر في الغرب على خلاف الشرق الذي أدمن كثيرًا النوع الثاني من الموسيقى وهي الموسيقى التطبيقية أي المقطوعة الموسيقية المصحوبة بكلمات وصوت يغني تلك الكلمات.

ومنها أيضًا نوع ثالث وهو الصوت البشري فقط والذي ظهر مؤخرًا لدى عدد من المحتجين على العمل بالموسيقى، لكونها حرام، ومشكلة هؤلاء أنهم يعتمدون على نفس المقامات الموسيقية التي هي من نفس نسيج أشهر المقطوعات الموسيقية العالمية المعروفة، والذي يفسر طرب البعض لذلك النوع من الأغاني.

أصناف الناس وفق تأثير الموسيقى فيهم

الهارب من الواقع

وهذا هو النوع الأول، شاب لديه من المشكلات الكثير، وبالطبع لا يحاول أن يصمد أمامها ليحلها أو حتى لتغلبه فيتعلم من فشله في حلها، فيهرب ليحاول أن يسمع بعض الموسيقى أو الأغاني، لكي تنفس عن روحه قليلًا، ولكن الحالة للأسف تزداد سوء في الغالب كما قال لي أحدهم.

الذي يريد أن يعمل بالموسيقى

وهذا واضح من البداية، هو يسمع الموسيقى ليس لأنه يحبها ولكن لكونه، يريد العمل في مجال الموسيقى، ذلك الشخص أجده عن قرب محبًا للشهرة، وهو ليس من المهرة بالموسيقى ولكنه يحاول ليصل لهدفه، وبالطبع هو يرى أن الموسيقى هي سر الحياة.

الباحث عن شيء يَفقده

وهو ذلك الشخص الذي تجده يسمع الموسيقى بشكل متقطع كثيرًا، فتجده يسمع خمس ثواني من أغنية ثم يتجه لأخرى ليسمع ثلاث ثواني مثلًا، والفكرة هنا أن ذلك الشخص حائر دومًا، ويريد أن يصل لبر أمان ولكن المشكلة أنه كالذي يبحث عن الماء وهو داخل النهر العذب.

الذي يمر بحالة نفسية سلبية

المتبرم “المخنوق” والذي لديه حالة سلبية من الحزن أو القلق أو الاكتئاب والتي قد يكون مر بها بعد حالة من الفراق العاطفي، فتجده يتجه فورًا لسماع الأغاني لكي يواسي نفسه ويهدأ من روعها وهو في الغالب يسمع للأغاني الحزينة بكل تأكيد.

المتحذلق

والذي يرى أن الموسيقى هي سر الوجود وهو بكل تأكيد مكابر، وهو يسير على نَهج المطربة اللبنانية فيروز والتي تقول في إحدى أغانيها “فالغناء سر الخلود وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود”، وبالطبع هو متيم للغاية بالموسيقى والألحان وللأسف هذا النوع موجود كثيرًا.

من يحبونها من فرط ما سمعوها

وهذا النوع يسير وفق قاعدة “ما تكرر تقرر” وكما يقول المصريون “الدوي على الودان أمر من السحر”، هو من فرط ما يسمعها في كل مكان، يحبها دون أن يدري لماذا، حتى أننا للأسف أثناء الصلاة نسمع بعض تلك المقطوعات الموسيقية من أشخاص مصلين معنا بسبب أنهم تركوا جوالاتهم مفتوحة الصوت.

تأثير الموسيقى على شخصية الإنسان .. يوميات عاشق للموسيقى

من يدعي حبها

والحقيقة أن الكثير ممن يسمعون الموسيقى يعلمون تلك الحقيقة، وهي انهم لا يحبون الموسيقى ولكن يحبون مشاهدة تلك الكليبات الصارخة والعارية المصاحبة للموسيقى، وبالطبع تلك المشاهد والكليبات هي بغرض التسويق للموسيقى، والدليل على ذلك أنه لو وقعت صناعة الكليبات لبارت أسواق الموسيقى.

البعيد عن الدين

وذلك النوع من الناس يرى أنسًا بالموسيقى، وأجد منهم الكثيرين غير مصلين، وبعض منهم أكثر ذكاء يصدر لنا فكرة حبه للموسيقى ولكنه في الحقيقة يكره فكرة الدين والتدين من الأساس.

هل تأثير الموسيقى يمكن أن يكون إيجابيًا

والعربي والمسلم في سماعه للموسيقى له خصوصية، هو يحب الانغماس كليًا فيها، بمعنى أنه يبدأ بسماعه للموسيقى ثم يتطور معه الموقف لينشر حبه لها ثم يعمل بها ويتمكن منها، وبالطبع تتمكن منه، فالعربي لا يمكن أن يمر على الموسيقى مرور الكرام.

أما بالنسبة لغير العرب وغير المسلمين فالأمر هو مجرد سماع محض للموسيقى، ويخصصون لها الوقت لسماعها لكن يعلمون قدرها ويعلمون أنها مجرد تسلية، ولا ينغمسون فيها كالعربي المسلم، ولا تعوقهم عن العمل والتقدم الحضاري والعلمي.

