يوميات عاطل عن العمل .. أحداث واقعية مُجمعة

حجج كثيرة حاولت اختلاقها قبل أن أكتب سلسلة يوميات عاطل عن العمل التي بين أيديكم الآن، منها على سبيل المثال، من أنا حتى يقرأ لي أحد، وما هو مستواي العلمي، ونسيت أني طالب ماجيستير في إحدى الكليات، ومنها أيضًا هل ما سأقدمه سيكون مفيدًا أم هو محض تجربة شخصية ركيكة.

يوميات عاطل عن العمل .. «أحداث واقعية مُجمعة»

كل الأيام صارت واحدة وكما يقول المصريون “اللي ببات فيه أصحى فيه” لم أستطع الحركة، وأشعر بالشلل التام في كل جسمي، حتى أنني لم أستطيع فتح عيني ولم أستطع التفكير حتى في أتفه الأمور، لا يهمني أهلي ولا أشقائي ولا أبي الذي بات ليلته مكلومًا باكيًا على حالي المؤلم.

كلما تذكرت أحلامي وأنا طالب في الجامعة ضحكت ساخرًا من هول تفاهتي أيامها، حتى فكرة أن أطمح أو أحلم باتت غير موجودة، حتى أنني أصبحت غير قادر على تناول كوب من الماء البارد، فالمسافة بيني وبين براد الماء باتت لأمثالي رحلة طويلة.

ووسط كل هذا كانت هناك حسنة وحيدة قمت بها ولا أعلم لماذا، كنت أسجل يومياتي بكل دقة في قطع ورق ممزقة من كتبي ورسالة الماجيستير الخاصة بي، فلم أخطط حتى لجمع خواطري في ملازم بشكل منظم، المهم أني صحوت من غفلتي وتلك يوميات عاطل عن العمل بين أيديكم.

ما الذي دفعني لأن أكتب يوميات عاطل عن العمل

كثير من الأمور السلبية التي حدثت لي في السنون الأخيرة مما دفعني لكتابة تلك اليوميات، ومن تلك الأمور السلبية:

تدهور علاقتي مع الله

مزيد من التدهور في علاقتي مع الله أدى إلى مزيد من العزلة أدى إلى مزيد من الانقطاع عن الصلاة، ثم هجرت القرآن بالطبع، فلم أعد أستمتع بعبادتي، وجاءتني فكرة شيطانية، وهي أنه طالمًا لم يرزقني الله بعمل ومال وفير مثل الناس، إذًا فلماذا الصلاة، وهنا بدأت المشكلة تخرج من يدي.

أصبحت لا أملك مالًا

بالطبع في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لم أعد أملك مالًا حتى للإنفاق على نفسي، حتى بعض الجنيهات التي كنت أحصلها من والدي باتت حلمًا لي، فظروف المعيشة صعبة للغاية، وأنا ما زلت بدون عمل مما أدى لمزيد من العزلة ومزيد من الحزن والأسى.

تدهور حالتي البدنية والصحية

وبالطبع الانطوائية وعدم الحركة فعلت بصحتي الكثير والكثير، فصرت بدين إلى حد كبير حتى تعدى وزني التسعين كيلو، مما أدى إلى نقص معدل الحرق لدي، والذي أدى للكسل الشديد، والوهن الواضح وضعف العضلات عمومًا، وهذه نتيجة حتمية لكوني عاطل طبعًا.

أصبحت أكثر عدوانية

وهذه أيضًا نتيجة حتمية، فمزيد من الإحباط بسبب تدهور الحالة الاقتصادية والمعيشية يؤدي في الغالب لمزيد من العدائية المغلفة ببعض الحقد أحيانًا تجاه من يعملون وتظهر عليهم النعمة بشكل واضح فقرنائي في الجامعة صاروا ناجحين بدرجة كبيرة وأنا ما زلت في نفس المنطقة أعاني البطالة.

