مقتطفات رائعة من قصة سيدنا سليمان

تمتلئ قصة سيدنا سليمان بالمواقف التربوية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، وسنستعرض أحداث القصة، وما قابل سيدنا سليمان في مسيرته الدعوية مع الملكة بلقيس، وهدهد سليمان، وقصة النملة معه.

سليمان هو ابن أحد الأنبياء المكرمين سيدنا داود عليه السلام، ومنح الله لسيدنا سليمان الملك والحكمة والنبوة فكان ذا سلطان عظيم، لم يمتلكه أحد من قبل ولا من بعد.

ورث سليمان عن أبيه داود النبوة والملك في الأرض، ولم يرث مال فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء والرسل لا يورثوا المال لأبنائهم، بل يتصدقوا بها.

كان سليمان عليه السلام ذكيًا، ذا رأي راجح، ومنطق سديد، وهبه الله الحكمة في الأمور، وحسن التدبير والقيادة، وكان في صغره يتشاور مع أبيه في أساليب وأمور الحكم.

موقف سليمان مع الرجلين المتخاصمين

موقف سليمان مع الرجلين المتخاصمين

وذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، قصةً تدل على ذكاء ونبوغ سليمان منذ الصغر، حيث أثناء حكم سيدنا داود دخل عليه رجلان متخاصمان ليحكم بينهما.

كان أحد الرجلين صاحب أغنام يرعاها، أما الآخر صاحب زرع وحرث، اشتكى صاحب الزرع لسيدنا داود من صاحب الأغنام، وقال: أن أغنامه جاءت إلى الزرع، وأكلته ولم تبقي فيه شيء.

حكم بينهما سيدنا داود طبقًا لما سمعه من صاحب الحرث، وقال: أن الأغنام يأخذها صاحب الحرث؛ تعويضًا له عما حدث لزرعه من إتلاف، فخرج الرجلان من عند داود عليه السلام، وأثناء ذلك قابلا سليمان ابنه صاحب الاثني عشر عامًا.

سألهم سليمان عن شكواهم، وبماذا حكم أبيه بينهم، فلما أخبراه بما حدث فقال لهم: هناك حكم أرفق بكما من ذلك الحكم.

عاد الرجلان إلى سيدنا داود مرة أخرى، وأخبراه بما قاله سليمان، فاستدعى داود سليمان إليه وسأله: ما هذا الحكم الأرفق الذي تتحدث عنه؟

أخبره سليمان برأيه، أن يقوم صاحب الحرث التالف بأخذ الأغنام؛ لينتفع من نسلها، ولبنها، ويقوم صاحب الغنم بأخذ الحرث التالف، فيقوم بزراعته؛ حتى يعود كما كان نضرًا مزهرًا.

بعد ذلك ترجع الأغنام لصاحبها، ويرجع الحرث لصاحبه، أعجب داود برأي سليمان، وبالفعل أمر بذلك الحكم، ونزل قول الله تعالى “فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ”.

قصة سليمان مع المرأتين والطفل

وأيضا مما يدل على فطنة سليمان وذكائه، قصته مع المرأتين اللاتي جاءتا إلى نبي الله داود، يشكوان بأن الذئب قد أكل ابن واحدة منهما، وكل واحدة منهم تقول للأخرى: إنما ذهب الذئب بابنك، وليس بابني!

حكم بينهما داود أن الابن السليم هو ابن الكبرى، بدون الاستناد إلى دليل، فلما خرجا من عنده؛ ذهبتا إلى سليمان، يشتكيان إليه ويخبرانه بالقصة.

فلما أخبراه بما حدث، قال لمن حوله أن يأتوه بسكين ليشق صدر الطفل إلى نصفين، ويعطي كل امرأة نصفًا منهما، حتى يقيم العدل بينهما فلا دليل أمامه ليحكم به.

قالت الصغرى: بالله عليك لا تقتله، هو ابنها أعطه لها، وهنا علم سليمان أنه ابن الصغرى، فلم تكن نية سليمان أن يقتل الطفل، بل أراد اختبار مشاعر الأمومة لتظهر الأم الحقيقية.

وقد نجحت خطته بالفعل، فقد أظهرت الصغرى عواطف الأمومة، فها هي مستعدة للحرمان من ابنها، في مقابل سلامته، وحكم سليمان للمرأة الصغرى بالابن، وهنا تظهر حكمة وفطنة سليمان، وقدرته على التصرف في الأمور بذكاء.

