مشاعر الفقد نتيجة تغييب الموت لشخص عزيز علينا

إن الموت هو الشغل الشاغل الذي يشغل بال وأذهان الناس والعلماء والمفكرين منذ القدم وإلى الآن مازال العلماء يدرسون الموت وتأثير مشاعر الفقد على الناس بعد أن يغيّب الموت أحد أحبتهم من وجهات نظر مختلفة سواء كانت دينية أو فلسفية أو بيولوجية أو طبية ومن وجهة نظر سيكولوجية أيضًا.

وقد توصلت تلك الدراسات إلى شيء من الحقائق الهامّة التي سنتعرف من خلالها على مشاعر الفقد المختلفة عند البشر، وسنشرح ما نعتقد أنه سيؤدي إلى تفهم أكبر لمصيبة الموت وتقبلنا له، ومتابعة الحياة بشكل طبيعي، ذلك أن الحياة لا تقف عند موت أحد من الناس حتى لو كان حبيبًا لنا.

لنتخيل فكرة الموت بهالتها الكبيرة والمثيرة للحزن والغم واليأس، ولنطرح بين أنفسنا وذاتنا السؤال التالي: ما هي الأمور التي ليست على حالتها الطبيعية وما هي الأشياء التي أماتتني نفسيًا والتي من الممكن أن تميتني الآن أيضًا؟ إن تقبلنا لفكرة الموت وأنه قادم لا محالة وفهمنا للفناء والموت، يؤدي بنا إلى تحديد الطريقة الجديدة التي ينبغي من خلالها ممارسة حياتنا بالشكل الأمثل، وكل ما يجري وجرى من مسؤوليتنا نحن أمام أنفسنا بالدرجة الأولى.

الخوف من الموت

الخوف من الموت

إنّه لمن الطبيعي أن يعترينا خوف من الموت، سواء كان موتنا نحن أو أيٍ ممن نحب ونحيا سويًا، ويمكن أن تسكننا مشاعر الخوف من الفقد بشكل دائم ومستبد، وتصبح أمراضًا نفسية ترافقنا وتمنعنا من مواصلة حياتنا وأعمالنا على الوجه الأكمل، ومن ناحية أخرى ربما لا نبالي أو نكترث للموت لكونه شيء سيحدث مهما فعلنا أو شغلنا عقلنا فيه وأن ما سيقع هو واقع لا محالة.

الناس في ريعان صباهم لا يهتمون سوى بالمستقبل والحياة فقط، ففكرة الموت لديهم بعيدة عن أذهانهم أو أنهم لا يبالون بالموت، أو لا يفكرون فيه إلا عندما يصيب غيرهم، فيتحدون الموت باللامبالاة وعدم الاهتمام به أو التفكير به، على أساس أنهم بعيدون عنه، وبسبب كون الخوف من الموت حالة مرعبة فهم لا يفكرون فيه إلا عندما يتقدمون بالعمر، مع أن هؤلاء الأشخاص يعتقدون بأن هناك كثير من الأمور والأشياء عليهم القيام بها عندما يشيخون أو يتقدمون بالعمر، وتحقيقها قبل موتهم.

إن خوفنا من الموت يتضمن مشاعر الفقد التالية: خوفنا من فراق من نحبهم وخوفنا من فقداننا لأنفسنا أيضًا وخوفنا من مواجهة المجهول وخوفنا من فقداننا للوقت الذي كنا نحاول أن ننجز فيه الكثير مما نعتقد أن علينا إنجازه مما لم ننجزه بعد.

(كانت امرأة تعاني من مخاوف الموت بسبب مرض السرطان فقد تبين لأحد الأطباء فيما بعد أن تلك المخاوف من الموت التي تعانيها لم تكن على تلك الدرجة من الفظاعة المتوقعة، فقد تبين أن محاولة تلك المرأة تجنب المخاوف من الموت أو الرعب منه كانت أشد هولًا وفظاعة من مخاوفها الحقيقية من الموت)، وبالتالي فإننا نملك فرصة لتغيير نمط حياتنا وذلك بإجراء تغيير في علاقتنا مع الآخرين ومع أنفسنا بنفس الوقت، ونقضي على مشاعر الفقد تلك.

الموت ومعنى الحياة

إن فكرة الموت وفكرة اكتشاف معنى الحياة وغايتها على ارتباط وثيق بقبول الموت والتعامل معه بواقعية وجدية أكثر، فلنتأمل الموت ونتوقعه لنتعلم كيف نعيش الحياة، لأن الذي يتمتع بطعم الحياة حلوها ومرها هو الذي يكون مستعدًا على الدوام لمفارقة الحياة.

