حقيقة فضل قراءة سورة (يس) وفوائدها العشرة

لقد أوصى الله تعالى ورسوله الكريم بقراءة القرآن وتدبره وعدم هجره؛ لعظيم فضله وقوة أثره على النفس، وقد ذكر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فضل قراءة القرآن في أكثر من حديث صحيح منها: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه) رواه مسلم، وقال أيضًا صلوات الله وسلامه عليه: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب) رواه الترمذي. وغيرها من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية التي تُحثنا على قراءة كتاب الله تعالى وتدبره.

موضوعنا اليوم عن حقيقة فضل قراءة سورة (يس) وفوائدها العشر، فلا توجد سورة من سور القرآن الكريم إلا ولها فضل وأثر على النفس عند قراءتها أو الاستماع إليها، وقد اخترنا لكم هذه السورة لعدة أسباب، ولكن السبب الرئيسي في اختيارنا لسورة (يس)؛ حتى نوضح حقيقة بعض المُعتقدات الخاطئة في فضل قراءة هذه السورة عند بعض الناس، وكي ننبه على ما ورد عنها من فضائل.

إضافةً لذلك فأن لهذه السورة منزلة عظيمة في القرآن الكريم، ووقعها على القلب قويًا، فهيا بنا لنتعرف على كل ما جاء حول سورة (يس) وفضائلها ومدى صحته.

فضل فراءة سورة يس

التعريف بسورة (يس)

هي سورة مكية، وعدد آياتها 83 آية، وترتيبها في القرآن 33، وتضمنت أكثر من موضوع، كالأدلة والبراهين على أن الله واحد لا شريك له، ونهاية المُكذبين به، وركزت السورة أيضًا على قضية حقيقة البعث والنشور، كما روت قصة “أهل القرية”.

سبب نزول الآيات من الآية 77 إلى الآية 83 أنه عن ابن عباس قال: “جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعظم رميم بالِ، فأخذ يُفتته بيده ويقول: يا محمد أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ قال: (نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يُدخلك نار جهنم). فنزلت الآيات” أخرجه الحاكم وصححه ابن المنذر.

حقيقة فضل قراءة سورة (يس) وفوائدها العشر

لكل سورة من سور كتاب الله بل لكل آية وكل حرف فوائد عظيمة وأجر لا يُعد ولا يُحصى، لكن توجد بعض الأمور التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار والانتباه لها جيدًا؛ فهُناك خلاف بين العلماء على أنه هل توجد سورة أفضل من سورة أخرى بكتاب الله تعالى؟!

فالقرآن كله مُنزل من عند الله، وجميعه فضل، وعند قراءته يشعر المرء بالراحة والطمأنينة، ويوجد قول لجمع من المعنيون من أهل العلم بأن لا تفضيل لسورة على أخرى ولا آية على أخرى إلا بما قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث صحيحة.

مما لا شك فيه أن لقراءة سورة (يس) فضل عظيم ووقع على النفس كبير، ولكن يرجع هذا الفضل الكبير إلى لجوء العبد إلى كلام الله سواءً في السراء أو في الضراء، مع يقينه التام بأنه لا ملجأ إلا له وحده سبحانه، وهو القادر على الوقوف بجانبه في شدته ورخائه، وليس للأقاويل المغلوطة والأحاديث المكذوبة التي تناقلتها الناس وتم نسبها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، عن فضل تلك السورة.

بعض الأحاديث الواردة في فضل قراءة سورة (يس) ومدى صحتها برأي أهل العلم

قد جاءت العديد من الأحاديث عن فضل قراءة سورة (يس) أغلبها موضوع والبعض منها ضعيف، ولم يتم الوقوف على حديث واحد صحيح في فضل هذه السورة. ولا يجوز العمل بالألفاظ التي كثيرًا ما يرويها الناس مثل (يس لما قرئت له) ويقصدون بهذا أن بقراءة سورة (يس) تسهيل وقضاء للحوائج التي في نية القارئ. وأقول “ألفاظًا”؛ لأن هذه المقولة المشهورة ليست بحديث أصلًا لتدخل بمسألة العمل بالأحاديث الصحيحة أو الضعيفة.

فقد نص المعنيون من العلماء والباحثين على أن هذا القول لا ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال السخاوي في (المقاصد الحسنة): “لا أصل لهذا اللفظ”. كما نصت على ذلك (اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء)، وقال الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف في كتابه (مرويات في الميزان) ” باطل لا أصل له عن النبي صلى الله عيه وسلم”.

ثم إذا كان من المُفترض أن لهذا القول أصلًا، ولكنه من الأحاديث الشديدة الضعف، فأيضًا لا ينبغي أن يدخل بمسألة العمل بالأحاديث الضعيفة؛ لضعفة الشديد وهذا من أولى الشروط لذلك لا يجوز العمل بهذا القول لعدم وجود أصل له.