دخلت في دائرة الملل والتوتر التي لا تنتهي

بالطبع لأني تقريبًا كما يقول المصريين “اللي ببات فيه أصحوا فيه” فالتوتر دائرة مفرغة لو لم توقفها ظلت تستمر في تكرار نفسها، وقد تصل للاكتئاب والعياذ بالله لكن للأمانة لم أصل بعد لتلك المرحلة من الاكتئاب فقط أنا متوتر وخائف من القادم.

علاقاتي الاجتماعية انتهت بالطبع

ولأني لا أمتلك مالًا فلا أستطيع زيارة أحد من أصدقائي أو جيراني أو حتى أهلي، فمن أزوره لا بد وأن أذهب له مرتديًا قميصًا وبنطلون جيد إلى حدٍ ما، وأنا بالطبع لا أمتلك المال لشراء هذا لأني عاطل، حتى فكرة زيارة أهلي ترتبط عندي بالهدية التي من المفروض أن أحضرها معي.

كيف وصلت لحالة شخص يكتب يوميات عاطل عن العمل

اليأس من روح الله

وهي مأساة ودائرة مفرغة لا تتوقف إلا بطاعة، وأنا بعد أن انفصلت عن تلك المرحلة أتعجب كيف لي كعبد ينبغي أن أكون ذليلًا لربي أن أظن بغبائي أني سأعاقب ربي جل في علاه بتركي للصلاة مثلًا، وهي كما قلنا مزيد من البعد عن الله يؤدي لبعد أكبر.

الأصدقاء المُحبِطون المُحبَطون

فمجالستي لأصحاب الهمم المتدنية وأصحاب الأوهام، جعل مني ساخطًا على حظي من الدنيا مثلهم، وجعل مني متبلد في نفس الوقت، واكتشفت بعد فترة أن جلوسي إلى جوار أصحاب الهمم الضعيفة يجعلني ضعيف الهمة مثلهم، فهم كالمسكن بالنسبة لألمي، الذي لا ينتهي.

اختيار أهداف غير واقعية بالمرة

وهي من أهم النقاط التي فعلًا قادتني للفشل وإلى البطالة، فعندما بدأت البحث عن عمل بعد فترة الجامعة كنت أعتقد بغبائي أنه من المنطقي أن أحصد الأموال فقط لأني تخرجت من الكلية الفلانية، ولكن الكارثة أن سوق العمل صادم جدًا ويحتاج لمعاملة خاصة.

ثم وقعت في فترة كبيرة من عمري في فخ اختيار أهداف أكبر من قدراتي، مما جعلني في أغلب الأحيان أشعر بالوهن النفسي فأنفض عن عملي فورًا، نفس المأساة حدثت لي عندما اخترت أهداف أقل من قدراتي والذي دفعني هذه المرة للهروب من الملل والروتين الوظيفي وإلى البطالة حتمًا.

يوميات عاطل عن العمل .. «أحداث واقعية مُجمعة»

الكمالية القاتلة

رغبتي القاتلة في الحصول على أعلى الوظائف وعلى أفضل المنح الدراسية وعلى أعلى مستويات كل شيء، هذا يسميه المتخصصون في علم النفس الكمالية perfectionism وهي من أهم الأمور التي جعلت مني عاطلًا، أتذكر أني رفضت الكثير من الوظائف والأعمال فقط لكونها لا ترضي مستويات الغرور الموجودة عندي مما قادني أيضًا للبطالة.

التسويف القاتل

دومًا كنت أؤجل كل شيء مفيد، لم أكن أمتلك أي مهارة من مهارات فقه الأولويات، كنت بلا هدف يذكر، كنت مجرد كائن آكل وأنام ثم أستيقظ مرة أخرى لأكمل نفس المسيرة، والمشكلة هنا في التسويف أنه يجمع عليك في النهاية كثير من الأمور فجأة، والحل هو في الهروب طبعًا.