وأنّ ذات الإنسان وكينونته توجد فقط لحظة مفارقته للحياة ومواجهته للموت، حيث أن الكثيرين من الناس الذين يعانون من أمراض خطيرة تجعلهم على تماس مع نهاية حياتهم فإن مواجهتهم للموت، تدفعهم للقيام بالكثير من الأنشطة خلال هذا الحيز الضيق من الوقت الذي بقي لهم في هذ الحياة.

فإن العلاج الجماعي لمرضى السرطان (Group therapy) قد دفعهم لتغيير جذري في أسلوب التعامل مع الحياة، عندما أدركوا إصابتهم بذلك المرض الخطير شملت عدة نواحي منها:

  • التواصل العميق مع أحبائهم وأصدقائهم بطريقة أكبر من ذي قبل.
  • إعادة التفكير بحياتهم السابقة وعدم الاهتمام بدقائق الأمور التافهة.
  • تقدير كبير للحياة والاهتمام المتزايد باللحظات ولحقائق الحياة ومن بينها حقيقة الموت القادم.
  • إحساس كبير بالقدرة على اكتشاف واختبار للأمور التي يرغبون في تحقيقها.
  • تناقص الخوف من الآخرين نتيجة نقص الاهتمام بالأمان نتيجة المرض الذي أصيبوا به.

يقول أحد المفكرين في كتابه (هل هناك جواب عن الموت): “إن وعينا لفكرة الموت تجعلنا نرى الحياة رؤية شمولية أكبر وأوسع، مما يدفعنا للبحث عن الأجوبة الحقيقية المؤكدة، وأن معنى حياتنا تتوقف على الاقتناع بأننا كائنات فانية لا محالة فهذا قدرنا المحتوم”.

مراحل مشاعر الفقد الخمسة

يقسم الخبراء النفس المشاعر التي نحسها اتجاه فقد الأشياء إلى خمسة مراحل هي:

1 – المرحلة الأولى: الإنكار (Stage of Denial)

هي عبارة عن الوقت اللازم للتكيف مع الوضع الجديد المفاجئ يتجلى ذلك بعدم الاستجابة التلقائية من قبل الدماغ للأخبار السيئة والغير مرغوب فيها، وكأن الحياة ستعود إلى سابق عهدها بعد الاستيقاظ من الحلم، بعد فقد عزيز أو شيء ثمين.

2 – المرحلة الثانية الشعور بالغضب (Stage of Anger)

هو إحساس بالغضب من الذين تسببوا بالألم من جراء فقدك لأحد يهمك أمره أو تحبه، وهذا الإحساس حالة نفسية صحية لأنه يجعلك في الطريق لتقبل الوضع الجديد وتصديق حصوله.

3 – المرحلة الثالثة: الاكتئاب (Stage of Depression)

ويتم الوصول إليها عندما ينفض الآخرين من حول الناس الذين أصابتهم مصيبة الفقد باعتقادهم أنه قد تجاوز الموقف الذي أصابه، فيعود إلى الوحدة والعزلة ويسود الصمت من حوله، وهذه المرحلة طبيعية أيضًا لا بد لكل شخص أن يمر بها ولكن يجب أن تكون أقصر المراحل كي لا تتحول إلى مرض عصبي يحتاج إلى علاج نفسي، وهي أخطر المراحل فيجب على الشخص القيام بالأعمال المنتجة لقتل الوقت واللجوء إلى الخالق لطلب المساعدة بين الحين والآخر.

4 – المرحلة الرابعة: مرحلة التفاوض (Stage of Bargaining)

هي المحاولة للخروج من المحنة بأقل الأضرار والخسائر وهي تحدث في ذكرى مرور المصيبة، حيث يكون الشخص غاية في الحزن والغم، وهنا يحتاج الأشخاص الذين يمرون بهذه المرحلة لمن يساعدهم ويعيد الأمل إليهم من جديد.

5 – المرحلة الخامسة: مرحلة القبول (Stage of Acceptance)

إن الشفاء من وقع وهول المصيبة بدأ بالفعل فيحدث التحسن بالمزاج العام للشخص والعودة للحالة السابقة التي كان عليها مع بعض التغيير ولكن إلى الأفضل.

ما الفائدة من مثل هذه الدراسات؟

للاهتمام بمشاعر الأناس الذين أصيبوا بفقد عزيز عليهم أو أصابتهم مصيبة ما، وذلك لمساعدتهم وتوجيههم للخروج من أزمتهم تلك التي من الممكن أن تكون ذات عواقب سيئة جدًا مما ينعكس على المجتمع بشل سيء، والقضاء على مشاعر الفقد التي يحسون بها ويعيشون بها.

من هنا كان ما يسمى برنامج حركة النزلاء (Hospice Movement and Program) والذي بدأ في المملكة البريطانية المتحدة عام 1967 للميلاد، وتبين أن هذا الاهتمام وتلك الحركة قد بدلت تلك النظرة للاحتضار من أنه لا يمكن فعل أي شيء لمساعدة المحتضرين سوى انتظار الموت، حيث في الوسع تقديم المساعدة والرعاية في أقصى حالاتها لهؤلاء المحتضرين، فقد استطاع أن يحقق ذلك البرنامج الكثير من خلال خفض القلق (Anxiety) والتوتر (Tension) وأمكن تقليل الكثير من الأعراض البدنية التي يعاني منها المحتضر (Bodily symptoms).

