مقالات أخرى مميزة

قصص حب حقيقية من التاريخ

الحب وقصصه لا ينتهي، وعندما نتأمل في معنى الحب نجد انه كمية من المشاعر التي يشعر بها الفرد تجاه شخص ما، سواء بسبب أو بدون سبب؛ حيث يجد نفسه ينجذب إليه ويتعلق به ليستحوذ على كامل تفكيره ويصبح شغله الشاغل.

ويشعر المحب بسعادة غامرة وشعور لا يوصف بلقاء حبيبه، والذي مهما قضى معه وقت لا يشعر بذلك الوقت، ولا يمل منه أبدًا، وكيف يمل وهو ساكن قلبه وكيانه؟

وللعرب العديد من قصص الحب الخالدة التي لم يستطع الزمن محوها، برغم وجود العوائق التي وقفت في سبيل الحب الطاهر العذري، ورغم التقاليد الحمقاء التي سيطرت على أفكار العرب قديمًا، ووصلت درجات الحب إلى التضحية، وعندما يأس المحبين من لقاء حبيباتهن، أصاب المرض أجسامهم وأودى بحياتهم في سبيل ذلك الحب.

قصص حب حقيقية من التاريخ

قيس مجنون ليلى

ومن أشهر قصص العشق في الزمن الماضي، قصة حب قيس وليلى، وأكاد أجزم أنه لا يوجد إنسان عربي، لم يسمع بتلك القصة، بل وأصبح يضرب بها المثل في البلاد العربية، من شرقها إلى غربها؛ فإذا أحب شخصا فتاة بشدة وضحّى بكل ما لديه من أجل التمسك بها؛ يطلق عليه الناس مجنون ليلى؛ لما رأوا في قصته ما يشبه ولو بالقليل مما فعله قيس مع ليلى.

لم ينشأ ذلك الحب بمحض الصدفة؛ ولكنه بدأ منذ نشأتهما معا، فقد كان قيس ابن عم ليلى وكانا يذهبان لرعاية الغنم معًا ويتبادلان الحديث، وعرض عليها أشعاره فتخبره برأيها.

وإذا بقلب قيس يتعلق بليلى شيئا فشيئًا وإذا به ينظم أبيات الشعر فيها وفي جمالها وروحها وبادلته هي ذلك الحب ولكنها لم تفصح به.

طلب قيس الزواج من ليلى

ولما طالت الفترة ورأى قيس أنه لا داعي للانتظار أكثر من ذلك وقلبه ملهوف على حبيبته متلهف للقائها، قرر أن يذهب للقاء عمه، ليطلب يد ابنته منه للزواج، فما كان من ابيها إلا الثورة والغضب والرفض القاطع لذلك الزواج، رغم صلة القرابة بينهما، ورغم ما رأى في عيناه من حب وعشق لابنته، ولكن عادات العرب الحمقاء سيطرت على تفكيره.

تقاليد العرب تحارب حب قيس لليلى

فقد كان العرب يرون قديما أن الحب المعلن والتغزل بحب الحبيبة، هو عار وفضيحة لا يجب السكوت عليها أبدًا؛ فسار الأب على نهج قبيلته العربية.

ولم يكتفي بذلك بل قرر تزويج ابنته لورد – أحد الرجال المعروفين في القبيلة – ظنًا منه أنه يحميها ويحافظ عليها، ولما رأى من ابنته رفض الزواج من ورد، هددها بالقتل في الحال، فرضخت المسكينة لرغبة أبيها بسكون رغمًا عنها، وعن قيس الذي يمتلئ قلبه بحبها وأخذها زوجها وسافر إلى البلاد العربية.

ولما علم المسكين مجنون ليلى بذلك ناح بشعره في أنحاء البلاد؛ يرثى الحب القديم والذكريات الماضية، التي سطرها مع ليلى معشوقه، في أيام اللقاء ومكث على حاله حتى أصابه المرض الشديد ومات.


قصة حب جميل وبثينة

وعند ذكر التضحية والإخلاص في الحب لا ننسى قصة جميل وبثينة الشهيرة عند العرب، فقد عاشا معا في العصر الأموي، وكان جميل راعيًا للغنم في ذلك الوقت وكأن قصة حب قيس وليلى تعيد نفسها من جديد فقد تصادف لقاء جميل مع بثينة في موقف غريب وحدث الخلاف وسوء التفاهم بينهما بسبب أغنام جميل التي ظن أن بثينة ستأخذها بينما كانت تلاعبها.

