ظاهرة الفساد في المجتمع أشكالها ومظاهرها وطرق علاجها

يعتبر الفساد من الآفات الخطيرة التي تستشري في بعض المجتمعات، وقد انتشر هذا الداء في كثير من دول العالم كانتشار النار في الهشيم وكذلك في عالمنا العربي، وصار كمرضٍ سرطانيٍ يتفشى في مختلف مجالات الحياة زارعًا الفشل والتراجع وواضعًا العصي في عجلات التقدم والتنمية، مما ساهم في تراجع وتقهقر البلدان وتخلفها في مختلف المجالات.

وعند دراسة هذه المشكلة الاجتماعية ظهرت أمامنا مجموعةٌ من الأسئلة، ما هو الفساد؟ وماهي أشكاله وصوره في المجتمع؟ وكيف أدى إلى التأثير على واقع الدول وجعلها في أخر سلم التقدم والتطور؟ وكيف تستطيع هذه الدول تجاوز هذه الظاهرة والحد منها؟

الفساد

ما هو الفساد؟

الفساد (Corruption) يأتي ضد صلاح الأمور، والفساد لغويًا عكس وضد الصلاح، فمثلا “صلاح المال” في المجتمع الإسلامي وضمن إطار موضوع إدارة المال العام وتدبير أمور الدولة أمانةٌ موضوعةٌ بين اجدي موظفي الدولة والقائمين عليها وفق القواعد العامة التي تنظم وتحكم وتسير شؤون المال العام، ويأتي شرحه بشكل واضح لا لبس فيه من خلال حديث الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “وإني لا أجد هذا المال يصلحه إلا خصال ثلاث: أن يؤخذ بالحق ويعطى في الحق ويمنع من الباطل”.

وقد تك تعريف الفساد من قبل “منظمة الشفافية العالمية” التي أسست عام 1993 وهي منظمة دولية غير حكومية تعنى بمحاربة أشكال الفساد بأنه: “”سوء استغلال السلطة من أجل تحقيق المكاسب والمنافع الشخصية””، أما في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003، فإنها غطت خمس مجالات رئيسية تتضمن التدابير الوقائية ضد الفساد وتجريمه وتنفيذ القانون والتعاون الدولي لمكافحته واسترداد الموجودات والمساعدة التقنية وتبادل المعلومات حوله بين الدول، وقد تم تجريم 5 حالات من الفساد وهي:

  • رشوة الموظفين العاملين في الدولة والموظفين الأجانب في المؤسسات الدولية العامة.
  • اختلاس أو تبديد أو سوء التصرف بالممتلكات العامة من قبل موظفي الدولة.
  • استعمال النفوذ والمتاجرة به وإساءة استغلال المنصب الوظيفي.
  • حالات الإثراء غير المشروع وغسيل الأموال وإخفائها وإعاقة سير العدالة.
  • حالات الرشوة واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص.

ما هي أنواع الفساد؟

للفساد أشكال مختلفة متعددة ولعل أبرزها:

الفساد العقدي “فساد الاعتقاد”

يعتبر فساد الاعتقاد أساس كل فساد، فالإنسان يسعى في الحياة وفق معتقداته، فإذا كان معتقده فاسد كان سعيه في الحياة فاسد، وإذا كان معتقده صحيح يرجو الصلاح والخير لأفراد مجتمعه كان سعيه صالحًا وفي الطريق الصحيح، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (البقرة: 11، 12)

 الفساد الأمني والاجتماعي

يعتبر توفر الأمن في مجتمعٍ ما من أساس النعم، والمجتمعات التي تفتقد الأمن والأمان تسود فيها أنواع كثيرة من الفساد، وعدم توفر الأمن قد يسول للأنفس المريضة سلوك طرق الفساد من غشٍ وخداعٍ ومحسوبيات، ومن فقد الأمن والأمان قد لا يشعر ببقية النعم، ويوجز لنا بلسان الحكمة معنى وجود الأمان في المجتمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا).

الفساد السياسي

والذي يعرف بأنه “إساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق المكاسب الخاصة”، أي قيام البعض من السياسيين والمتنفذين باستعمال منصبهم كأداة في الفساد لتحقيق مكاسبهم الشخصية وزيادة ثرواتهم على حساب بقية أفراد المجتمع، وكمثالٍ على ذلك صرف المال لتمويل الحملات الانتخابية والنجاح في انتخابات.