أمور تمنعك عن البدء بالعمل

اعتقاد خاطئ بأن أوان العمل قد فات

وكثير من أساتذتي دون أن يدري أحدًا منهم أوصلني لتلك الفكرة اللعينة وهي، أن الأوان قد فات، ففي احدى المرات كنت أتحدث مع أحد أساتذتي وقال لي “لا إنجاز بعد سن الثلاثين”، وفجأة تحول ذلك الرقم لوحش كاسر أمامي أخشاه وأهرب منه دومًا حتى وصلت لحالتي هذه.

الأرقام دومًا مضللة ولا تمثل دافع ولكنها في الغالب تعطلك عن الإنجاز، حتى النساء بعد سن الثلاثين تجدهن فقدن الأمل في الزواج، كلها أفكار ساذجة جدًا تقود في النهاية لشخص مثلي أكتب يوميات عاطل عن العمل.

لا أمل في التغيير

بالطبع ومن أين يأتي الأمل لأمثالي من المحبطين، وهذا طبعًا نتيجة منطقية للبعد عن الله عز وجل، فالمصلي الباكي بين يدي ربه، العابد الذليل لله لا تأتيه تلك الأفكار الشيطانية، ولكن كما قلت هذه دائرة مفرغة كلما أوغل فيها الشاب استدرجته أكثر فأكثر.

الإصرار على العمل من خلال الوظيفة في زمن العمل الحر

وهذا أمر عجيب جدًا، فقديمًا قال المصريون” إن فاتك الميري أتمرغ في ترابه” بمعنى أحرص على الوظيفة الحكومية دومًا، وحديثًا صارت وظائف القطاع الخاص تكريسًا لكل معاني العبودية مجتمعةً، وغبي جدًا من يؤيد فكرة الوظيفة لكون مرتبها ثابت ويوفر معدل أمان وظيفي وأنا كنت من ضمن هؤلاء الأغبياء.

عدم وجود دافع

بالطبع ولماذا أفعل أي شيء ولمن أقوم بواجبي، ليس لي ابن أو زوجة، ولا حتى علاقات اجتماعية من أي نوع، تجبرني على أن أقوم ببعض العمل لتوفير بعض النقود من أجل الظهور بمظهر جيد أمام زملائي فأنا معزول تمامًا.

يوميات عاطل عن العمل .. «أحداث واقعية مُجمعة»

ما الحل إذًا

تحرك من فضلك ولو بشكل عشوائي في البداية

فالحركة هي قانون الكون، ومن أجمل ما قرأت لكي أخرج من تلك الحالة من البطالة، ديوان الإمام الشافعي رحمه الله تحديدًا ذلك البيت الذي قال فيه، “فارق تجد عوضًا عمن تفارقه وانصب فأن لذيذ العيش في النصب، فالأسد لولا فراق الغاب ما اقتنصت، والسهم لولا فراق القوس لم تصب”.

والمشكلة التي تظهر في البداية هي العشوائية في التحرك فالبعض يكون مندفع بسبب العزلة التي عاشها طويلًا، لذلك تحرك حتى ولو باندفاع ولا يهمك أي شيء، المهم أن تكون حركاتك هذه يُرجى من ورائها هدف واضح أمام عينيك دومًا.

لا تنتظر حتى يأتيك الشغف

انطلق فورًا ولا تنتظر أن تجد عمل تحبه مئة بالمئة، وهذه الفكرة الأخيرة تحتاج لنقاش، فالبعض يعتقد أنه بمجرد عمله في مهنة ما يحبها أنه سوف يعيش في رغد العيش وكأنه في الجنة يكفيه فقط أنه يعمل ما يحب، وهذا أيضًا كله من السخف طبعًا.

فالقانون الأساسي للعمل هو المشقة والتعب فالكل يتعب من يحب عمل يتعب، ومن يكرهه يتعب أيضًا، بل أني وبعد أن اجتزت تلك المحنة وأصبحت عاملًا وجدت أن أكثر المتعبين والمرهقين هم من يعملون في أشياء يحبونها.

والبعض الأخر يقول حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب وهذا أيضًا كلام غير واقعي، ويسرب للعقل رسالة وهي أن ذلك العمل الأول غير محبوب مما يؤدي لترك العمل فورًا، فليس مطلوب منك أصلًا أن تحب عملك ولكن المهم أن تؤديه على أكمل وجه.

