هل تخيلت من قبل الأرض من دون قمر ؟

من بين كل أقمار نظامنا الشمسي فإن قمرنا فريد من نوعه، إنه الوحيد الكبير كفاية والقريب كفاية ليوازن كوكبه الأم الأرض، لكن قمرنا يدور مبتعدًا وبشكل متزايد، وفي النهاية سوف يكون بعيدًا بحيث يعجز عن موازنة الأرض.

يقول أحد العلماء “ابعدوا القمر وسوف تنقلب الأرض وتبدأ الكوارث، فالحرارة المرتفعة سوف تبخر الماء وتذيب الجليد في القطبين، وقد ترتفع مياه المحيطات إلى عشرات الأمتار، وقد تثور أعاصير غبارية وعواصف شديدة لأجيال عدة فمن دون حماية القمر لنا سوف تفنى الحياة على الأرض”.

إذا ابتعد القمر عشرات الكيلو مترات فقط عن مداره الحقيقي الذي يقدر بعده بـ 400 ألف كيلو متر عن الأرض فسوف نصل إلى نقطة اللاعودة، عندها سيصبح دوران الأرض فوضويًا ولا يمكن التنبؤ به، فستصبح الأرض غير صالحة للكثير من أشكال الحياة.

تاريخ الأرض كما يرويه العلماء

حساب بعد القمر عن الأرض

يعلم العلماء أن القمر يبتعد، لأنهم يراقبون حركته في الأربعين سنة الأخيرة، ففي عام 1969 ترك رواد الفضاء أبولو ثلاثة مقصورات صغيرة تحتوي على عاكسات، تساعدنا حتى اليوم في قياس بعد القمر عن كوكب الأرض.

ففي ولاية نيومكسيكو الأمريكية يوجد مرصد أبولو الذي يقوم بحساب بعد القمر بواسطة الليزر لكن احتساب سرعة ابتعاد القمر عن الأرض ليست بالأمر السهل.

حيث يقوم المرصد بإصدار ضوء ليزر نحو القمر، وفي القمر يلتقي الليزر بالعاكسات التي تركها رواد الفضاء هناك، هذه العاكسات عبارة عن مرآة تعكس أي ضوء باتجاه مصدره لذلك تعيد العاكسات الموجودة على القمر ضوء الليزر نحو التليسكوب الذي قام بإرسال الليزر في مركز أبولو.

وهناك يتم قياس مدة وصول الليزر نحو القمر وعودته إلى الأرض بدقة، وهذه الطريقة تمكن العلماء من احتساب بعد القمر بدقة تصل إلى ميلي متر واحد.

ومن المعروف أن الليزر يتميز بإمكانية توجيهه والتحكم به كما نشاء إضافة إلى سرعته حيث يحتاج الضوء إلى 2.7 ثانية ذهابًا وإيابًا من القمر بعد قطع مسافة 800 ألف كيلومتر.

ويواجه العاملون في مركز أبولو مشاكل عديدة فالغلاف الجوي للأرض يشتت ضوء الليزر مرتين خلال ذهابه إلى القمر وأثناء عودته إلى الأرض.

وقد أظهرت عقود من أخذ القياسات باستمرار أن القمر يبتعد عن الأرض بمعد نحو 3.5 سنتيمتر في السنة وهذه قد تبدو مسافة ضئيلة لكنها تتراكم مع الزمن.

أهمية القمر للأرض

تقول جينيفر هيلدمان وهي عالمة كواكب في وكالة ناسا للفضاء “إن أهمية القمر بالنسبة إلى وجودنا على كوكب الأرض هي من المسلمات، فنحن نحصل على قوة جذب من القمر إلى الأرض لذا فإن القمر يرتبط بشدة بكل ما يحصل على الأرض”.

لقمرنا أكبر كتلة في نظامنا الشمسي بالنسبة إلى كوكبه الأم، وهذه الكتلة الكبيرة تساعد على توازن الأرض، فالجاذبية هي أساس علاقته مع كوكبنا وهذه القوة تعتمد على عاملين هما الكتلة والمسافة التي تفصل بين جسمين وكلما كانت الأجسام أقرب وأثقل كان التجاذب بينها أقوى.