الحزن والأسى والانفصال أشكال أخرى لمشاعر الفقد

الحزن والأسى والانفصال أشكال أخرى لمشاعر الفقد

أن المراحل الخمسة التي مر بها الشخص الذي أصيب بفقد عزيز هي نفسها التي يمر بها الشخص الذي يصاب بحالات افتقاد أخرى كالطلاق أو الانفصال مثلًا، والمشاعر التي يمر بها المقربون من الشخص المحتضر فهي مشاعر الغضب والأسف والشعور بالذنب، وهذه الحالة في الواقع معقدة جدًا بشكل أكيد وتحتاج إلى عناية خاصة للخروج من هذه الحالات النفسية المؤلمة.

اترك نفسك للحزن والأسى من خلال مشاعر الفقد

هناك سؤال يطرح نفسه بنفسه ألا وهو هل اختبرت حالة افتقاد سابقة وكيف تعاملت معها؟ من المؤكد أن هناك أمورًا كثيرة تبعث فينا مشاعر الحزن والأسى كفقدان أحد أفراد الأسرة أو أحد الأقارب أو الأصدقاء أو الأشخاص المهمين في حياتنا، أو فقدان أشياء مادية نعتقد أنها مهمة بالنسبة لنا كالانفصال والطلاق وخيبة الأمل من الأصدقاء، فهل استجابتنا لهذه الحالات متشابهة أم أن الاستجابة متعلقة بكل حالة لوحدها، وهل كنت قادرًا على تجاوز محنتك تلك أثناء مرورك بها، أم أغلقت دونها أبواب الحزن والأسى وتركت الأمور على غاربها؟

إن الكثيرين من الباحثين يرون بأن الحزن والأسى مشاعر ضرورية للتعبير عن مدى الافتقاد، وضرورة التحرك من مرحلة إلى مرحلة حتى الوصول لمرحلة الشفاء وعودة الحياة إلى ما كانت.

كيفية التخلص من مشاعر الفقد المرضية

إن البحث عن علاج لمشاعر الحزن والاكتئاب والشعور بالخوف من الفقد يبدو في غاية الصعوبة وكأنه عبء إضافي للضغط على أعصابنا فوق الضغط المطبق عليها من جراء مصيبة الفقد الأصلية التي نعاني منها، نجد بعض الطرق منها:

مجموعات مساعدة النفس (Self – help groups)

من المعلوم لدى العديد من الناس أن التقاء الذين يعانون من مشاعر متشابهة يساعد على إزالة تلك المشاعر المؤلمة، ونستطيع أن نرى كيف أن الآخرون قد استطاعوا التغلب على مصاعبهم، وهذه المجموعات يقودها في العادة أناس قد استطاعوا التغلب على آلام تلك المشاعر بأنفسهم.

تناول العقاقير

هي مواد كيميائية تؤدي لتحسين المزاج وتخفف من مشاعر الفقد القاسية التي نعاني منها، لكنها لا تعالجها.

عناية المجتمع (Community Care)

إذا كنا نعاني كثيرًا من آلام مشاعر الفقد فإننا بحاجة لدعم يُقدم لنا من فبل أناس لديهم الخبرة بذلك لمساعدتنا، فأوجدوا ما يسمى ببرنامج تقديم العناية (The Care Program approach)، فعندما نساعدهم ولا نلومهم على ما يعتريهم من آثار مشاعر الفقد تلك ولكن يجب تقديم ما يمكن أن يساعدهم على أن يخرجوا من محنتهم تلك أشد وأقوى مما كانوا، ونشركهم في مسؤولية الاعتناء بأشخاص آخرين لديم مشاعر انزعاج أخرى.

تأثير الإيمان على إزالة مشاعر الفقد المؤذية

مما لا شك فيه أن للإيمان دورًا مهم للعلاج والتخلص من مشاعر الفقد المؤذية التي نعاني منها:

الإيمان بالقضاء والقدر

هو ما يوجب علينا بالرضى عن كل ما يجري لنا وما حولنا فهو من قضاء الله وقدره، حيث أن الإيمان بالقضاء والقدر يمنع عنا الضيق والأوهام والوساوس والحزن والاكتئاب، وما أصابنا لا يمكن أن يخطئنا، وما أخطأنا لا يمكن له أن يصيبنا.

وفي الختام لا بد لنا من أن نؤمن بأن باب الأمل ما يزال مفتوحًا على مصراعيه، مما يبعد عنا الألم والوساوس ولا نحزن على ما فاتنا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.