والبعض يتوهم بصراحة أن الموسيقى لها تأثير يريح القلب ويغير المزاج ولكن هذا غير منطقي للغاية، فالشخص الحزين في الغالب يميل لسماع الأغاني الحزينة، والتي تزيده حزن على حزنه بكل تأكيد، وتوصله لما هو أبعد من ذلك من قلق وتوتر واكتئاب.

وحتى المطربين أنفسهم يعلنون على الملأ تجاربهم النفسية والمرضية التي هي في منتهى القسوة، ومنهم عبد الحليم حافظ أسأل الله أن يرحمه، والذي توفي موجوعًا بالمرض ولم تغيره الموسيقى وتحسن من صحته النفسية.

والبعض بالغ في دور الموسيقى فبعضهم يدعي أن هناك أغاني وطنية تلهب حماس الجنود، والبعض منهم وأنا قابلته قال بمنتهى الشطط أنه لولا الأغاني لما انتصر الجنود في حرب أكتوبر، والبعض يهزئ ويقول إنه هناك ما يسمى أغاني دينية ولا أعلم ما معنى دينية هنا، هل يترتب على سماعها حسنات.

ما هو الأخطر من تأثير الموسيقى

البعض ممن يحبون الموسيقى للأسف عندما يستمعون للقرآن تجد أهات وأصوات تخرج منهم، وتسأله ما سبب هذا، يقولون هذا بسبب قوة ألفاظ ومعاني القرآن كرسالة سماوية، ولكن الحقيقة التي أعترف لي بعضهم بها، أنهم يستمعون لمجرد أصوات ويتعاملون مع القرآن على أنه مقامًا موسيقيًا.

وهذا مقطع أكثر من رائع يشرح فيه الدكتور أحمد خليل خير الله فكرة أننا للأسف حولنا القرأن لموسيقى، وأننا في الغالب نتعامل مع القرآن على أنه أصوات ومقامات.

تأثير الموسيقى على الشخصية

تعزلك عن الواقع

تبعدك عن الواقع الذي تعيش، فواقعنا ملي بالمشكلات تلك المشكلات تحتاج لشخص يعاقرها ويحاول حلها أو الصبر عليها لو لم تكن هناك فرصة للإصلاح، والسامع للموسيقى لديه حل واحد وسريع وناجز وهو أن يهرب ويسمع للموسيقى، على أمل أن تمده الموسيقى بحل لمشكلاته.

تأثير الموسيقى على شخصية الإنسان .. يوميات عاشق للموسيقى

دائرة مُفرغة من الألم وعدم الراحة والحيرة

تؤدي للاكتئاب والتوتر والحيرة، وللأسف البعض يتعامل مع الموسيقى على أنها تصفي النفس وتزكي الروح، وهذا فيه مغالطة شرعية كبيرة، فالروح غذائها القرآن وذكر الله، وذلك التوتر يستمر في دائرة مفرغة من البحث عن مخرج للتوتر، فيسمع الشخص للموسيقى كي يخرج من التوتر فيدخل فيه أكثر.

تعلمك المبالغات العاطفية

وبالطبع تجد كل الأغاني تقريبًا، تدور في فلك المبالغات، فمثلًا يتحدث المطرب الفلاني على أنه لا يستطيع العيش من غير الفتاه الفلانية، وبالطبع هذا يبرمج العقل على تلك الفكرة، فتجد من يسمع لتلك الأغنية يتبنى لتلك الأفكار والكلمات دون أن يشعر، فتجده يتعلق تعلقًا مرضيًا بمحبوبته والتي في الغالب تتركه.

تعودنا السلبية

هي حتى تعود المحبوب السلبية في أمر يخصه، فمثلًا أغنية “قولوا له الحقيقة” لعبد الحليم حافظ، تجد في مطلع الأغنية يطلب ممن حوله، أن يذهبوا ويقولوا لمحبوبته أنه يحبها، ولم يفكر أن يحاول هو ليذهب ويقول لها بنفسه، وذلك تفسير لفكرة السلبية التي تعلمانها من الأغاني خلال هذه المقاطع التالية.

تهيج المشاعر في غير موعدها

فالموسيقى حتى البحتة منها، تعلم الشباب أن يستجيبوا لعواطفهم في سن صغيرة، وتجعلهم يحاولوا الدخول في أي علاقة عاطفية بغض النظر عن جاهزيتهم لذلك من عدمها، مما يدفع الشباب للألم والمعاناة بسبب خوضهم لعلاقات عاطفية في الغالب تنتهي بالفشل.

تهدم المنطق لديك

والأغاني ليس فيها من المنطق شيء، فهي تبرمج الشاب حتى يعتقد أن حبه فقط لفلانة الفلانية يكفي لأن يتزوجها، ولكن الحقيقة والواقع أن الزواج مشروع يحتاج من العمل والمسؤولية والجد الكثير، كي يبدأ ويستمر، وقديمًا قالوا “لو دخل الفقر من الباب هرب الحب من الشباك”.

تبعدك عن عبادتك وطاعتك لله

بكل تأكيد تلك هي النتيجة المنطقية والنهائية، لكل تلك الرحلة من البحث عن الراحة والسعادة في غير طريق الله عز وجل، حتى أن بعض السلف قالوا، “ما عند الله لا ينال إلا بطاعته”، فلن تستطيع أن تنعم بالسعادة والراحة الحقيقية إلا لو سِرت على منهج الله عز وجل والواضح جدًا.