الشاعر العبقري صلاح جاهين من أعظم شعراء مصر.. شاعر الرباعيات

الشاعر العبقري صلاح جاهين من أعظم شعراء مصر.. شاعر الرباعيات، مقال ثقافي يسلط الضوء على قامة أدبية قلّ نظيرها في الوطن العربي كله إنه الشاعر صلاح جاهين.

صلاح جاهين … كان شاعرًا يضج بالفرح رغم أن باطنه ليلًا من الأحزان حيث كان يواري أحزانه عن الناس، ويضع ابتسامة ساخرة ويظهر للناس بوجهه الباسم كل يوم.

فاسمه سيبقى اسمًا مضيئًا في دنيا الفن والإبداع العربي الثقافي والمصري خاصًة، فهو فنان متنوع المواهب شاعر رسام كاريكاتوري ورائد الكتابة لمسرح العرائس.

من هو الشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen)

من هو الشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen)

ولد صلاح جاهين (Salah Jaheen) في الخامس والعشرين (25) من شهر أيلول (September) من العام (1930) في القاهرة بحي (شبرا Shubra)حيث كان والده قاضيًا وبسبب ذلك العمل اضطر لينتقل بأسرته إلى أغلب محافظات مصر، لذلك نال صلاح شهادة الإبتدائية في محافظة (أسيوط Assiut)، وشهادة الثقافة من محافظة (المنصورة Mansoura)، والشهادة التوجيهية من محافظة الغربية (طنطا Tanta)، ولم يتابع دراسته في كلية الحقوق التي استمر فيها لمدة ثلاث سنوات كونه انتقل للعمل في تصميم المجلات مما أدى لتفجير موهبته كمبدع في كل المجالات التي عمل فيها، فبقي اسمًا لامعًا مبدعًا كبيرًا حتى توفاه الأجل في السادس والعشرين (26) من شهر (نيسان April) من العام (1986).

 صلاح جاهين (Salah Jaheen) الشاعر

وعلى الرغم من تفوق صلاح جاهين في كل الفنون السابقة إلّا أن اسمه كشاعر يكفي كي يضعه كواحد من أبرع الشعراء العرب في القرن العشرين (Twentieth century)، وأحد شعراء الإنسانية في العالم وذلك لما قدمه من شعر إنساني جديد ويعبر عن روح ووجدان إنسان العصر الحديث (The modern era) من خلال الشعر الجريء والمختلف عمّا كان الشعر العربي يجري عليه، وقد أكد ذلك الناقد العربي المعروف (رجاء النقاش Rajaa Alnakash) في إحدى الدراسات عن الشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen) وكانت بعنوان (صلاح جاهين الشاعر والإنسان Salah Jaheen poet and human) بقوله:

(إن الفن العربي بشكل عام يفتقر إلى الجرأة في الخيال والطموح، فلا يوجد في الأدب العربي أكثر من موقف أو اثنين أو ثلاثة على أبعد تقدير يمكن أن تدل على تعملق الخيال العربي، ومن هذه المواقف الخيالية في الأدب العربي كتاب الشاعر العربي الكبير وفيلسوف المعرة (أبو العلاءالمعري Abu Ala Al-Maari)، (رسالة الغفران Message of forgiveness) حيث تجرأ خياله الأدبي على تصوّرً عالمي الجنة والنار وبنى صورة لذلك العالم.

وأيضًا هناك قصة (حي بن يقظان Bin Yaqzan neighborhood) للكاتب (ابن الطفيل Ibn al-Tufayl) الذي تخيل فيها إنسانًا يحيا وحيدًا في جزيرة معزولة عن العالم يفتش عن سر الحياة ومعنى المجهول بالنسبة له، كما يوجد أيضًا رواية (ألف ليلة وليلة A novel of one thousand and one nights) في الأدب العربي القديم.

بالرغم من ذلك فلم يظهر في الأدب العربي شاعر مثل (ملتون The poet Milton) أو الشاعر (اللورد بايرون The poet Lord Byron) الذين قاما بتصوير الشيطان في نموذج التمرد ربطًا بين الطموح والتمرد، والذي ينتشر في الشعر العربي أن الشاعر لدينا يحلّق على جناح خيال كسول لا طموح له مشغول ضمن الواقع المادي عن طريق الحكمة والفلسفة).