المحافظة على توازن كوكب الأرض

بما أن القمر هو أكبر وأقرب جسم إلى الأرض فإن الجاذبية بينهما كبيرة، فجاذبية القمر تجعل كوكبنا ثابتًا على محوره وهذا أمر ضروري جدًا فللأرض محور ثابت تدور حوله وهو يميل 23.5 درجة.

تلك الدرجة اللطيفة والمعتدلة من الميلان تمكن ضوء الشمس من الانتشار بشكل واسع على كوكبنا، مما يبقي الأرض ضمن مدى ضيق من درجات الحرارة وهذا المدى أثبت أنه مثالي للحياة وهو الذي ساعد في نشوء الحياة وتطورها.

فنحن نملك نظامًا مناخيًا متوازنًا جدًا يعتمد على بقاء ميلان محور الأرض ثابتًا، لذلك فإننا وجميع الكائنات الحية نحتاج لهذا الوضع الثابت لكي تتمكن الحياة من الاستمرار والازدهار.

تشكيل فصول السنة

إن المحور الثابت للأرض الذي يحافظ عليه قمرنا هو الذي يشكل فصول السنة، فعندما يميل القطب الشمالي نحو الشمس تشكل تلك الزاوية صيفًا معتدلًا في نصف الكرة الشمالي وشتاء في نصف الكرة الجنوبي، أما عندما يميل القطب الشمالي مبتعدًا عن الشمس يحدث العكس تمامًا فهو يشكل الصيف في نصف الكرة الجنوبي والشتاء في النصف الشمالي.

موازنة القمر للأرض هي التي تحافظ على شروق الشمس وغروبها بثبات شرقًا وغربًا، ولو لم تكن الأرض تدور في هذا المحور لرأينا الشروق والغروب في أماكن مختلفة من السنة؛ فلولا وجود القمر لما حلت الفصول المنتظمة، ولم تكن النباتات والحيوانات لتبقى.

ابعدوا القمر ولن تتفتح الأزهار، ولن يقوم النحل بالإلقاح في الربيع، لن تطير الإوز جنوبًا في الشتاء ولا شمالًا في الصيف لتتكاثر ولن تسقط البذور من الأشجار لكي تنبت.

حتى مع وجود القمر تتذبذب الأرض تذبذبًا صغيرًا يبلغ مداه 1.5 درجة عن محوره، وذلك نتيجة الجاذبية الطبيعية المفروضة على الأرض من قبل كواكب كبيرة عابرة، وبينما يستمر القمر في الابتعاد عن الأرض تبتعد الأرض أكثر فأكثر عن محورها مما يسبب تذبذبًا أكبر.

تلك التذبذبات لها تأثيرات كبيرة على البشر، فقبل 100 ألف سنة تقريبًا غير تذبذب ثانوي أشعة الشمس الساقطة على الأرض بما يكفي لتحويل غابات ضخمة إلى ما يعرف الأن بالصحراء الكبرى ومن المحتمل أن هذا ما أجبر أوائل البشر على الهجرة لشمال أفريقيا، وفي أوربا وأميركا الشمالية حث هذا التذبذب على تشكل الجليد الذي بقي لآلاف السنين.

فالأحداث كالعصر الجليدي والتصحر يمكن أن تؤدي إلى تأثيرات كبيرة على حياة البشر، ولولا وجود القمر لما تمكنت الأرض من البقاء ثابتة حول محورها وكانت عندها درجات الحرارة تتغير باستمرار، لذا فإن تأثير القمر بالأرض والحياة حاسم جدًا.

المد والجذر

يلعب القمر دورًا في حدوث ظاهرتي المد والجذر فجاذبية القمر هي التي تسبب صعود المياه للأعلى فيحدث عندها المد وعند غياب القمر يحدث الجذر، ويقول يعض العلماء أن ظاهرة المد والجذر هي التي ساهمت في خروج أولى الكائنات الحية التي تشكلت في البحار والمحيطات إلى اليابسة.

