إنا لله وإنا إليه راجعون .. تسلية وأجر

يدرس الطالب طيلة العام، وفي نهاية العام تجري الهيئة التعليمية امتحانًا لهذا الطالب تختبر فيه معلوماته، ولله المثل الأعلى، ولكن هذا الامتحان الدنيوي يمثل صورة مصغرة لامتحان الخالق جل في علاه للإنسان، فيبتليه بالمصائب ليرى مدى صبره، وقوة إيمانه.

واللسان هو أول ما تتجلى فيه قوة الإيمان، ماذا سينطق يا ترى، هل سيكفر أم سيسترجع ويصبر، وما هو الاسترجاع؟

الاسترجاع: هو أن يقول الإنسان عند نزول مصيبة ما به: “إنا لله وإنا إليه راجعون”مع الإيمان المطلق بمعناها.

إنا لله وإنا إليه راجعون تسلية وأجر

ما معنى “إنا لله وإنا إليه راجعون”

 

يقول الله في كتابه العزيز في الآية (156) من سورة البقرة: “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”

تفسير ابن كثير:

جاء في تفسير ابن كثير أن هذا القول يحمل معنى التسلية لصاحب المصيبة، وإقرار بأننا ملك لله، يفعل بنا ما يشاء، وإيمان بالعودة إليه في يوم القيامة.


أما القرطبي:

فبين أن في هذه الآية ست مسائل:

المسألة الأولى: المصيبة

فالمصيبة لغة هي كل ما يؤذي الإنسان ويصيبه، بدليل الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته.

المسألة الثانية: للمؤمن أجر كلما استرجع

بدليل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعًا وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب .

المسألة الثالثة: أعظم المصائب

تتنوع المصائب التي يمتحن بها الإنسان يقول الله في كتابه العزيز: البقرة – الآية 155 “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”، فقد يمتحن الإنسان بأمنه، وقد يمتحن برزقه، وقد يمتحن بصحته، وقد يمتحن بفقد قريب، ولكن أعظم الامتحانات وأعظم المصائب هي المصيبة في الدين. ولذلك كانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم المصائب فبموته انقطاع للوحي وموت للنبوة، وانقطاع للخير.

عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب.

المسألة الرابعة: معنى الاسترجاع

فالاسترجاع عنده ينقسم لقسمين:

  1. الأول: الإقرار بالعبودية لله عز وجل في قولنا: (إنا لله).
  2. والثاني: إقرار بهلاكنا، وبعثنا بعد الموت من القبور، وأن أمرنا كله بيد الله وراجع إلى الله.

المسألة الخامسة: بشرى للصابرين

تبين من خلال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من قال “إنا لله وإنا إليه راجعون”، فإما سيعوضه الله ما أخذه منه في دنياه، كما حصل مع أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من مصيبة تصيب عبداً فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها”.

قالت أم سلمة: “لما توفي أبو سلمة عزم الله لي فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

أو سيبدله بصبره أجرًا عظيمًا في الآخرة، كما جاء في حديث رسول الله عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد.

المسألة السادسة: الصلوات والرحمة

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية التي تليها: “أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ” البقرة/157. فقد أنعم الله سبحانه وتعالى على الصابرين المسترجعين بثلاث نعم هي:

  • الصلوات: والصلاة من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن.
  • الرحمة: والرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة.
  • الهداية: هي علاوة للإنسان المؤمن.

أما الطبري:

فقال في معاني هذه الآية فالمؤمن عندما يسترجع فهو يقر بإيمانه بأن النعم كلها من الله وحده، والعبودية لله وحده وهو يصدق ويؤكد حقيقة الرجوع إلى الله فيسلم بقضائه، ويرضى بأحكامه، ويرجو ثوابه، ويخاف عقابه.

ابن عاشور:

يرى بأن الاسترجاع هو توكيد لمعنى الصبر، فالاعتقاد يقوى بالتصريح، ولكن هذا التصريح أيضًا لا قيمة له إن لم يكن صادر عن ضمير الإنسان، ومعتقد به تمام الاعتقاد، ولا يؤجر عليه إن كان مجرد تريد لكلام ونفسه متذمرة ساخطة من قضاء الله وقدره.

تفسير الطنطاوي

أما تفسير الطنطاوي لهذه الآية فقد جاء جامعًا للمعاني السابقة، إلا أنه أضاف أن الحزن عند نزول المصيبة لا يتنافى مع الصبر والاسترجاع. فقد جاء عن الحبيب المصطفى صلوات الله عليه وسلامه أنه بكى عند موت ابنه إبراهيم، وقال: “العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون”.

وإنما الصبر يتنافى مع الجزع المفضي إلى إنكار الحكمة من قضاء الله، وفعل ما حرمه الإسلام من اللطم والنياحة. ولكن هناك سؤال: هل يجوز أن نغير في هذه الصيغة؟

حكم الأخطاء الإملائية في الآية (إنا لله وإنا إليه راجعون)

هناك من الناس من يقوم بكتابة دعاء الاسترجاع من غير ألف (إنا)، أو بإضافة لام لكلمة (راجعون)، فقد بين العلماء الأفاضل أنه لا يجوز كتابة هذا الدعاء بهذا الشكل فهو كلام الله، ولا يجوز لنا أن نحرفه، وأنه آثم من يقع في هذا الخطأ، أو أي خطأ إملائي آخر في أي آية أخرى كإنقاص الهمزات والمدات.

هل يجوز الاسترجاع إن كان المتوفى كافر؟

نعم يجوز لأن الاسترجاع هو تسلية للإنسان الممتحن، ولكن لا يجوز الاستغفار للميت إذا كان كافرًا، أو قول ما يقال عند موت الإنسان للمؤمن مثل: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي” الفجر.

اقرأ أيضًا: إذا حلمت بشخص أحبه تفسير بأمثلة حقيقية