الفساد الإداري

والذي يعرف بأنه “سلوك بيروقراطي يهدف لتحقيق منافع شخصية بطرق غير شرعية” والبيروقراطية هي سلطة المكاتب والموظفين، وهي تتميز بالروتين المبالغ فيه والبطء والتمسك بحرفية القواعد والجمود، وبالتالي تعطيل سير المصالح العامة وكذلك قيام كبار الموظفين في السلطة بتعيين الموظفين وفق ما يتناسب مع مصالحهم الشخصية، واستغلال المنصب من اجل القيام بعمل ما وخدماتٍ لأشخاصٍ مقابل الحصول على مكسبٍ مادي، كما يشمل هذا النوع من الفساد الاستخدام السيئ للوظيفة وعدم تطبيقها بالأسلوب المطلوب وعدم احترام القوانين والأنظمة.

الفساد الأخلاقي

إن أول ما يفسد في نفوس الفاسدين هو الوازع الأخلاقي مهما كان مسماه دينيًا أو تربويًا أو أسريًا أو ثقافيًا، ولعل من أشد الأخطار التي تروج للفساد الأخلاقي في وقتنا هذا القنوات الفضائية الرخيصة التي تستهدف عنصر الشباب الذي يعتبر السبب في نهضة الأمم، وذلك عن طريق بث البرامج و الأفلام والأغاني التي تدعو للانحلال الأخلاقي وعدم المسؤولية والانضباط وعدم الشعور بالواجب تجاه أوطانهم ضمن دوامة من المسلسلات والأغاني والبرامج، فترى الشباب يهتمون ويتابعون مطربًا أو مطربةً ما أكثر من اهتمامهم بالدراسة والعمل لبناء مستقبلهم الذي يعتبر مستقبل الوطن اجمع.

الفساد الاقتصادي

يتمثل فيما تقوم به الشركات الوطنية أو الشركات الأجنبية من استغلالٍ بشعٍ لتفشي البطالة في المجتمع واستغلالها لليد العاملة وتسويق المنتجات وإظهار نموٍ اقتصاديٍ زائفٍ يتمثل في نشاطاتٍ تجاريةٍ وصناعيةٍ وزراعيةٍ غير حقيقيةٍ، واستثماراتٍ كاذبةٍ، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الخطط والسياسات المرسومة وبرامج التنمية الموضوعة والتي قد توضع أصلا منسجمة مع مصالح فئاتٍ معينةٍ وشركاتٍ محددةٍ، وكذلك الجرائم الاقتصادية التي تقوم بها (مافيات) الشركات المتعددة الجنسيات.

الفساد المالي

من المعروف إن المال العام له أهميةٌ كبرى وهو العمود الفقري للدولة، وهو العنصر الأساسي الفاعل والمؤثر في الحياة، ويقصد بالفساد المالي كافة التعاملات المالية والاقتصادية التي تهدر المال العام بدون فائدةٍ أو لصالح فئةٍ معينةٍ، أو جرائم الاختلاس سواء كانت اموالًا نقديةً أو ممتلكاتٍ للدولة مما يؤدي لأكل أموال المجتمع والناس بغير حق.

له صلة: ربح المال من اختصار الروابط

فساد المؤسسات

عندما تكون المؤسسات التابعة للدولة ضعيفة وفيها تجاوزات للأنظمة والقوانين، يصبح معها جهاز الدولة بحد ذاته مؤسسةً للفساد ويمكن التمييز بين نوعين من الفساد في المؤسسات من حيث الحجم:

فساد المؤسسات الصغير

وهو الفساد في الدرجات الوظيفية الدنيا وهو الفساد الممارس من قبل فرد واحد من دون التنسيق مع أخرين، لذا يكون منتشرًا بين صغار الموظفين عن طريق أخذ الرشاوى.

فساد المؤسسات الكبير

وهو الفساد في الدرجات الوظيفية العليا والذي يمارسه كبار الموظفين والمسؤولين من أجل تحقيق مصالح ماديةٍ أو اجتماعيةٍ على مستوىً كبير، وهو أخطر من غيره لأنه يكلف الدولة مبالغ ماليةً ضخمة وخسائر كبيرة.