سباب بثينة يتحول إلى قصة حب

وهنا نذكر المثل المصري الشهير الذي يقول ما محبة إلا بعد عداوة، فقد وقع جميل في حب بثينة منذ اللقاء الأول بينهما، وعلم أنه الحب من النظرة الأولى الذي عرفه في الروايات، وبدأ في التقرب منها والتغزل فيها، وكتب ذلك البيت الذي يقول فيه:

وأول ما قاد المودة بيننا … بوادي بغيض يا بثينة سباب

الأب يفرق بين جميل وبثينة

وبالطبع كعادة العرب لم تدم تلك القصة طويلًا فسرعان ما علم والد بثينة بأشعار جميل في ابنته، وغضب كثيرًا واشتكاه لعبد الملك بن مروان الحاكم الأموي في ذلك الوقت، وسرعان ما تم طرد جميل من بلاده.

لم يؤثر ذلك الفراق في مقدار حب جميل لبثينة بل زاد ذلك من هوج عاطفته، وزادت كتاباته الشعرية في ذكر أيام الحب والحنين لها مما دفع أبيها إلى تزويجها؛ حتى يرغم جميل على نسيان بثينة ومحوها من حياته، ولكن هيهات فالقلب وما يريد.

رفض جمل نسيان بثينة حتى بعد زواجها

وقد ذكر بعض المؤرخين أن جميل قد نزل يومًا عند أحد كبار رجال القبائل العربية فأحسن ضيافته وعامله أحسن المعاملة، وعندما علم بقصته قرر في سريرة نفسه أن يفعل ما بوسعه ليساعده، فاتفق مع بعض الفتيات حتى يتقربن من جميل؛ لينسينه أمر بثينة وحبه لها ولكن سرعان ما أدرك جميل خطة ذلك الرجل، وقام بإلقاء أبيات شعرية للفتيات قائلا فيها:

أيا ريح الشمال أما تريني … أهيم وأنني بادي النحول

هبي لي نسمة من ريح بثينة … ومني بالهبوب إلى جميل

ولا ننكر رغم أن هذا الحب عذري كما ذكر في الروايات، ولكنهما كانا يتقابلان سرًا بعد زواج بثينة؛ حتى أنه في إحدى المرات اكتشفهما الخادم معًا، وهما في غفوة من النوم، فأسرع لإخبار سيده زوج بثينة وأثناء طريقه قابل إحدى صديقات بثينة وأخبرها بما سيفعل فأسرعت لتخبر صديقتها وقاما بإخفاء جميل وقامت تلك الصديقة بادعاء أنها من كانت تنام بجوار بثينة.

واختلف المؤرخين في تفسير مشاعر بثينة تجاه جميل فهل هي تحبه حقًا فتصر على العودة إليه ام أنها تقضى نزوات وتستعيد الذكريات معه وهو ما اعتبره المؤرخون خيانة لزوجها وعدم صدق حبها لجميل لأنها تخدع نفسها وتخدعه.


قصة حب عروة وعفران

ومن قصص الحب الخالدة التي يذكرها التاريخ قصة عروة وعفراء اللذان جمعت بينهما البادية لتنشأ قصة حب لا تزال تذكر في التاريخ حتى الآن.

كان عروة فتى يتيمًا توفي والده، واضطر أن يعيش مع عمه والد عفراء ولعبت تلك الصلة على تقرب عروة من عفراء، وتوطدت العلاقة بينهما فأصبح حديثهما متصلًا، ونما الحب في مراحله الأولى في قلبيهما معًا.

طلب عروة يد عفران للزواج

قرر عروة مفاتحة عمه وطلب يد عفراء منه آملا ألا يخيب رجائه وأمله فيه، وأن يقدر حبه الشديد لعفراء فما كان من والد عفراء أن طلب المهر الغالي الثمين من عروة وفعل ذلك سيرًا على تقاليد قبيلته ونهجها في اختيار أزواج بناتهن، وهل يملك الفتى اليتيم ذلك المال!!

اقترح عليه عمه أن يسافر في بلاد الله ليكسب المال ويعود ليزوجه من ابنته، فلم يتردد عروة وقرر السفر وتغرب عن بلاده فترة كبيرة، ليعود ومعه المهر منتظرًا لقاء حبيبته وإذا بالخبر الصاعقة ينزل على رأسه؛ حيث أخبره عمه أن عفراء ماتت وأنه قد دفنها وجعله يشاهد القبر.