ما مدى صحة الحديث: (من قرأ سورة يس في رمضان كانت له كأجر قراءة المصحف كاملًا عشر مرات)، (من قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)؟

الحديث الذي ذُكر به رمضان لا أصل له، أما الحديث الذي لم يُذكر به أي الحديث الثاني: فالطُرق التي روى عنها أغلبها ضعيفة والبعض أشد ضعف والدليل:

عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن (يس) ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات).

وكان رأي الترمذي: “أن هذا الحديث غريب لا يُعرف إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وبالبصرة لا يعرفون من حديث قتادة إلا من هذا الوجه. وأن هارون أبو محمد هذه شيخ مجهول”.

رأي الإمام ابن كثير حول فضل قراءة سورة (يس)

أما عما نقله الإمام ابن كثير في (تفسير القرآن العظيم) حول فضل قراءة سورة (يس) عن بعض الأئمة وأهل العلم فيقول: “أن من خصائص هذه السورة أنها لم تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى”، فيُعتبر اجتهادًا من أهل العلم ولا يعتبر دليلًا من الكتاب أو من السنة منقولًا عن الصحابة والتابعين. واجتهادهم هذا لا ينبغي أن يُنسب لكتاب الله تعالى أو للسنة النبوية دون أن نكون على يقين بأنه كذلك.

فقد قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33].

فنحن ننبه على أن الكثير ممن قُضيت لهم حاجتهم عند قراءة سورة (يس) أو الدعاء بها، افتراضيًا، وأنه يجب العلم بأن ما يُقضى من حاجة لك ليس بسبب قراءة سورة (يس)، بل لما قمت به من حق اللجوء إلى الله تعالى، والافتقار له سبحانه بقلبك، ليس لما قرأت من أدعية أو نحو هذا.

رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيمن يدّعي أن إجابة الدعاء دليلًا على العمل به كسنة

يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: “ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة: أن الرجل منهم قد يكون مضطرًا ضرورة لو دعا الله بها مُشرك عند وثن لأستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركًا. ولو استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يُعاقب على ذلك ويهوي في النار إذا لم يعف الله عنه، ومن هُنا يغّلط كثير من الناس؛ فإنهم يبلغون أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة أو دعوا دعاء.

ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلًا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد فعله النبي؛ وهذا غلط لما ذكرناه”، (اقتضاء الصراط المستقيم 2/700،698).

رأي الشيخ ابن الباز رحمه الله حول فضل قراءة سورة (يس)

رأي الشيخ ابن الباز في الحديث الذي يقول: (إنه من قرأ سورة (يس) 41 مرة بإخلاص دون انقطاع يُستجاب الدعاء في الحال):

أنه لا أصل لهذا الحديث من الصحة، ولكن سبب إجابة الدعاء هو الخشوع وقت الدعاء، وإقبال العبد على ربه وهو طاهر وخاشع بالسجود والإلحاح والبكاء لطلب حاجته، وصدقه في الدعاء واستبشاره بأن الله هو الذي سيقضى له حاجته؛ بهذا تكون إجابة الدعاء. فقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء).

بعض الأحاديث المكذوبة الأخرى التي وردت في فضل قراءة سورة (يس)

 كما أن هناك العديد من الأحاديث التي نُسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحة لها نذكُر بعضها للتنبيه عليها وللعلم بها لا للعمل بها كاحاديث صحيحة، ومن هذه الأحاديث:

  1. عن عائشة رضى الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في القرآن لسورة تشفع لقارئها ويُغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس، تدعى في التوراة المعمة)، قيل يا رسول الله وما المعمة؟ قال: (تعم صاحبها بخير الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة وتدعى الدافعة والقاضية)، قيل يا رسول الله كيف ذلك؟ قال: (تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضى له كل حاجة ومن قرأها عدلت له عشرين حجة ومن سمعها كانت له كألف دينار تصدق بها في سبيل الله ومن كتبها وشربها أدخلت جوفه ألف دواء وألف نور وألف يقين وألف رحمة وألف رأفة وألف هدى ونزع عنه كل داءٍ وغل).
  2. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة (يس) في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة).
  3. (من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورًا له) رواه أبو يعلي.
  4. (من قرأ يس ابتغاء وجه الله غفر له) رواه ابن حبان في صحيحه.
  5. (اقرؤوا على موتاكم يس) رواه أحمد وأبو داود.
  6. (من داوم على قراءتها كل ليلة ثم مات، مات شهيدًا).
  7. (من دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات).