المؤشرات التي تدل على وجود الفساد (مظاهر الفساد)

تكون المؤشرات والمظاهر التي تدل على وجود الفساد واضحة المعالم، تتفشى وتنتشر داخل المجتمع وتظهر بمظاهر وهيئاتٍ مختلفة مثل:

  • الغنى الفاحش بشكل مفاجئ لبعض الأفراد في المجتمع.
  • انتشار ظاهرة الرشوة بحيث تكون مطلوبة في كل المعاملات.
  • انتشار ظاهرة المحسوبية في تولي الوظائف والمناصب عوضًا عن الكفاءة والمهارة والنزاهة.
  • اختفاء مبدأ تكافؤ الفرص في الحصول على الوظائف.
  • ضعف أداء ودور أجهزة الرقابة وظهورها بشكل شكلي.
  • استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أهداف ومصالح شخصية على حساب مصلحة العمل.
  • تجاوز القواعد والنظم العامة لتحقيق المنافع الخاصة.
  • استغلال أو بيع الممتلكات العامة بهدف الحصول على مكاسب خاصة.
  • ظهور حالة الابتزاز عن طريق التعقيد والروتين مما يؤدي لهروب الكفاءات ورؤوس الأموال لخارج البلد.
  • نهب المال العام والتصرف به كيفيًا دون أن يعود ذلك بمنفعة على المجتمع و الدولة.
  • تفشي ظاهرة الوساطة وتدخل بعض الأفراد المتنفذين دون الالتزام بالقواعد والنظم العامة لتعيين أشخاصٍ ليسوا على كفاءة وخبرة في الوظائف وغيرها.
  • غسيل الأموال ذات المصادر غير الشرعية والقانونية ودمجها في الاقتصاد المشروع في المجتمع.

دور الرقابة في القضاء على ظاهرة الفساد

إن ارتفاع مؤشرات الفساد في مجتمع ما يدل على تدني أو غياب الرقابة وضعف سلطة القانون وغياب أو إهمال التشريعات، وقد ينشط الفساد نتيجةً لضعف المعايير والأسس والقوانين التي تنظم المجتمعات وعدم تطبيقها، وحلول المصلحة الفردية أو مصلحة مجموعة معينةٍ ما، واستغلال المنصب الوظيفي وموارد الدولة من أجل تحقيق ذلك على حساب الدور الأساسي للحكومة المعنية مما يلغي مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص وسمات الجدارة والكفاءة والنزاهة في شغل الوظائف العامة.

موقع الدول العربية في مؤشر الفساد العالمي

ويظهر التقرير الأخير الذي نشرته “منظمة الشفافية العالمية” المتخذة في مدينة برلين الألمانية مقرا لها أن اغلب الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية المؤلفة من 21 دولة، لا تزال في نفس الترتيب السابق لها في سلم الفساد على مستوى العالم.

وأتت نتائج أغلب الدول العربية مخيبةً للآمال في المؤشر، حيث نالت تقدير 35 درجة من درجات مؤشر المحسوبة على أساس 100 درجة، وتمثل هذه النتائج تحذيرًا يدل على إساءة استخدام السلطة والتعاملات السرية والرشوة.

ما هي طرق علاج مشكلة الفساد؟

سوف يظل الفساد بكافة أنواعه أحد العناصر التي تهدم وتقف في وجه عملية التنمية في المجتمعات سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية؛ لذلك فإن أفضل وسيلةٍ لمحاربة مظاهر وانتشار الفساد هي الاعتماد على خطة مدروسة شاملة على مستوى المجتمع كافة بمؤسساته وأفراده تهدف لإعادة العدل بصوره المختلفة في المجتمع من اعلى الهرم إلى قاعدته، ومن قاعدته إلى قمته، ومنع الظلم والاستغلال في كامل المجتمع من خلال الإصرار وتطبيق قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة وان المناصب والوظائف العامة هي تكليف وليست تشريفًا للفرد. ويجب إن يقوم جميع أفراد المجتمع بدورهم في محاربة أشكال الفساد ودفع مجتمعاتهم للنهوض والتنمية والتطور والتقدم والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، فالوطن للجميع ولكل أفراده الحق في حياة رغيدة وكريمة والحصول على فرص متساوية في العمل والمسكن وجميع نواحي الحياة.

قد يعجبك ايضا