أصبح عروة ذو قلب مكلوم جريح يتلهف للقاء حبيبته، ولا يصدق أنها ماتت قبل أن يقابلها، وأخذ يسأل الناس عنها وعما يعرفونه؛ فأخبره بعض الناس سرًا أن والد عفراء أجبرها على الزواج من أحد معارفه؛ وجعلها تسافر معه إلى الشام.

سفر عروة إلى الشام خلف عفران

جمع عروة ملابسه مستعدًا للسفر إلى الشام باحثًا عن حبيبته حتى وصل إليها ونزل عند زوجها كضيف وأخبره انه ابن عمها ولكنه لم يخبره بما كان يدور بينهما من أمور العشق والهوى.

وكان زوجها رجل كريم ذو أصل عربي أصيل قام بإكرام عروة أحسن إكرام واستغل عروة فترة ضيافته ووضع خاتمه في إناء به ماء وأرسله مع الخادمة إلى عفراء والتي أول ما رأت الخاتم علمت على الفور أن عروة قد جاء.

ولمروءة عروة واعترافه بفضل زوجها عليه وضيافته وخوفًا على سمعة عفراء وكرامتها أمام أهلها وأهل زوجها قرر التخلي عن حبه في سبيلها والعودة الى موطنه الأصلي ومكث هناك حتى أخذه المرض وأصابته العلل ومات.


قصة حب كثير وعزة

وقصص الحب لم تنتهي عند ذلك فقد عرف العرب أيضا قصة أفصح الشعراء كثير مع حبيبته عزة وقصتهما أشبه كثيرًا بقصة عروة وعفراء حيث كان كثير يتيمًا كما كان عروة وقام عمه بتربيته منذ الصغر ومعاملته أحسن المعاملة وكلفه برعاية الإبل في القبيلة.

ذات يوم كان كثير يرعى إبله في البادية إذا بالإبل ظمآنة تطلب الماء في الحر الشديد فدلته إحدى الفتيات التي يرعان بجواره على طريق الماء وأثناء الطريق تبادل معها كثير أطراف الحوار عرف أنها عزة إحدى الفتيات الحسناوات المعروفات بفصاحة اللسان والجرأة والكلمة الموزونة.

تعرف كثير على عزة أكثر شيئًا فشيئًا وتعلق قلبه بها وتجرأ كثير على كتابة أشعار الغزل والحب في عزة وسرعان ما انتشرت تلك القصائد في القبيلة وتداولها الناس وعرفوا بما يكنه كثير لحبيبته عزة.

جاءت رد فعل كثير انه أسرع بطلب الزواج من عزة من أبيها الذي رفض رفضًا قاطعًا وعبر عن غضبه الشديد على ما يجري بين كثير وبين ابنته.

لم يجد الأب مفرًا من تزويج ابنته بأقصى سرعة حتى يبعدها عن نظر كثير ويخمد نيران الإشاعات في أنحاء القبيلة عن ابنته وقصتها مع كثير وسافرت عزة مع زوجها الى مصر ولما علم كثير بذلك عزم على المجيء إلى صديقه القديم الذي يقيم في مصر ليستطيع التطمأن على أخبار عزة حتى مع زواجها فهو يحبها بجنون ولا يقف أمامه شيء.

لم تدم تلك الأزمة كثيرًا فقد أصيب جسد كثير بالهزال والضعف وتواطأت عليه الأمراض وما استمر به الأمر حتى وافته المنية تاركا قصائد شعره في عزة التي يتداولها الناس حتى عصرنا هذا ويذكرون إخلاص وصدق حبه الذي تحدى به الظروف.

وأخيرا وليس آخرًا، فقصص الحب لا تنتهي فمع كل صباح جديد تنشأ بداية قصة الحب التي توقع الحبيبين في غرام بعضهما دون أن يشعرا فما يلبثا حتى لا يستطيعا الافتراق عن بعضهما البعض هذا هو الحب الذي حمل في كلمته معاني ومشاعر لا توصف بالكلام وإنما يشعر بها من جربها وعانى بعدها من ألم الفراق والعذاب ولم يهمه زمان أو مكان وإنما انطلق هائمًا في البلاد سعيًا للقاء حبيبه.