يوميات عاطل عن العمل .. «أحداث واقعية مُجمعة»

لا تنتظر حتى تعمل بتخصصك

قليل جدًا يعملون في تخصصهم الأصيل، وكما يقول المصريون “الكل خدام لقمة عيشه”، وأنا بخبرتي البسيطة في العمل وجدت أنك لو أخلصت النية لله عز وجل وقررت العمل في غير تخصصك مخافة الفتنة أو لحفظ كرامتك، سيكافئك الله في يوم قريب بالعمل في تخصصك لو أنت كما تزعم متمكن منه.

أو قد تعمل في عمل قريب من تخصصك، بشكل مبدئي تمهيدًا للترقي أو تمهيدًا للعمل في تخصصك، ولكن لا تنسى أن تراقب الله عز وجل في عملك فذلك هو الطريق الواضح للوصول لكل ما تتمني.

تهور قليلًا فلا شيء تخاف عليه

قديمًا قال العرب “لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها” فلا شيء تخاف عليه أيها العاطل عن العمل وأنا واثق أنه بمجرد أن تتحرك ستصل حتمًا، ولكن نصيحة من أخ لك لا تنسى أن تذكر الله عز وجل وتشكره على نعمه عليك.

الفكرة أهم من التمويل

لو أن لك فكرة جديدة وغريبة ولا تمتلك لها تمويلًا فأبحث لها عن تمويل، فقديمًا كان التمويل عائق كبير أمام الخروج من البطالة أما الآن فلا مشكلة، فمارك زوكربيرج لم يبدأ شركة فيس بوك بتمويل ولكن بفكرة ثم بحث لها عن تمويلًا من شخص آخر.

توكل على الله حق التوكل

لا تزعم أنك متوكل على الله بمجرد الدعاء أو بمجرد كثرة السجود لله عز وجل، ففي يوم وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أناس عند الكعبة يتكففون فقال من أنتم، قالوا نحن المتوكلون، فرد رضي الله عنه عليهم، كذبتم المتوكل هو من ألقى حبة ثم توكل على الله.

لا تلتفت خلفك أو أمامك

ليس من المنطقي أن تنظر خلفك أكثر من ذلك فأنت الوحيد أيها العاطل من تعلم مضرة الالتفات للخلف، فتوكل على الله ولا تجعل من ذكريات الماضي المؤلمة مانعًا لك من العمل، فقط اعمل، وأيضًا لا تستعجل النتائج فهذا نوع آخر من الالتفات ولكن هذه المرة للأمام.

لا تقارن نفسك بالآخر أبدًا

وأنت في رحلتك للخروج من كونك عاطل، لا تذهب لصفحات الفيس بوك كي تعرف آخر أخبار زملائك في عملهم، ومع أسرهم فهذا أمر محبط جدًا، توقف عنه فورًا، ولا تقارن نفسك سوى بنفسك في مرحلة سابقة فأنت الآن على أعتاب الخروج من أزمة كونك عاطل عن العمل.

لا تسوف

بمجرد أن كُلفت بعمل ما فأجلس عليه ولا تقوم إلا وأنت ناهيه، ولا تنسى أننا لدينا الكثير من العمر نريد أن نعوضه، وكثير من الفرص طارت من أيدينا بسبب التسويف اللعين.

حاول أكثر من مرة ولا تمل

فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم “لا يمل حتى تملوا” فحاول أكثر من مرة والمهم أن تتعلم من أخطائك، فلو ضاعت منك فرصة لا تحزن عليها، فهل وجدت صيادًا نادمًا على سمكة سقطت منه في البحر مرة أخرى بعد أصطادها، فهو يعلم أن البحر مليء بالسمك.

يوميات عاطل عن العمل .. «أحداث واقعية مُجمعة»

وهذه كتب وحلقات على اليوتيوب قد تفيدك جدًا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.