رأي أهل العلم في هذه الأحاديث

جميع تلك الأحاديث التي وردت لتُأكد فضل قراءة سورة (يس) لا ينبغي أن تُرفع للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض منها موقوفات للصحابة بالأسانيد الحسنة، والبعض الآخر منقول عن تجارب معظم الصالحين. ولا يجوز أيضًا نسبها للصحابة والتابعين وأئمة أهل العلم دون أدلة على ذلك.

كما لا يصح التحدث بهذه الأحاديث بمجالس الناس، ممن يزعمون أن التجربة دليل على صحة هذه الأحاديث، فلماذا نأخذ بتجربة من قرأ سورة (يس) وقُضى الله حاجته ولا نأخذ بتجربة من قرأ سورة (يس) أيضًا ولم يقض الله حاجته!؟

ما مدى صحة قراءة عدية (يس) بهدف تفريج الكرب وقضاء الحاجات وتحقيق الرغبات ورد الحق للمظلوم؟

ينبغي وقبل كل شيء أن نعرف ما هي عدية (يس) وكيف تُستخدم؟

هي قراءة سورة (يس) بطريقة معينة وبعدد معين مع بعض الأدعية والآيات الأخرى، سنذكُرها للعلم بها ثم نوضح ما مدى صحتها:

طريق استخدام عدية (يس) ونص دعائها

تلاوة سورة (يس) 7مرات متواصل ودون انقطاع بعد أن تصلي ركعتي الضحى، ثم تلاوة من نفس السورة من الآية (1) إلى الآية (9) أي حتى قولة تعالى {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ}، ثم الدعاء بالأدعية التالية:

“اللهم يا مَن نوره في سره وسره في خلقه، أخفي عني أعين الناظرين وقلوب الحاسدين، والباغين وأحفظني كما حفظت الروح في الجسد {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}”، ثم التلاوة إلى قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس:27]. وبعد ذلك نقول الدعاء التالي:

“اللهم أكرمني بقضاء حاجتي”، ثم تلاوة قوله تعالى: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس:38] (إحدى عشر مرة)، ثم ذكر الدعاء التالي:

“اللهم إني أسألك من فضلك السابغ، وجودك الواسع، أن تغنيني عن جميع خلقك”، ثم تلاوة قوله تعالى: {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58]، وتُكرر 14 مرة، ثم الدعاء التالي:

“اللهم سلمنا من آفات الدنيا” (ثلاث مرات)، ثم تلاوة قوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس:81]. ثم نقول: “والله قادر على أن يقضي لي حاجتي” (ثلاث مرات)، ثم تلاوة باقي السورة والدعاء بدعائها، (لم نذكر الدعاء بسبب طوله واكتفينا فقط بوضع فيديو لهذا الدعاء للتعرف عليه.

فيديو لدعاء يا عصبة الخير (دعاء عدية يس)

ثم نختم بتلاوة سورة (الإخلاص) و(المعوذتين) و(الشرح) و(فاتحة الكتاب) والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

رأي الشرع في عدية (يس) ومن يقرئها

قد اجمع رأي أهل العلم على أن ما يُسمى بعدية (يس) لا أصل لها في الإسلام، وأن قراءة سورة (يس) بهذا العدد والدعاء بهذه الأدعية بعدها يُعد من البدع، ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر به أحد من الصحابة، ولا يصح لأحد أن ينقل أو يقول ما لم يثبت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

ويقول الشيخ الشاطبي رحمه الله في (الاعتصام 1/37 -39): “فالبدعة إذًا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه … ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة؛ كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا، وما أشبه ذلك، ومنها التزام عبادات معينة في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة؛ كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته….

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)”

تعقيب:

وبناءً على ذلك فإن قراءة عدية يس بأجماع أهل العلم غير صحيح وقد حرمه الشرع؛ فالدعاء غير مؤثر وحده ولكنه سبب ليس إلا، وأن الله تعالى هو المؤثر وهو القادر، وكونك تعتقد أن الدعاء أو طريقة الدعاء وعدد المرات ستؤثر فانت على ضلال؛ لأن الله وحده هو النافع الذي يستجيب لك إذا أراد.

ففضل قراءة سورة (يس) افتراضيًا مثلها مثل كل سورة من سور القرآن الكريم يتوقف إجابة الدعاء على الصدق في نية الدعاء وأن الإجابة من الله تعالى. والخلاصة التي يجب أن نعلمها جميعَا أنه قد جاءت الكثير من الأحاديث الواردة في فضل قراءة سورة (يس) وفوائدها العشر، ولكن الباحثين من العلماء المختصون بذلك قد حكموا على جميع هذه الأحاديث بعضها بالضعف والبعض الآخر بالضعف الشديد والبعض بأنها مجهول. والله أعلم ورسوله.

مقالات أخرى ستنال إعجابك:

قد يعجبك ايضا