غير أن الذي يقرأ فن (الشاعر صلاح جاهين Salah Jaheen) الشعري يمكن أن يتيقّن مما جاء على لسان الناقد (رجاء النقاش Rajaa Alnakash) من خلال دواوين جاهين (كلمة سلام Peace word) الذي صدر في العام (1955)، وديوان (موّال عشان القنال Loyal to the channel) وصدر في العام (1956)، وديوان (عن القمر والطين About the moon and mud) والذي صدر في العام (1961)، وديوان (رباعيات Quartets) والذي صدر في العام (1963)، وديوان (قصاقيص ورق Paper caps) وديوان (قصائد حب من مصر القديمة Love poems from ancient Egypt) واللذان صدرا في العام (1966).

ميلاد شاعر عبقري

كتب الناقد (فتحي غانم Fathi Ghanem) في مقال له في مجلة (آخر ساعة) وذلك في الثامن والعشرين (28) من شهر كانون الأولDecember) ) من العام (1955) قال فيه:

(لقد احتفل شاعر مصري مازال مجهولًا بعيد ميلاده الخامس والعشرين، ولم نقرأ له بعد بيتًا من الشعر، بيد أنه نشر أشعاره منذ أيام، فلتقرؤها أيها المصريون وترجموها أيها الأدباء إلى كل لغات العالم الحيّة… اسم ذلك الشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen)، تذكروا هذا الاسم وترقبوه، فأنتم وحدكم من سيرفعه إلى أعلى قمم المجد أو من سيهيل عليه تراب النسيان).

وهكذا نرى أن نبوءةالناقد (فتحي غانم  (Fathi Ghanem وقد تحققت فأصبح شاعرنا صلاح جاهين واحدًا من أشهر الشعراء العرب في القرن العشرين ليس في مصر وحدها بل في الوطن العربي قاطبًة، لما يحمله وقدمه من تجربة شعرية رائدة.

الأفكار التي تضمنتها قصائده الشعرية

حملت القصيدة عند صلاح جاهين أفكارًا ومضامين إنسانية مختلفة منها:

معانات الفلاح المصري

ففي ديوان (كلمة سلام Peace word) استطاع صلاح جاهين من تقديم المضمون الشعري المختلف عن المتعارف عليه، فقد عبّر عن الإنسان المصري البسيط ومعاناته ومشاعره في قصيدة (زي الفلاحين Peasant costume) حيث يقول:

(القمح مش زي الدهب

القمح زي الفلاحين

عيدان نحيله جدرها بياكل في طين

زي اسماعين

ومحمدين

وحسين أبو عويضه اللي قاسى وانضرب

علشان طلب

حفنة سنابل ريَّها كان بالعرق

عرق الجبين

القمح زي حسين يعيش ياكل في طين

أما اللي في القصر الكبير

يلبس حرير

والسنبلة

يبعت رجاله يحصدوها من على

عود الفقير)

إننا هنا نستطيع أن نرى الإحساس المتعمّق بطبيعة الفلاح المصري البسيط والعلاقة بينه وبين القمح المحصول الرئيسي والأساسي للحياة لهؤلاء الفلاحين، وكيف ربط الشاعر بين ذلك وبين صورة الإقطاعيين مصاصي دماء الفلاحين دون أي مقابل.

التوحد مع أفراد الشعب

أمّا في قصيدة (الزباين The customer) من الديوان نفسه يقول:

(ناس كتير ف البلد دي زيك وزيي

كلنا مولودين في أحوال تعيي

الفرق مشترك في حيك وحيي

في الحسين والإمام وغمره وشبرا)

إننا نرى الشاعر هنا يتحد بكل فرد من أفراد المجتمع المصري المتنوّع ويحس بإحساسه وهمّه واهتماماته، وأوجاعه وتوجعاته واستطاع أن يصوغ ذلك شعرًا بديعًا ويقدم كل ذلك في إطار إنساني فيه الكثير من الصدق والعفوية.

