تاريخ الأرض كما يرويه العلماء

الأرض هي المكان الوحيد الذي توجد فيه الحياة في الكون، فما الذي يجعل كوكبنا مميزًا إلى هذه الدرجة؟ إن الإجابة على هذا السؤال مدفون في أعماق ماضي الأرض، ولنتمكن من إيجادها علينا السفر عبر الزمن في الماضي لنرى أولى البشر الذين ساروا على الأرض ونواجه الديناصورات القاتلة ونغوص في المحيطات المليئة بالحياة الغريبة، لنشعر بالبرودة القاسية في العصور الجليدية الغابرة، ونختبر خطر الصواريخ الفضائية التي تساقطت على الكوكب.

يجب علينا أن نسافر إلى الماضي لكي نجمع أجزاء قصة نشأة كوكبنا، ونعرف سبب وجودنا على هذا الكوكب المذهل وكيف نشأنا عليه.

تاريخ الأرض كما يرويه العلماء

قصة الأرض قبل 5 مليار سنة

تبدأ قصة الأرض قبل 5 مليارات سنة؛ حيث لم يكن هناك أي أثر لكوكبنا في ذلك الوقت، فهو لم يكن قد تشكل بعد.

لم يكن هناك سوى نجم مولود جديد هو شمسنا التي نعرفها والتي تسطع علينا كل صباح، كانت الشمس في ذلك الوقت مكانًا محاطًا بالكثير من الغبار الكوني والصخور المتناثرة. ونتيجة للجاذبية تجمعت كتل من هذا الغبار والصخور مع بعضها.

استمرت هذه العملية لملايين السنين مما تسبب في تشكل صخور عملاقة تجمعت لتشكل أساسًا لكوكب الأرض. وبعدها تحولت الصخور الضخمة التي تكونت من عبر ملايين السنين إلى كوكب الأرض.

كوكب الأرض قبل 4.5 مليار سنة

لكن كوكبنا قبل 4.5 مليار سنة كان أشبه بالجحيم ولا يشبه وطننا الحالي أبدًا؛ فقد كانت درجة حرارته تزيد عن 1200 درجة مئوية، ولا يوجد أي هواء.

لم يكن الغلاف الجوي يحتوي سوى على غاز ثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء، ولم تكن الأرض مكانًا ملائمًا لنشأة الحياة فسطحها كان عبارة عن صخور وحمم نارية منصهرة وبراكين هائلة تتفجر في كل مكان.

كانت القشرة الأرضية الصلبة لم تتشكل بعد فالسطح كان عبارة عن محيط ضخم من الصهارة والحمم البركانية. وبعد فترة من تشكل كوكبنا جاء كوكب صغير الحجم كالمريخ يدعى ثيا واصطدم بالأرض.

كوكب الأرض قبل 4.5 مليار سنة

تسبب هذا الاصطدام في تطاير ألاف مليارات الأطنان من الصخور والحجارة في الفضاء، وعندها لعبت الجاذبية دورها الثاني، حيث بقي الحطام المتطاير يدور حول الكوكب لمئات السنين كحلقة حمراء.

وبفعل التصادم والجاذبية التي حدثت بين هذه الصخور المتطايرة تشكلت كتلة عملاقة بدأت تكبر وتكبر حتى تحولت إلى القمر الذي نراه في كل ليلة.

كوكب الأرض قبل 4.5 مليار سنة

لكن في ذلك الوقت كان القمر أقرب بكثير من القمر الحالي فقد كان يبعد عن الأرض مسافة 22 ألف كيلومتر بدلًا من بعده الحالي الذي يقدر بـ 400 ألف كيلومتر.

اليوم كان 6 ساعات فقط

كان سطح الأرض قد بدأ بالبرودة وكان اليوم قصيرًا فقد كانت الشمس تشرق ثم تغرب بعد 3 ساعات من شروقها؛ فالاصطدام مع ذلك الكوكب أدى إلى تسريع دوران الأرض بحيث أصبح اليوم الواحد يدوم 6 ساعات فقط.

كانت الأيام تمر بسرعة لكن الأرض كانت تتغير ببطء ولكي نلاحظ التغييرات التي كانت تحصل على الأرض علينا أن نتقدم بالزمن لملايين السنين.

الأرض قبل 3.9 مليار سنة

قبل 3.9 مليار سنة تعرضت الأرض لوابل عنيف من النيازك المتبقية من تشكل المجموعة الشمسية.

حملت هذه النيازك معها جزيئات من الماء والملح، وكانت كمية الماء قليلة في كل نيزك لكن هذا القصف العنيف للأرض والذي استمر لـ 30 مليون سنة أو أكثر أدى إلى تكوين برك من الماء هذه البرك تحولت مع الزمن إلى البحار والمحيطات التي نعرفها اليوم.