نعم الله على سليمان

لما ورث سليمان الملك بعد وفاة داود، أنعم الله عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، لم يعطها الله لبشر قبله؛ فقد أنعم عليه بتسخير الجن والإنس، وأعطاه علم الجبال وعلم القضاء.

ليس هذا فحسب بل علم الله سليمان حديث الطير ومنطقه، فأصبح يفهم لغات الطيور والحيوانات دونًا عن باقي البشر، فهي ميزة خصها الله لسيدنا سليمان فقط.

أعطى الله لسليمان ملكًا عظيما من مشرق الأرض إلى مغربها، وسخر له الرياح لتنقله إلى أي مكان يريده، ثم تعود به إلى القصر مرة أخرى، قال تعالى: “فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ”.

كما سخر الله تعالى الجن لخدمة سليمان، يقومون بما يأمرهم به من أفعال صعبة، يعجز عنها الإنسان كغوص البحار، وجلب الكنوز، وبناء القصور الضخمة، ومن يخالف أوامر سيدنا سليمان يعاقبه الله أشد العقاب.

كما وهب الله لسيدنا سليمان القدرة على تصفيد بعض الجن؛ ليكف شرهم عن الناس، بينما هناك جن يتبع أوامره فيتركه حرًا غير مصفد بالقيود، حيث ذكر الله في قرآنه الكريم “وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ”.

جعل الله النحاس سائلًا لسليمان، يصنع منه ما يشاء من القدور بدون الحاجة إلى نار، فكان النحاس يقطر في يدي سليمان كالماء، وهي هبة من الله عز وجل.

وكان سليمان محاطًا بالجن، والإنس، والطيور، والحيوانات التي تعمل في طاعته، وكان ينظمهم لكل منهم عملًا يقوم به، ومكانًا خاصًا به لا يتجاوزه ولا يخرج عن الأوامر.

قصة سيدنا سليمان والنملة

 قصة سليمان والنملة

ذات يوم خرج نبي الله سليمان مع جيشه العظيم، من الإنس والجن والطير، وأثناء سيرهم اقتربوا من وادي من النمل في الصحراء ” قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”.

تحدثت النملة إلى باقي النمل؛ لتحذرهم وتنصحهم أن يدخلوا مساكنهم، حتى لا يحطمهم سليمان وجيشه، وأعطت النملة عذرًا لسليمان وجيشه، فهم لا يشعرون بالنمل.

هنا نرى بلاغة النملة، فقد احتوى حديثها على: نداء وأمر ونهي وتخصيص وتعميم، فالنداء في: يأيها النمل، والأمر: ادخلوا، والنهي: لا يحطمنكم، والتخصيص: سليمان، والتعميم: جنوده.

كما نرى إيجابية وشجاعة كبيرة لدى تلك النملة؛ فلم تهرب لوحدها، بل وقفت تنادي على أتباعها من النمل، وكان من الممكن أن تموت وهي تنادي عليهم وتحذرهم، ولكنها فضلت التضحية بالنفس فداء ذلك.

في تلك اللحظة سمعها سليمان وفهمها؛ فقد علمه الله لغة الطير، تبسم سليمان من قول النملة، وشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه التي وهبها له، ودعا الله أن يقدره على العمل الصالح، ليرضى الله عنه، وأن يحشره مع عباده الصالحين يوم يلقاه.

قصة سليمان والهدهد

قصة سليمان والهدهد

سخر الله سبحانه وتعالى الطيور والحيوانات لسليمان وخدمته، فكان الهدهد ينفذ ما يأمره به سليمان، وإذا عصى أوامره يعاقبه على ذلك.

منح الله هدهد سليمان القدرة على رؤية الماء من تحت الأرض، حيث ينظر فيرى مكان الماء، ثم يخبر سليمان بمكانه ويأمر سليمان الجن فيحفرون ويخرجون الماء من العيون.

ذات يوم بينما كان جيش سليمان يسير في الصحراء، إذ أصابهم العطش فسأل سليمان عن الهدهد حتى يبحث عن الماء وإذا بالهدهد مختفي!

أخذ سيدنا سليمان يتفقد الهدهد بين جمع الطيور والحيوانات؛ فلم يجده فغضب غضبًا شديدًا لذهابه بدون أمر من سليمان، وتوعده بالتعذيب والذبح، إلا إذا كانت له حجة قوية في ذلك.