التعبير عن آمال وأفراح الشعب المصري

أمّا في ديوان (موّال عشان القنال Loyal to the channel) فاستطاع (الشاعر صلاح جاهين Salah Jaheen poet) التعبير عن فرحة الشعب بالإنتصار المزدوج بخروج المحتل والأمل الكبير والمعقود على ثورة (1952) على تحقيق آمال المصريين أجمع حيث يقول:

(سلامات يسعد صباحك

دي بلدنا

خد براحك

يا حمام افرد جناحك

تسلم إنشا الله

يا ما راح نسمع بشاير

طلي يامه

يامّ صابر

مابقاش ع الجسر غادر

ماشي يتسلى

ما بقاش ع التل غيرنا

والحبايب

بتناصرنا

يا حمام انزل في خيرنا

والقط الغلَّه)

إننا نستطيع أن نرى الاستخدام الموّفق لبعض المفردات مثل (سلامات – يا حمام – يسعد صباحك – خيرنا – بشاير – الغلّة) وجميع تلك التعابير والمفردات تستطيع أن تدل على الإنتصار والأمل والأمان والخير المنتظر من قبل المصريين وذلك عقب ثورة (1952).

التمثل اللا واعي للذاكرة الجماعية للمصريين

ويبدو لنا من الأمثلة السابقة أن (الشاعر صلاح جاهين Salah Jaheen poet) استطاع أن يكون صوت الشعب الذي يطل عبر قصائده التي عبرت عن تراث الشعب المصري العريق بما يمثل الذاكرة الجماعية للشعب المصري العريق، كما جاء في مقال الناقد (شوقي عبد الحكيم Shawky Abdul Hakim) وكانت تلك المقالة بعنوان (المشاركة في الغلب Participate in fatigue ):

(إن من قدرات الشاعر جاهين تمثله اللا واعي للذاكرة الجماعية التي ترتفع بالشاعر والشعر وتصل هامته إلى الآفاق العلوية للأساطير (Myths) ونلمح ذلك عند جاهين بما اختزنه عقله الباطن من أفكار ومضامين فولوكلورية (Folklore) مصرية شعبية عند حديثه عن الطبيب والعليله والبن والسحالي وغدر الزمان والراقصة البكماء و(مش الخبايز) والقرف المشترك العام في قصيدته (الزباين The customers)، التي تحدثنا شيئًا عنها قبل قليل).

هي طاقة شعرية هائلة يمتلكها جاهين تجسدت في الخيال الشعري عنده وصلت قمة الإبداع وأيّما إبداع في القصيدة المعنونة (بكائية Crying) وفيها:

(نزل المسيح من ع الصليب

نزل ونام

في مرج دمع

من غير قميص

وتلج شمع

والمجدلية تميل عليه وتنوح تنوح

تنده عليه

تلاغيه

تولول

تحضنه

تندب عليه وكأنها بتهنِّنه

تجدل له مهده من جدايل شعرها

وتدفنه في صدرها

ما رضعش منها إلا جرح من الجروح)

إن نزول السيد المسيح (Christ) عليه السلام من على الصليب ونومه في (مرج دمع) هو صورة معبرة عن الحزن أبلغ تعبير، أمّا المجدلية (Magdalene) فهي حنان وحب الأم، وكان الخيال الواسع لدى الشاعر بحسن الربط والقدرة على رسم الصورة الشعرية التي تعكس  التفكير والتأمّل الفكري عبر الحل الشعري لديه.

فن الأوبريت (Operetta)

لقد وجد (الشاعر صلاح جاهين Salah Jaheen poet) نفسه عبر البناء البناءالدرامي الشعري في عدد كبير من الأوبريتات (Operettas) الغنائية ومن أهم تلك الأوبريتات أوبريت (الليلة الكبيرة The big night) التي حظيت بالنجاح والإنتشار والشيوع المبهر بشكل منقطع النظير، حيث يتغنى بها الشعب المصري كله حتى أن بعضًا من جملها استطاعت أن تتحول إلى معادلات موضوعية للتعبير عن وجدان الشعب ومن الأمثلة على ذلك،

(اللي شاف حمّص ولا كلشي

حب واتلوّع ولا طلشي)…

و(يا عريس يا صغيّر

علقة تفوت ولا حد يموت

لابس ومغيّر

وحتشرب مرقة كتكوت).

ويمكن أن نجد السر وراء نجاح الصورة الغنائية تلك التي تتناول صورة (المولد Born) وهي تعكس عادات البلد والتقاليد الشعبية المصرية، وهذا يدل على قدرة جاهين على اختيار شخصياته المصرية والتعبير عنها من خلال حواره من كلمات وألفاظ ومعاني تنبع من السمات الشخصية والأبعاد النفسية لشخصياته الغنائية، لذلك نراها وقد التصقت بوجدان الشعب عامة، فراح يغنيها ويرددها في كل وقت وزمان، والمتابع لها ليس بإمكانه أن يختزل أو يتنازل عن أي عبارة أو جملة أو كلمة فيها بيد أنه يبقى مشدودًا لها إلى نهايتها.

