متى يحدث التوحد قبل الولادة أو بعدها؟

تظهر الأعراض الأولى لاضطرابات طيف التوحد، والتي يعتبر الثاني من أبريل يوم الوعي العالمي بها، في وقت مبكر جدًا في حياة الطفل. لكن متى يتطور مرض التوحد؟

تؤثر اضطرابات طيف التوحد (DSA) على ما بين 1 إلى 2٪ من السكان، على الأقل في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وباستثناء أحدث البيانات الامريكية، أكدت جميع المؤسسات الطبية الرئيسية، أنه كان هناك زيادة في عدد الأطفال الذين يتم تشخيص إصاباتهم بهذا المرض في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى معرفة أكبر بأعراض المرض وتحسين تقنيات التشخيص، فضلاً عن توسع معايير التشخيص. وتقييم الأسباب التي من شأنها أن تدعو إلى التشكيك في فكرة وجود مرض التوحد، والتي قد تكون مسؤولة عن الاشتباه بالمرض، مثل أنماط الحياة السيئة والتلوث أو اللقاحات.

متى يحدث التوحد

إن معرفة وتحديد عدد الأشخاص المصابين باضطرابات طيف التوحد يمثل حتى الآن مشكلة ونقاش واسع جدًا، وذلك لأنه من الصعب الإجابة عن بعض الأسئلة حتى الأن، مثل “ما الذي يسبب التوحد؟”، “لماذا يصاب البعض دون غيرهم”، “هل يمكن فعل شيء لتجنب هذا المرض”، بالإضافة إلى السؤال الأهم والأساسي، هل يولد الطفل مصابًا بمرض التوحد أم أن المرض يتطور بعد الولادة؟

بمناسبة اقتراب اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد الذي يصادف الثاني من أبريل في كل عام، نريد أن نناقش هذا السؤال الأخير الذي ورد أعلاه: هل يولد الطفل مصابًا بمرض التوحد أم أن المرض يتطور بعد الولادة؟

أسباب مرض التوحد

التساؤلات حول أسباب مرض التوحد لا تزال موجودة، والإجابة عنها ما زالت غامضة، وفي كثير من الأحيان، يتم التحدث عن الأعراض التي ترافق إلى مرض التوحد وجميع الاضطرابات التنموية في المستوى العصبي أكثر من الحديث عن الأسباب، لكن من الأصح التحدث عن عوامل الخطر. أي العوامل التي يتم وضعها في نطاق زمني مختلف.

عوامل الخطر هي إحدى العوامل التي تؤثر على إمكانية تطور حالة مرضية أم لا. لكنها لا تكون حتمية، بمعنى أن تحديد عوامل الخطر هذه، لا تعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بالمرض، لكن احتمال تطور المرض يكون أكبر من غيره. في حالة اضطرابات طيف التوحد، نحن نتحدث عن العوامل الجينية (الوراثية) والبيئية. وهذا يعني أن بعض الجينات المتعلقة ببداية المرض يمكن أن توجد أيضًا عند الأشخاص غير المصابين باضطراب طيف التوحد، وفي الوقت نفسه لا تكفي العوامل البيئية لإثارة هذه الاضطرابات. لكن في بعض الحالات، يمكن الجمع بين العوامل البيئية والوراثية لإطلاق العنان للمرض في الفترة الحرجة التي يرى بعض الخبراء أنها تقع قبل وأثناء وبعد الولادة مباشرةً.

تميل الأعراض الأولى لاضطرابات طيف التوحد، التي تشترك بأشكالها المتنوعة جدًا بثالوث يتضمن اضطرابات اجتماعية ولغوية وفكرية / سلوكية، إلى الظهور مبكرًا في حياة الطفل. في الفترة بين عمر 12 و 18 شهرًا، والتي تتميز بمشاكل في الاتصال بالعين وعدم وجود استجابة عند استدعاء وعدم القدرة على التقليد وصعوبة في التحدث أو اتباع مؤشرات معينة. لكن من الممكن ومن المحتمل أن تبدأ علامات التوحد في التطور قبل ظهور الأعراض بشكلٍ كبير لدرجة أن معرفتها وتحديدها قد يساهم في معرفة وفهم الأسباب.

ما الذي تقوله الدراسات؟

في دراسة نشرت في مجلة نيو انغلاند جورنال اوف ميديسين في عام 2014، وجد أن بعض التشوهات في مخ وأدمغة الأفراد الذين يعانون من التوحد ترجع إلى فترة الحياة الجنينية، وهذا يشير إلى أن شيئًا ما يحدث حتى قبل المجيء للعالم.

في الأشهر الأخيرة، كانت هناك سلسلة من الأبحاث التي ربطت بين بعض العادات والسلوكيات قبل الولادة وخطر بداية التوحد. واحدة من هذه الدراسات كانت في أستراليا، والتي ذكرت أنه ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين D أثناء الحمل مع زيادة احتمال إنجاب أطفال يعانون من اضطرابات طيف التوحد، في حين أن الباحثين في جامعة كولومبيا أشاروا بإصبعهم إلى علاقة الإصابة بالهربس. ففي دراستهم، يقول الباحثون أن وجود عدوى الهربس التناسلية يضاعف من خطر إنجاب الأطفال المصابين بالتوحد، ويعود ذلك أساسًا إلى حدوث خلل في تطور الجهاز العصبي عند الجنين نتيجة استجابة الأم المناعية للعدوى.

من الممكن أن يحدث شيء ما قبل الولادة، مثل بعض الأمراض الوراثية، والتي يمكن أن تغير تطور النظام العصبي عند الجنين. لكن المزيد من العوامل البيئية، مثل العمر المتقدم للوالدين، والتعرض لمبيدات الآفات والتلوث، يبدو أنها تزيد من مخاطر الإصابة بالمرض حتى قبل الولادة. وحتى الأحداث المتأخرة نسبيًا، أي تلك التي تحدث قبل الولادة، قد ارتبطت بمخاطر أكبر، مثل نقص الأوكسجين في الدماغ أو انخفاض وزن الجنين.

ولكن لا تزال هذه العوامل غير قادرة على أن تؤدي إلى التسبب في الإصابة بالتوحد، وربما، ومن الضروري أن تتلازم عدة عوامل معًا في فترة حرجة. وذلك كما يوضح الدكتور بول وانغ: “من الضروري حدوث سلسلة من الأحداث، والتي بدورها تقود الدماغ إلى تراكم سلسلة من الحالات الشاذة. هذه الشذوذات يمكن للدماغ أن يصلحها أو يقوم بتعويضها، ولكن إذا لم يكن ذلك ممكنًا أو كافيًا، فعندئذ تظهر الأعراض.

قد يعجبك ايضا