وهنا نرى في سيدنا سليمان صفات القائد الناجح العادل حيث قام بتفقد الهدهد وهو من أتباعه ثم لم يتسرع في توجيه الاتهام لديه بل سأل أولًا عن مكانه فقد يكون مختفيًا وسط الجيش.

كما شملت صفات سليمان الحزم والعدل والإنصات حيث أمر بإجراء عقاب للهدهد ولكنه كان عادلًا فطلب سببًا للغياب وحجة له تمنع عنه العقاب وأخيرًا كان منصتًا فاستمع لحديث الهدهد.

وبعد قليل أقبل الهدهد، فلما رآه سليمان سأله أين كان بدون إذنه، فأجابه الهدهد أنه ذهب إلى اليمن حيث توجد مملكة تسمى سبأ تحكمها الملكة بلقيس.

الهدهد يروي قصة بلقيس

أخبر الهدهد سليمان بأن بلقيس تملك من القصور والكنوز ما لا يعد ولا يحصى، وبأن عرشها مرصع بأنواع الجواهر والماس، مما يسلب القلوب والأبصار.

وقال الهدهد أن الملكة بلقيس وقومها يعبدون الشمس من دون الله، حيث رآهم الهدهد وهم يسجدون للشمس “إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ”.

كيف أن الشيطان أضلهم عن سبيل الله، وزين لهم الكفر والضلال فجعلهم يعبدون الشمس التي خلقها الله، فتعجب منهم الهدهد أشد العجب.

هنا نرى الهدهد وهو طير، وليس إنسان بعقل ميزه الله، نرى فيه إيجابية لم نراها في كثير من الناس؛ فلم يسكت على الباطل، بل قام ونادي للإصلاح، ولم يتعلل بالحجج والظروف كما يفعل الكثير من الناس.

قرر سليمان سينظر هل صدق الهدهد أم كان كاذبًا؟ فسوف يكتب خطابًا للملكة بلقيس ويرسله مع الهدهد، وكتب سليمان في الخطاب أنه يدعو بلقيس وقومها لترك عبادة الشمس، والتوجه لعبادة الله الواحد الأحد والتوحيد لله عز وجل، ثم أمر سليمان الهدهد أن يرجع بعد ذلك سريعًا إليه.

خطاب سليمان لبلقيس

طار الهدهد حاملًا خطاب سليمان لبلقيس، حتى وصل إلى غرفة نومها وهي نائمة، فألقي عليها الخطاب ثم طار عائدًا إلى سليمان.

استيقظت بلقيس وتفاجأت بالخطاب ملقى؛ فتعجبت كيف وصل إليها والحراس يحيطون بالمكان من جميع الجهات!! ثم قرأت ما كُتب في الخطاب.

توجهت بلقيس إلى قومها لتستشيرهم في أمر الخطاب؛ فقالت لهم أنه وصلها كتاب من سليمان يدعوها فيه إلى عبادة الله وحده، واعتناق الإسلام، وترك الكفر والضلال.

كانت كلمات سليمان في الخطاب موجزة ومختصرة وتهدف إلى تبليغ واحد وهو الدعوة إلى الله، حيث قال تعالى في القرآن الكريم” قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ”.

فاحتارت بلقيس كيف ترد على سليمان، واستشارت قومها وقالت لهم أفتوني ماذا أفعل؟ فأنا لم أبت في أمر بدون موافقتكم أولًا، حينها أشاروا عليها بقتال سليمان وقومه، وثارت بهم العزيمة والحماسة، وأكدوا لها أنهم سيهزمونه.

لم تتحمس بلقيس لفكرة الحرب والقتال، وردت على قومها أن الحرب تجلب الخراب والدمار للبيوت والبلاد، وسليمان ملك عظيم إذا حاربهم سيغلبهم، وسوف يصبحون عبيدًا ضعافًا بين يديه.

ثم فكرت بلقيس حتى توصلت إلى فكرة، وهي أن ترسل نفرًا من قومها بهدية ثمينة إلى سليمان؛ لتستجلب وده، ثم يعود رسول بلقيس ليخبرها بأخبار سليمان وملكه وكيف يبدو قصره وعرشه، وحين يعود ويخبرها ستصرف بناءً على ما سيخبرها به.