هذا وكان الشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen poet) يقرّ بفضل الشاعر فؤاد حداد (Fouad Hadad) عليه حيث أشاد جاهين بالتجربة الشعرية الرائدة له ومضمونها القوي، فقد استفاد جاهين منها بقدر كبير.

صلاح جاهين شاعر الرباعيات (The Quartets poet)

صلاح جاهين شاعر الرباعيات (The Quartets poet)

لقد عمل كل من صاح جاهين وعدد من الشعراء ممن يكتب باللغة العامية على تشكيل مدرسة شعرية جديدة في مصر ومن هؤلاء الشاعر سيد حجاب (Syed Hijab) والشاعر فؤاد قاعود (Fouad Qaoud) والشاعر مجدي نجيب (Magdi Naguib) والشاعرة فريدة التهامي (Farida Al-Tohamy) والشاعر الخال عبد الرحمن الأبنودي (Abdel Rahman Al Abnudi) والشاعر عبد الرحيم منصور (Abdul Rahim Mansour) وعدد آخر من الشعراء وقد تجلت روح هذه المدرسة بأنها تعبر عن وجدان الشعب المصري.

 بيد أن جاهين استطاع أن يتمايز وسط هؤلاء الشعراء الفطاحل، فقد كانت قدرته على التأمل الفلسفي وربط ذلك التأمل بالمضمون الشعري لديه فريدًا من نوعه فقد تجسد ذلك في (الرباعيات The Quartets) التي أشاد بها الناقد يحيى حقي (Yahya Hakki) عندما قام بدراستها دراسة أدبية حيث وصف صلاح جاهين بقوله:

(لم يهدد أحدًا اللغة العربية الفصحى كما هددها صلاح.. فأنت بإمكانك أن تضع كل ما كتب من قصائد زجلية وأغنيات في كيس واحد وتلقيه في أول كومة زبالة تراها، حتى أن الشاعر بيرم التونسي (Bayram Altounsi) لم يستطع أن يشكل أي خطر على اللغة العربية الفصحى حيث اقتصرت أزجاله على الوصف والمحاكاة.

 بينما استطاع صلاح جاهين أن يرفع اللغة العامية عندما قام بتلقيحها باللغة الفصحى والثقافة فكانت لغة ثالثة وقد ارتفعت حيث وصلت إلى مقام اللغة التي بإمكانها أن تعبر عن الفلسفة من خلال الشعر، وهذا أمر خطير وخطر داهم على اللغة العربية الفصحى، فلو استخدمت من قبل كل من هب ودب سوف تحدث بلبلة أدبية.

وإجادة هذه اللغة الثالثة لا بد وأن يكون فلتة من الفلتات، وعلى الرغم من ذلك فإننا لا نستطيع أن نتجاهل هذه (الرباعيات (The Quartets ولو تجاهلناها لكنا مثل النعامة التي تقوم بدفن رأسها في التراب دون مواجهة المشكلة والهرب منها.

ويمكن أن نلمح الأثر الفني لرباعيات جاهين وتطور مضمونها وصياغة أسلوبها وهذا ما حدا بالأستاذ (يحيى حقي Yahia Hakki) أن يقر بأن تلك الأسلوبية عند جاهين هي (لغة ثالثة) حقيقية من الصعوبة أن تُقلّد أو تُحاكى.

الأفكار التي حملتها الرباعيات

رفض التكبر والتعالي

وأن هذه (الرباعيات The Quartets) استطاعت أن تعبر عن مضامين وأغراض إنسانية حياتية وفلسفية يصعب علينا حصر ها وعلى سبيل المثال تلك الرباعية التي ترفض الكبر والتعالي وتقر بأن كل بيني آدم من أصل واحد هو الطين وكلنا للطين مهما ارتفع شأننا سنرجع وهي تقول:

(ياطير يا عالي ف السما طظ فيك

ما تفتكرش ربنا مصطفيك

برضك بتاكل دود وللطين تعود

تمص فيه يا حلو.. ويمص فيك

عجبي!)