بقي لب الأرض في حالة انصهار، ولكن سطحها برد إلى 70 أو 80 درجة مئوية. لكن بالكاد كانت هناك قشرة أرضية صلبة.

والأن في جميع البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات. كل قطرة من الماء التي نراها أو نشربها قد تكون سافرت ملايين الكيلومترات لتصلنا محمولة على أحد النيازك.

ورغم وجود كل هذه الكمية الضخمة من المياه ليس للحياة أي وجود بعد؛ فنتيجة لسرعة دوران الأرض تشكلت عواصف وأعاصير ضخمة. والقمر القريب جدًا من الكوكب يتسبب في موجات مد وجذر هائلة تسارعت في كل أنحاء الكوكب.

ابتعاد القمر عن الأرض

لكن مع الوقت ابتعد القمر قليلًا مما تسبب في تهدئة الأمواج وتباطء دوران الأرض.

بعد ولادة كوكبنا بـ 700 مليون سنة أصبحت المياه تغطي سطحه. ولكن ليس الماء فقط هو ما يغطي سطحه؛ فقد بدأت الأرض بالظهور من وسط المحيط، والحجارة المنصهرة تنبثق من باطن الأرض.

ومع الوقت تشكلت جزر بركانية عديدة في كل أنحاء الكوكب، تجمعت هذه الجزر عبر ملايين السنين لتكون القارات الأولى؛ فأصبح على الأرض ماء ويابسة وأصبحت تشبه الكوكب الذي نسميه وطننا. لكن الجو مازال سام والحرارة حارقة ولا شيء يمكن أن يعيش فيه.

الأرض قبل 3.8 مليار سنة

قبل 3.8 مليار سنة تعرضت الأرض لوابل جديد من النيازك، وكسابقاتها من النيازك التي جلبت الماء إلى كوكبنا جلبت هذه النيازك خلال تحللها معادن كثيرة وأطلقت الكربون والبروتينات البدائية والأحماض الأمينية من الفضاء الخارجي إلى أعماق المحيطات.

وفي أعماق المحيطات كان المكان مظلمًا تمامًا حيث أن ضوء الشمس لا تستطيع اختراق أكثر من 300 متر، والحرارة تقترب من التجمد.

ورغم ذلك كانت هناك مناطق دافئة وهي مناطق ينبعث منها الدخان. كان هذا الدخان عبارة عن كميات من المياه التي تسربت إلى أسفل قاع المحيط عبر التشققات ثم تبخرت وخرجت محملة بالمعادن والغازات.

هذا الخليط من المياه والمعادن والغازات أدى إلى تشكل مداخن في بعض المناطق من قاع المحيطات. ومع إضافة المواد الكيميائية القادمة مع الصخور النيزكية إلى هذه الغازات التي تخرج من المداخن تشكل خليط كيميائي.

ولا أحد يعرف أين ومتى تفاعلت هذه المواد مع بعضها لتصنع الحياة. فأصبحت المياه مليئة بالميكروبات الصغيرة من البكتيريا وحيدة الخلية، وهي أولى أشكال الحياة على كوكب الأرض.

الأرض قبل 3.8 مليار سنة

استمرار الحياة المجهرية لملايين السنين

لكن الحياة المجهرية استمرت ملايين السنين ونحن بحاجة أن نتقدم بالزمن إلى ما يقارب 3.5 مليار سنة لنجد أولى أشكال الحياة المعقدة.

ففي المحيطات الضحلة بالقرب من سواحل اليابسة تجمعت الملايين من الكائنات وحيدة الخلية لتشكل مستعمرات كبيرة تدعى مستعمرات الستروميتولايت Stromatolite؛ حيث كانت هذه المستعمرات تحول أشعة الشمس الساقطة عليها إلى غذاء كالسحر.

وتسمى هذه العملية بالتركيب الضوئي، وهي العملية التي تستخدم ضوء الشمس لتحويل الماء وثاني أوكسيد الكربون إلى جلكوز وهو أبسط أنواع السكر.

كانت هذه العملية مهمة لتطور الحياة على كوكبنا فبالإضافة إلى إنتاج السكر كانت هذه المستعمرات تطلق واحدًا من أهم العناصر الضرورية للحياة وهو غاز الأوكسجين. فقد قامت مستعمرات الستروميتولايت خلال ملايين السنين بإشباع المحيطات بالأوكسجين.