قامت بلقيس بإرسال الجواهر الغالية إلى سليمان، فلما وصل رسول بلقيس إلى سليمان لم يقبل سليمان بالهدايا وردها إلى الرسول مرة أخرى، وقال إن الله قد أنعم عليه بالنعم التي تفوق تلك الهدايا.

توعد سليمان لبلقيس وقومها

توعد سليمان لبلقيس وقومها، وأخبر رسولها أنه سيعد الجيوش لقتالهم بعد صدهم عن سبيل الله، قال تعالي عن رسالة سليمان لبلقيس “ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ”.

عاد رسول بلقيس إليها وأخبرها أن سليمان لم يقبل بالهدايا التي أرسلتها، ثم أخبرها عن عظمة وقوة ملك سليمان، وفخامة قصوره وعرشه وأعداد أتباعه وجنده.

وأخبرها بما توعد به سليمان من قتال وحروب بجيوش كبيرة، ستشيع في بلاد بلقيس الخراب والدمار، حينها أيقنت بلقيس أنه لا فائدة من المقاومة، وأنها إذا دخلت حرب مع سليمان فسوف يتغلب عليها بالتأكيد.

بلقيس تذهب إلى سليمان

حينها قررت الذهاب إلى سليمان، وأرسلت إليه كتابا تخبره بقدومها، وقبل أن تترك قصرها أدخلت عرشها في مكان مغلق بسبع أبواب، ووكلت عددًا كبيرًا من الحراس عليه؛ كي يحمونه ويحافظون عليه في غيابها.

ثم ذهبت بلقيس ومعها جندها وأمرائها ووزرائها ورجال دولتها بجوارها، فلما اقتربت من مملكة سليمان؛ سمع سليمان أصواتًا قادمة من بعيد، فلما سأل ما تلك الأصوات؟ أخبروه بأنها بلقيس وأتباعها.

أراد سليمان أن يفاجئ بلقيس بملكه؛ فأمر بإنشاء قصر من الزجاج يمر تحته الماء، وجعل السمك في الماء، فيبدو كأنه مقام على الماء مباشرة بسبب شفافية الزجاج، كما صنع له سقفًا من الزجاج.

وأراد سليمان أن يزيد من مفاجأة بلقيس، ويصنع لها ما لم تراه عيناها قط، ففكر في جلب عرش بلقيس الذي عملت على حمايته وحراسته، ظنًا منها أنه لا يستطيع أحد الوصول إليه.

نقل عرش بلقيس إلى عند الملك سليمان

سأل سليمان أتباعه من يستطيع جلب عرش بلقيس قبل وصولها إلى هنا؟ فرد عليه نفر من الجن، أنه يستطيع جلب عرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مكانه.

وأخبره ذلك الجن أنه سيكون أمينًا على العرش، وسيحرص على وصوله بأمان إلى سليمان.

كما تطوع رجل من أتباع سليمان مشهور بالإيمان بالله والتقوى والورع، وقال لسليمان أنه قادر على جلب عرش بلقيس، قبل أن يرتد إليه طرفه أي قبل إغماضه عينه وفتحها مرة أخرى.

فأمر سليمان الرجل المؤمن بفعل ذلك، فإذا بعرش بلقيس أمام عيني سليمان، شكر سليمان ربه على تلك النعمة والفضل الذي وهبه إياه “قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ”.

كان عرش بلقيس مزينًا بالذهب والياقوت، كان عظيمًا، ورغم ذلك استطاع الرجل المؤمن إحضاره في لمح البصر، في حين أن بلقيس وأتباعها أخذوا أسابيع ليصلوا إلى سليمان.

اختبار الملك سليمان لذكاء بلقيس

أراد سليمان أن يختبر ذكاء بلقيس، ومدى فهمها وإدراكها للأمور، فأمر بإجراء بعض التعديلات على عرشها؛ حتى يختلف اختلافًا بسيطًا، ثم أمر بوضعه داخل القصر المصنوع من الزجاج؛ فإذا كانت بلقيس قوية الملاحظة ستتعرف على عرشها.

وصلت بلقيس إلى سليمان فأخذها إلى القصر الزجاجي البلوري، وأشار على عرشها وسألها: أهذا عرشك؟ نظرت بلقيس إلى العرش وهي في غاية الاستعجاب، إنه يبدو فعلًا كعرشها بنفس الزينة والذهب والياقوت ونفس الهيئة، مع تغييرات بسيطة.