ولنلحظ هنا الدقة الكبيرة في اختيار لفظة (طظ فيك) التي هي عبارة بالعامية وامتعارف على أنها بمعنى (لا فائدة منك) وهي بالأساس كلمة تركية الأصل ومعناها (الملح) وكان الملح شحيحًا في القديم أيام الدولة العثمانية (Ottoman Empire) في مصر، حيث كان شرط المرور من البوابات تقديم الملح أي (الطظ).

وهنا هذه الرباعية تستخدم الكلمة (طظ) للتعبير بمعنى لا جدوى منك أو ليس لك أهمية ما، كما نجح جاهين باستخدام الطير ليدل على الإرتفاع والسمو والتحليق في الفضاء حيث يعكس شخصية المتكبّر أو المتعالي، وهو بنفس الوقت لا بد وأن يعود إلى الأرض مهما طال أمده.

العلاقة بين الإنسان وبين الحياة والموت

أمّا في الرباعية التالية فيأخذنا بها صلاح جاهين في حالة التأمّل والتفكير والعلاقة بين الإنسان والحياةائه والموت، وهنا نقف في هذه الرباعية أمام حالة من الخيال الشعري العميق والجريء بنفس الوقت، مما يجعلنا نتوحد مع الشاعر فيما يقصد الشاعر من وراء رباعيته التي يقول فيها:

(خرج ابن آدم م العدم وقلت ياه

رجع ابن آدم للعدم وقلت ياه

تراب بيحيا وحي بيصير تراب

الأصل هو الموت ولّا الحياه؟

عجبي!).

حكمة ونصيحة

وفي الرباعية التالية استطاع أن يقدم لنا الشاعر الحكمة والنصيحة من خلال الماجهة مع النفس والعلاقة مع الأشياء وموقع الإنسان منها، ومحاولة التعامل مع المأزق بالتفسير المقنع حيث قدم لنا الشاعر تلك التصيحة من خلال حيث أب مع ابنه حيث يقول فيها:

(ولدي نصحتك لما صوتي اتنبح

ما تخافش من جني ولا من شبح

وان هب فيك عفريت قتيل اسأله

ما دافعش ليه عن نفسه يوم ما اندبح

عجبي!).

التعبير عن النغس الإنسانية

وأن على الإنسان أن يعبر عن نفسه وما يحس به برباعيته التالية:

(يا عندليب ما تخافش من غنوتك

قول شكوتك واحكي على بلوتك

الغنوة مش ح تموتك إنما

كتم الغنا هو اللي ح يموتك

عجبي!).

إن اختيار الشاعر لمفرداته وكلماته في هذه الرباعيات ليس محض صدفة وهو فعل مقصود بوضوح في وصف صورة المهرج مع سبق الإصرار والترصد وبشكل دقيق بحيث لا يمكننا أن نبدلها بأي لفظة أخرى أو كلمة ثانية، ولنرى ذلك بوضوح في حالة صورة المهرج الذي يعترف بعدم قدرته على إخافة أي أحد كان:

(أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جــرس

جلجلت به صحيوا الخــدم والحـــرس

أنا المهــرج .. قمتوا خفتـوا ليه

لا ف إيدي سيف ولا تحت مني فرس

عجبي!).

تبدل أحوال الدنيا

وفي الرباعية التالية التي تعتبر من أجمل رباعيات الشاعر جاهين حيث تعكس الدهشة والحيرة من تغير أحوال الدنيا فيقول فيها:

(رقاصة خرسا ورقصة من غير نغم

دنيا يا مين يصالحها قبل الندم

ساعتين تهز بوجهها يعني لا

يترجرجوا نهديها يعني نعم

عجبي!).

دموية البشر

حملت هذه الرباعية صورة عكست لنا الصورة الدموية للإنسان التي نراها بوضوح من خلال الأحداث التي تجري في الحياة من حروب ونزاعات وقتال تسفك فيها الدماء رخيصة:

(على رجلي دم.. نظرت له ما احتملت

على يدي دم.. سألت: ليه؟ لم وصلت

على كتفي دم وحتى على راسي دم

أنا كلي دم.. قتلت؟ ولا انقتلت

عجبي!).

آراء شخصية

وفي الرباعية التالية نرى مقارنة بين غصن الخوخ على الشجرة وعود الحطب الذي لا يتأثر بشيء ولا يتفاعل مع أي شيئ تعبيرًا عن موقفه السلبي من المتغيرات والأحداث التي تجري أمامه:

(تسلم يا غصن الخوخ يا عود الحطب

ييجي الربيع.. تطلع زهورك عجب

وأنا ليه بيمضي ربيع وبييجي ربيع

ولسه برضك قلبي حته خشب

عجبي!).