مستعمرات الستروميتولايت
مستعمرات الستروميتولايت

وعبر ملياري سنة ازدادت كمية الأكسجين في الجو. ومع تباطؤ دوران الأرض ازداد طول اليوم وأصبح اليوم يعادل 16 ساعة تقريبًا.

الأرض قبل 1.5 مليار سنة

وقبل 1.5 مليار سنة إي بعد تشكل الأرض بـ 3 مليارات عام لا تزال أشكال الحياة المعقدة منعدمة فلا يوجد أي أثر للنباتات أو الديناصورات أو البشر بعد.

بدأت القشرة الأرضية تتشقق في قاع المحيطات إلى عدة صفائح وأصبحت هذه الصفائح تتحرك فوق لب الأرض المنصهر وخلال 400 مليون سنة تصادمت الجزر مع بعضها البعض مشكلة قارة واحدة عملاقة أسمها روديتا.

وفي المياه الضحلة حول روديتا كانت مستعمرات الستروميتولايت لا تزال تقوم بعملها منذ ملياري عام. وأصبحت حرارة الأرض 30 درجة مئوية، وطول اليوم أصبح 18 ساعة.

لكن وعلى الرغم من أن المحيطات كانت تغص بالحياة بقيت اليابسة خالية ولا يوجد عليها أي نوع من أشكال الحياة.

الأرض قبل 750 مليون سنة

قبل 750 مليون سنة تمزقت القشرة الأرضية بفعل قوى الحرارة في باطن الأرض ويومًا بعد يوم وعبر ملايين السنين تمزقت القارة الكبرى روديتا إلى قارتين.

وأدى هذا النشاط الجيولوجي الكبير إلى تفجير الألاف من البراكين التي ضخت غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو. انتشر الدخان والغاز في كل مكان، وكان غاز ثاني أوكسيد الكربون يختلط بالمياه مسببًا بأمطار حمضية.

وقامت الصخور بامتصاص هذه الأمطار الحمضية ومعها ثاني أوكسيد الكربون مما تسبب في نقصان كمية هذا الغاز في الغلاف الجوي. وكانت الكمية المتبقية من غاز ثاني أوكسيد الكربون غير كافية لتحبس حرارة الشمس على الكوكب. وخلال بضعة ألاف من السنين انخفضت درجات الحرارة كثيرًا لتصل إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر.

الأرض قبل 650 مليون سنة – العصر الجليدي

وقبل 650 مليون سنة بدأ ما يسميه العلماء بالعصر الجليدي. هذه الفترة يعتقد أنها أكثر العصور الجليدية برودة التي مرت في تاريخ الأرض. حيث تحولت الأرض إلى كتلة من الثلج الضخمة.

وكلما ازداد الجليد سماكة ازداد كمية الأشعة الشمسية المنعكسة عن سطح الأرض مما يزيد من برودة الكوكب أكثر فأكثر. وبدا أن هذا الجليد الأبيض لا يمكن إيقافه أبدًا.

الأرض قبل 650 مليون سنة – العصر الجليدي

في السابق كانت الأرض عبارة عن كتلة ملتهبة من الصهارة والأن أصبحت الأرض مغطاة بالكامل بطبقة من الجليد الذي تبلغ سماكته 3 كيلومترات.

بسبب طبقة الجليد البيضاء أصبحت الأرض تعكس تقريبًا كل الأشعة الشمسية الساقطة عليها وطاقتها الحرارية. لكن هذا الأمر لن يدوم للأبد. فشيء ما سوف يبدل كل ذلك ويطلق الأرض من السجن الجليدي.

فسطح الأرض متجمد لكن لب الأرض لايزال أسخن من حرارة سطح الشمس. فالبراكين نشطت من جديد وأطلقت مليارات الأطنان من غاز ثاني أوكسيد الكربون.

في الماضي امتصت الصخور الغازات المنبعثة من البراكين أما الأن فلا يمكن للصخور أن تفعل ذلك لأنها مدفونة تحت طبقة سميكة من الجليد. هذا الأمر سبب امتلاء الجو بغاز ثاني أوكسيد الكربون الذي عمل على حبس حرارة الشمس مما تسبب في ارتفاع الحرارة تدريجيًا وبدأ الجليد بالذوبان.

كانت البراكين تطلق المزيد من غاز ثاني أوكسيد الكربون مما تسبب في ارتفاع الحرارة أكثر فأكثر وازدادت نتيجة لذلك سرعة ذوبان الجليد.

بسبب سلسلة من التفاعلات الكيميائية نتج الأوكسجين بكميات كبيرة بفعل ذوبان الجليد. فقد أدت الأشعة فوق البنفسجية إلى أنتاج مادة غنية بالأوكسجين تدعى بيروكسيد الهيدروجين وبعد ذوبان الجليد تحلل بيروكسيد الهيدروجين ليطلق كميات مهولة من غاز الأوكسجين.