تساءلت بلقيس في نفسها أيمكن أن يكون هذا عرشها؟ كيف ذلك وهي قد وضعته في مكان أمين، وأغلقت عليه الأبواب، ووضعت عليه الحراس؟ وكيف وصل إلى سليمان بتلك السرعة قبل أن تصل بلقيس إليه؟

هنا أجابت بلقيس على سؤال سليمان، بأنه يشبه عرشها فكأنه هو، حينها أخبرها سليمان بأنه بالفعل عرشها، وأن الله أعطاه القدرة على إحضاره في لمح البصر.

أخذ سليمان بلقيس لتدخل إلى القصر الزجاجي، فلما رأت أرضه حسبته ماءًا، فشمرت عن ساقيها ورفعت ذيل ثيابها “فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ”.

في ذلك الوقت بعد أن رأت بلقيس كيف كان يعيش سليمان وكم من النعم والدلائل التي أنعم الله عليه بها، أدركت أنه ليس رجلًا عاديًا، بل هو رسول من الله عز وجل؛ فآمنت بالله وحده وعلمت خطئها في عبادة الشمس من دون الله.

قال الله تعالي في إسلام بلقيس “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” وذكرت بعض الاجتهادات أن سليمان تزوج بعد ذلك من بلقيس، وجعلها ملكة على اليمن والله أعلم بذلك.

قصة سليمان مع الجياد.

ذكرت الآيات القرآنية من سورة ص قصة سليمان مع الخيل “إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ”

تم عرض مجموعة من أجود أنواع الخيول، وأكثرها سرعة وعدوًا، وأجملها منظرًا على سليمان، وكان ذلك الوقت في موعد صلاة العصر؛ فألهته الخيل عن إقامة الصلاة حتى اقترب الشمس من الغروب.

حينها أدرك سليمان أن صلاة العصر قد فاتته؛ فتوجه إلى الله ودعاه أن يرد الشمس إلى قبل الغروب، حتى يلحق سليمان بصلاة العصر فاستجاب الله له وردها.

وقال بعض المفسرين أن سليمان قد قام بقطع سوق الخيل غضبًا من تلاهيه بها عن أداء صلاة العصر، ولكن تلك التفاسير لا تبدو مقنعة، فكيف يقوم رسول الله سليمان بفعل ذلك وهو صاحب القلب الرحيم؟!

ثم أثبتت الدراسات العلمية أن هناك تفسيرًا آخر للآيات وهو أقرب للحقيقة والله أعلم، وينص التفسير أن سليمان كان يقوم باختبار قدرات الخيل، ويقوم بقياس نبضها ليعرف إن كانت سليمًا، أم بها مرض؟

ثم للتأكد من كفاءة الخيل أمرها سليمان بأن تعدو مسافة كبيرة، وكان يقوم بمراقبتها من بعيد، فعدت الخيل حتى توارت عن الحجاب، وبذلك أصبحت غير مرئية لسليمان.

وبعدها عادت الخيل إليه، فقام بفحص ساقها للتأكد من سلامتها، ومن تأثير الجري والعدو عليها، هل أثر عليها أم مازالت طاقتها كما هي؟

وفاة نبي الله سليمان

كان سليمان قد أمر الجن ببناء محراب ليصلي فيه؛ فأطاعه الجن وبدئوا ببناء المحراب، فوقف سليمان متكئًا على عصاه يراقب عملهم، فلما أراد الجن أن يستريحوا بعض الوقت؛ نظروا إلى سليمان فرأوه متكئًا على عصاه فاستمروا في العمل خوفًا منه.

أمر الله ملك الموت بقبض روح سليمان وهو متكئ على عصاه، وظل جسده متكئًا سنة كاملة لم يلحظ أحد وفاته حتى تآكلت العصا من دابة الأرض سقط سليمان على الأرض.

حينها علم الجن والإنس من أتباع سليمان، بأن الله قد قبض روحه من فترة طويلة وهم لا يعلمون، وهنا دليل على أن الجن لا يعلم الغيب، كما يدعي بعض الناس فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى.

قال تعالي “فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ” لو كان الجن يعلمون بموت سليمان ما استمروا في العمل والعذاب خوفًا منه.

الوسوم