والشاعر في تلك الرباعية يقدم لنا صورة عن نفسه، وفي رباعية أخرى يقدم لنا صورة أخرى عنها مغايرة لتلك الصورة حيث يقول ويدعو إلى الرقص والحركة والتفاعل مع أحوال الدنيا:

(غمض عينيك وارقص بخفة ودلع

الدنيا هي الشابة وانت الجدع

تشوف رشاقة خطوتك تعبدك

لكن انت لو بصيت لرجليك تقع

عجبي!).

وفي هذه الرباعية يبين لنا أنه يكره السدود والحواجز حتى لدرجة أن يطلب من الله عز وجل أن لا يدخله الجنة لكون الجنة ذات أسوار وهذا موقف شعري قوي يدل على رفض القيود والأغلال، ويقول فيها:

(البط شال عدّى الجبال والبحور

يا ما نفسي أهج.. أحج ويّا الطيور

أوصيك يا ربي لما أموت والنبي

ما تودنيش الجنة.. للجنة سور

عجبي!).

الشاعر والأغنية المصرية

الشاعر والأغنية المصرية

لا يمكن لأحد أن ينكر ما للشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen) من أثر كبير على تطوير الأغنية المصرية فقد أطلق على صلاح بأنه (شاعر الثورة) وذلك بعد تقديمه مجموعة كبيرة من الأغنيات مع المطرب الشاب العندليب الأسمر (عبد الحليم حافظ Abdul HalimHafez) والملحن العبقري (كمال الطويل Kamal Al-Tawil) عبرت تلك الأغنيات عن روح ثورة (1952) ومبادئها فهذه أغنية (صورة) يتغنى بها عبد الحليم حافظ:

(صورة صورة صورة

كلنا كدة عايزين صورة

صورة للشعب الفرحان

تحت الراية المنصورة

يا زمان صورنا

صورنا يا زمان

ح نقرب من بعض كمان

واللي ح يبعد م الميدان

عمره ما ح يبان ف الصورة.

وكذلك أغنية بالأحضان ومنها:

(بالأحضان بالأحضان بالأحضان

بالأحضان يا بلادنا يا حلوة بالأحضان

ف معادك يتلموا ولادك

يا بلادنا وتعود أعيادك

والغايب ما يطيقش بعادك

يرجع ياخدك بالأحضان).

وبعد الثورة وصدور القوانين الإشتراكية قدم أغنية (بستان الإشتراكية Socialist Gaden) وأغنية (والله زمان يا سلاحي God, my time, my weapon) بعد العدوان الثلاثي على مصر وانتصارها في تلك الحرب، وقد شدت بها المطربة كوكب الشرق (أم كلثوم Umm Kulthum) وكانت من ألحان الموسيقار (كمال الطويل Kamal AL-Tawil)، وأصبحت تلك الأغنية هي النشيد الوطني لمصر وتقول كلماتها:

(والله زمان يا سلاحي

اشتقت لك في كفاحي

انطق وقول أنا صاحي

يا حرب والله زمان ..).

كما تغنى جاهين بمحاصيل أرض مصر الإستراتيجية (Stragegic crop) منها القطن حيث قال:

(يا معجباني يا أبيض يا معجباني

يا قطن ياللي مبيض وش الغيطــاني

يا معجباني يا أبيض يسعد صباحك

يا قطــن ياللي مبيض وش فلاحــك

وبعودة الأيام يا حبايب في سلام).

بيد أن أحلام الشاعر قد تبددت وذهبت أدراج الرياح عقب هزيمة حزيران (June) من العام (1967) وشعر بالإحباط الشديد الذي أدخله في اكتئاب شديد وقد صور ذلك عبر قصيدته (أغنية) المشهورة (مفترق الطرق) حيث يقول فيها:

(ساعات أقوم الصبح قلبي حزين

أطل بره الباب ياخدني الحنين

اللي لقيته ضاع

واللي اشتريته انباع

واللي قابلته راح وفات الأنين).