الأرض قبل 600 مليون سنة

قبل 600 مليون سنة أصبح الجو أكثر دفئًا وهو يشبه أحد أيام الصيف في يومنا هذا. وازداد طول اليوم ليصبح 22 ساعة.

العصر الكامبري

قبل 540 مليون سنة في المحيط المليء بالأوكسجين كانت البكتريا البدائية قد صمدت خلال العصر الجليدي وتطورت وأصبحت النباتات البحرية في كل مكان تقريبًا وإضافة إلى النباتات نشأت كائنات حية أكثر تعقيدًا، كانت من الحيوانات متعددة الخلايا.

عرف هذا العصر من عمر الأرض بالعصر الكامبري حيث سمحت كميات الأوكسجين الكبيرة في زيادة حجم المخلوقات وتطور هياكل عظمية وظهرت أنواع من الديدان والإسفنج وحيوان يدعى ثلاثي الفصوص الذي يعتبر القريب البعيد للحشرات.

ثلاثي الفصوص
ثلاثي الفصوص

ثم ظهرت حيوانات أضخم مثل الأنوميلوكاريس الذي بلغ طوله حوالي الـ 60 سنتيمتر. والذي كان يملك عينان وأسنانًا حادة. وكان يتغذى على ثلاثي الفصوص الذي لا يملك أية وسيلة للدفاع عن نفسه.

كما ظهرت حيوانات البيكاريا التي كان طولها حوالي الـ 5 سنتيمتر. لكنها كانت تملك أول حبل شوكي وعبر ملايين السنين سوف يتطور هذا الحبل إلى العمود الفقري الذي يساعدنا على الوقوف منتصبين.

تحت الأمواج هناك ألاف الأنواع من الكائنات الحية التي تعيش وتزدهر. لكن على السطح في اليابسة كانت درجات الحرارة تقارب 30 درجة وكميات الأوكسجين تساوي تقريبًا الكميات الموجودة في وقتنا الحالي لكن لا يوجد أثر لأي للحياة.

وهناك تفسير واحد لذلك وهو الشمس التي تمطر الأرض يوميًا بإشعاعاتها القاتلة؛ لذلك فإن الكائنات الحية التي توجد في المحيط لا تملك أدنى فرصة للحياة على اليابسة. لكن وعلى ارتفاع 50 كيلومتر من سطح الأرض حصل تغير في الغلاف الجوي.

تحول جزئيات الأوكسجين إلى غاز الأوزون

فحين تدخل الأشعة الشمسية إلى الغلاف الجوي يحدث شيء غريب. عندما تصطدم هذه الأشعة بجزيئات الأوكسجين يتحول غاز الأوكسجين إلى غاز أخر هو غاز الأوزون.

ساهم هذا الغاز في تشكيل طبقة حول الأرض تدعى بطبقة الأوزون التي تمتص الأشعة الشمسية المميتة. وخلال 120 مليون سنة ازدادت سماكة طبقة الأوزون ومنعت المزيد من الأشعة الشمسية القاتلة من النفاذ لسطح الأرض. وبدون هذه الطبقة لما وجدت الحياة على اليابسة.

تحول جزئيات الأوكسجين إلى غاز الأوزون

أولى أشكال الحياة بدأت قبل 370 مليون سنة

وقبل 370 مليون سنة من الأن بدأت أولى أشكال الحياة بالظهور على اليابسة. وكانت الطحالب أول النباتات التي ظهرت وأصبحت تضخ المزيد والمزيد من غاز الأوكسجين.

وفي الماء كان هناك نوع غريب من الأسماك تدعى التيكتاليك. كانت رقبتها طويلة بحيث استطاعت رفع رأسها وخرجت إلى اليابسة مستعملة زعانفها كالأرجل.

وخلال 15 مليون سنة كانت النباتات والأشجار قد غطت اليابسة وبدأت الحيوانات رباعية الأرجل بالظهور. هذه المخلوقات رباعية الأرجل هي من تطورت فيما بعد لتعطينا الدينصورات والطيور الثدييات.

لقد قطعت الأرض شوطًا كبيرًا منذ أن كانت كتلة كبيرة من الصخور والغبار الملتهبة إلى كوكب أزرق وأخضر مفعم بالحياة. هذه الحياة تطورت يومًا بعد يوم وعبر ملايين السنين لتعطينا أشكال الحياة التي توجد في وقتنا الحاضر.

قد يعجبك ايضا