إن ظاهرة المد والجذر لا تحدث فقط في الماء فالقارات أيضًا تتأثر بجاذبية القمر، والأرض الصلبة تتشوه ما يتسبب بحدوث نتوءات قد لا نشعر بها نحن البشر، لكن الآلات الحساسة تشعر بهذا التغير الضئيل.

إذن للقمر أهمية كبيرة للأرض وتوازنها وقد أثبتت القياسات الدقيقة لضوء الليزر أن القمر يبتعد بشكل متسارع، ولو ابتعد القمر عن مداره الحالي مسافة 40 ألف كيلو متر فسوف تنتهي الحياة التي نعرفها على كوكب الأرض.

الحماية من النيازك

يحمينا قمرنا من النيازك أيضًا، فبعض الفوهات على سطحه كبيرة جدًا وجميعها نتجت عن اصطدام صخور ونيازك به، ومن دون القمر قد تصطدم هذه النيازك بالأرض مما يتسبب بنتائج كارثية على الحياة.

ولكي نفهم جيدًا إلى أين يتجه القمر علينا في البداية أن نفهم أين كان القمر وكيف تشكل.

تشكل القمر

لقد تشكلت الأرض والقمر في نفس الوقت تقريبًا، فقبل نحو 4.5 مليار سنة كانت هناك الكثير من المواد والصخور التي تحوم في نظامنا الشمسي واتحدت هذه المواد لتشكل كوكب الأرض.

ومن المرجح أن قطعة كبيرة من الصخر أو كوكبًا كبيرًا بحجم المريخ قد اصطدم بالأرص، وكان الاصطدام بزاوية مثالية هي 45 درجة ولو كان هذا الاصطدام مباشرًا بين الكوكبين لدمر كوكب الأرض بالكامل، فيما لو كانت الضربة أكثر انحرافًا كانت ستقذف حطام أقل هذا الحطام الذي هو أساس قمرنا اليوم.

كان اصطدام الأرض بذلك الجرم حتميًا فقد كانا يدوران في مدارات متقاربة حول الشمس ما أدى في النهاية إلى التصادم في نقطة ما.

بعد الاصطدام قذفت كمية كبيرة من الصخور والحطام إلى الفضاء بعيدًا عن الأرض، سقط بعضها من جديد على الأرض لكن بقيت الكثير من الصخور التي لم تسقط وأصبحت تدور في مدار حول الأرض وأثناء دوراتها كانت هذه الصخور تتصادم فيما بينها وتلتحم مشكلة قطعًا أكبر فأكبر واستمر في ذلك لمدة شهر واحد تقريبًا حتى تشكل قمرنا الحالي، فالقمر الذي نراه في الليل هو طفل الأرض وحاميها بنفس الوقت.

وأثناء تشكل القمر غاصت المعادن الثقيلة مثل الحديد إلى الأسفل مشكلة نواة الأرض، هذه النواة ولدت حقلًا مغناطيسيًا قويًا يمتد ألاف الكيلو مترات في الفضاء.

وهذا الحقل المغناطيسي يحافظ على الغلاف الجوي في مكانه فمن دونه سوف تبدد الأشعة الشمسية والكونية الغلاف الجوي للأرض والماء السائل.

فلو لم يكن هناك القمر تابعًا لنا لما وجدنا على الأرض، ولكانت الأرض كالمريخ مقفرة فالمريخ محروم من غلاف جوي سميك وماء سائل على سطحه.

ويقول العلماء أن المريخ كان يملك غلافًا جويًا سميكًا وماء لكن حقله المغناطيسي تبدد ما تسبب في تبخر الماء والعلماء غير واثقين من السبب لكنهم يعتقدون أن المريخ لم يملك قمرًا كبيرًا كفاية وقريبًا كفاية ليحافظ على مكوناته الكوكبية.

فلربما تشكلت بعض أشكال الحياة البدائية على المريخ لكنها لم تتمكن من البقاء والاستمرار كما حصل على كوكبنا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.