وقد بين لنا فيها المرارة القاسية التي يعيشها بعد النكسة والخسارة وضياع الحلم وتبخره بعد وعود ثورة (1952) لكنه لم يفقد الأمل فيقول مخاطبًا الرئيس (جمال عبد الناصر President Gamal Abdel Nasser) في الأغنية ذاتها:

(إيه العمل في الوقت ده يا صديق

غير إننا عند افتراق الطريق

نبص قدامنا

على شمس أحلامنا

نلقاها بتشق السحاب الغميق

وأرجع وأقول

لسه الطيور بتفن

والنحلايات بتطن

والطفل ضحكه يرن

مع إن مش كل البشر فرحانين).

ويعود لديه الأمل من خلال ماقدمه من أغنيات للفنانة سندريللا الشاشة العربية (سعاد حسني Soad Hosni) من أغنيات مثل:

(الدنيا ربيع والجو بديع

قفّل لي على كل المواضيع).

وأغنية (بمبي)حيث قدم لنا من خلالها وصفة علاج نفسية عندما قال:

(خد شمس وهوا على ميّه

بلا عيا بلا دوا بلا مر).

وكذلك لا يمكن لنا أن نغفل تلك الأغنيات التي قدمها لمشاهير الغناء العربي أمثال المطربة الكبيرة (نجاة الصغيرة Najat Alsagira) فقد قدم لها أغنية (عيون الحليوة)، وأغنية (أنا هنا يابن الحلال) للمطربة اللبنانية الشحرورة (صباح Sabah)، والأغنية الشهيرة للموسيقار (سيد مكاوي Saed Maccawy) التي يقول فيها:

(ليلة امبارح ما جانيش نـوم

واحنا لسه ف أول يوم

قبل ما ترميني ف بحورك

مش كنت تعلمني العوم).

وللمطرب (علي الحجار Ali Alhajjar) أغنية (ولد وبنت)، وأغنية (كلمة حلوة وكلمتين حلوة يا بلدي) التي قدمها للمطربة العالمية الراحلة (داليدا Dalida).

وقد بصوته أغنية للشباب بعنوان (تحت العشرين) ونرى في تلك الأغنيات روح الشاعر الذي يرسم من خلال كلمات قصائده (أغنياته) صورًا يراها المستمع ببساطة ويسر، فالأغنية لديه أحد أجزاء المضمون الشعر للشاعر صلاح جاهين (Salah Jaheen) الذي يحمل بين طياته نضارة ورشاقة وحيوية الكلمة واللفظة.

رسام الكاريكاتير (Cartoonist) صلاح جاهين

رسام الكاريكاتير

لقد كانت مواهب صلاح المتعددة سببًا رئيسًا بعد تخصصه في مجال واحد كرسام أو كتابة الشعر أو إلقائه أو الصحافة والإخراج الصحفي أو التمثيل وكتابة السيناريوهات (Scenario) للأفلام السينمائية.

وكان في كل فترة يطلق العنان لإحدى مواهبه، والرسم الكاريكاتوري (Cartoonist) بالتحديد واحدًا من الفنون التي زاولها صلاح لفترات طويلة حتى أنه تخلى عن صفحته الكتابية في المجلة ليلمع اسمه في مكان آخر منها في مربع الكاريكاتير حيث انقطع عن كتابة الشعر وكأن الذي اقتنع فيه أنه رسام فقط، حيث صرح في إحدى المقابلات التلفزيزنية في برنامج (أوتوغراف Autograph) في البداية كانت عنده أنشطة كثيرة من رسم وشعر وسينما أمّا الهواية التي أحسست بأنني موهوب فيها هي الرسم.

فقدم الآلاف من الرسوم الكاريكاتورية في مجلة (روز اليوسف Rose Al-Youssef Magazin) التي انتقل للعمل فيها، مع أن تلك الرسوم لم تكن لاذعة جدًا فوجدها لا تصلح للنشر في جريدة صباحية ففكر بنشرها في كتاب، وكانت أولى رسومه الكاريكاتورية عن الزحمة في الأوتوبيس (The bus).

السيناريست (The script) والممثل  صلاح جاهين

السيناريست

يقول عن نفسه:

«(أنا صلاح جاهين.. شفتاي ممتلئتان.. وكذلك باقي أجزائي.. الناس يقولون لي إنني أشبه هاردي.. وأنا أفضل أن أشبه “أورسون ويلز” (بعدما سمن وربرب وأصبح عال)».

انتظر صلاح حلم التمثيل لديه ليتحقق طويلًا، وعندما علم أنه مرشح للعب دور في فيلم سينمائي يحكي عن ثورة يوليو (1952)، حيث كان داعمًا لهذه الثورة قبل أن تتحطم أحلامه وآماله صبيحة الخامس من حزيران من عام (1967) عام النكسة، حين علم بترشيحه للدور هرول جاريًا يرقص ويغني أن حمثل أمام سيدة الشاشة العربية (فاتن حمامة Faten Hamama) والنجم (رشدي أباظة Rusdi Abaza) وكانا وقتها أبرز النجوم السينمائيين العرب.

حصل بعد ذلك على دور آخر في فيلم (لا وقت للحب No Time for Love) وكان هذا الدور بداية علاقة قوية بينه وبين السينما حيث استعان به المخرج (كمال الشيخ Kamal Al-Sheikh) عند قراره بتحويل رواية (اللص والكلاب Thief and the Dogs)  للأديب الكبير (نجيب محفوظ Naguib Mahfouz) إلى فيلم سينمائي من بطولة النجم (شكري سرحان Shukri Sarhan)، أمّا أفضل لحظات جاهين السينمائية عندما شارك سندريللا الشاشة العربية (سعاد حسني Soad Hosni) حالة فنية عاشتها السينما من خلال كتابته سيناريو فيلم (خلي بالك من زوزو Take care of Zuzu) وكتب عدة أغاني للفيلم أغنية (الفتاة المثالية) وأغنية (البوسة) التي منعتها الرقابة بعد أن لحناها الموسيقار (بليغ حمدي Baligh Hamdi) وصورها المخرج (حسن الإمام Hassan Imam) للفيلم.

بعد ذلك كتب فيلم (أميرة حبي أنا Princess of my love) للفنانة (سعاد حسني Soad Hosni) والفنان (حسين فهمي Hussein Fahmy)، وقام أيضًا بكتابة فيلم (عودة الإبن الضّال Return of the prodigal son) الذي تم تصنيفه بين المائة (100) أفضل فيلم مصري، وكذلك فيلم إنسانية بين الثلاثي (صلاح جاهين وأحمد زكي وسعاد حسني) تألقت فنيًا من خلال مسلسل (هو وهي He and she) في العام (1985)، وكانت آخر أعماله السينمائية أنه قام بتأليف فيلم (رغبة متوحشة Wild desire) من إخراج (خيري بشارة The director Khairi Bechara)، كما قام بكتابة عمل مسرحي يتيم وحي مسرحية (انقلاب The Play of the coup) وكان ذلك في العام (1988).

قالوا عنه

الكاتب إحسان عبد القدوس (Ihsan Abdul Quddus):

(إن إحساسي بصلاح جاهين يماثل إحساسي بعبد الحليم حافظ، فهما قد اشتركا مندفعين نحو مطالب الفن لديهما وذلك على حساب استجابتهما للمتطلبات الصحية حيث ألقى كل منهما في براثن الفن، حيث قررا الانتحار فكانا يمثلان أمل كل شخص في مستقبل مصر الفني).

الفنان (محمد عبد الوهاب Muhammad Abd-alwahab):

(نحن لم نفقد صلاح جاهين بل فقدنا بموته عشرين فنانًا الشاعر الساخر والرسام والقصاص والسيناريست والممثل وكان ذلك كله متوجًا بكونه كاتبًا من الدرجة الأولى، حيث كانت كلمات أغانيه تدفع الملحّن لكي يضع لحنًا غاية في الجودة، فقد كانت كلماته متعطشة للحن الجميل فتدفع الموسيقي لإخراج أفضل ما عنده).

الخاتمة

الخاتمة

كان ذك مقالًا ثقافيًا يتحدث عن قامة أدبية كبيرة في عالم افتقدنا للكثير من أمثاله إنه الشاعر (صلاح جاهين Salah Jaheen)، فقد كان شعلة من الطاقة الإنسانية التي تفجرت شعرًا وفنًا فسطعت في كل زمان ومكان وسيبقى كذلك لأن الأدب الصادق والكلمة القوية ستبقى ما بقي الإنسان.

وقد نال وسام العلوم والفنون (Medal of Science and Arts) من الدرجة الأولى، وقد قلده إيّاه الرئيس جمال عبد الناصر (President Gamal Abdel Nasser)، وفي العام (2015) صدر طابع بريدي يحمل صورته تكريمًا له.

قد يهمك أيضًا:

المراجع

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.