ثقافة عامة

قصة حب رومانسية ونهاية مأساوية

تتنوع قصص الحب وحكايات العشاق، الكثير منها ينتهي بالفشل، وقليلة هي القصص التي تنتهي بنهايات سعيدة، هكذا حال العشاق، يعيشون مرارة الحب ويتجرعون كأس الألم، فلماذا إذن جميعنا يلهث وراء هذه المشاعر المعذّبة؟

سؤال لن تجد جوابه إلا عند من ملأ فراغ روحه بشيء أعظم، وحب أكبر، وحبيب لا يحاول هجرك، ولا يأنف قربك، فبإمكانك عزيزي القارئ أن تتكهن ما هو هذا الحب!

قصة حب رومانسية ونهاية مأساوية

قصة حب رومانسية (وسيم ونور)

إلا أن قصتنا اليوم هي أبعد ما تكون عن الحب الأول، هي غارقة ومنغمسة في دنيا الآلام.

بدأت خيوطها في الجامعة، عندما رأى وسيم فتاة أحلامه نور، وأخذ يراقبها بصمت، ويراقب تصرفاتها، كانت بمنتهى الأدب والأخلاق، لدرجة تلفت الأنظار إليها.

وككل العشاق حاول أن يسرق نظراتها، تارة بتصرفاته، وتارة بحركاته وسكناته، ولكن لم يجد منها إلا الصدود، وهذا ما جعل فضوله يزداد.

كيف لا وقد كانت الفتيات حوله كل يوم بازدياد، حاول وسيم التقرب من فتاته مرات ومرات، إلا أن النتيجة واحدة، وهذا ما زاده بها تعلقًا، فأراد أن يكون ارتباطه بها مقدسًا.

وسيم يحاول الارتباط بنور

وفي يوم من الأيام عزم أمره، فقرر أن يبدي لها جديته، فيتقدم لخطبتها ويطلب يدها، علها تكون إليه أقرب، وانتظر لساعات وساعات، إلى أن وجدها وحدها في إحدى الممرات.

فاقترب منها وجبينه يتفصد عرقًا، هل تعرف ما في خلدي؟ وهل ترى ارتعاش جسدي؟ بماذا سأبدأ القول؟ وهل سمعت نبض قلبي من قبل؟

وأخيرًا دافع الأفكار المتصارعة، وبدأ بكلمات متثاقلة، فقال لها على الفور: أريد الارتباط بك.

نظرت إليه نور والذهول قد بدا عليها، شعرت بكلماته ترافق نبضات قلبه المتسارعة، فصدودها كان حبًا له بل كانت عواطفها في صدرها متناحرة، فلم تنطق بكلمة، وحبست دموعًا كادت تترقرق على وجنتيها، وهمت بالانصراف.

فأمسك وسيم بيدها، وسألها: أجيبي هل توافقي؟

ساد الصمت لدقائق، فأردف وسيم قائلًا:

أرجوك لا تتركيني، فلا تعلمي ماذا فعلت بحالي، لقد قلبت كياني، وصرت أميرة أحلامي، هجرني النوم، فلا أعرف ليلي من نهاري، وهجرت الزاد فلا أعرف متى كان غدائي وعشاءي، طيفك ببالي، وحبي لك شيء خيالي، فلم الصدود؟ هل أنت لا ترين في الحبيب؟ قولي وسأنصرف بقلب كسير كئيب.

طأطأت نور برأسها، وبدأت نسمات عليلة تداعب شعرها، ودمعة سقيمة تلامس خدها.

وسيم: ما بك لم الدموع؟ هل قلت شيئًا يبكيك؟ هل ما قلته يؤذيك؟

لماذا نور ترفض الارتباط بوسيم؟

نور: نظرت إليه نظرة المشفق، ولكن إشفاقها كان لحالها وقالت: شعرت بقربك، وأذابني حبك، ولكن لا أستطيع أن أكتب الفصل الأخير لهذه القصة الجميلة.

وسيم: لم؟ ما يمنع ارتباطنا؟

نور: هل تساءلت يومًا لم أصد عنك؟

وسيم: هذا سؤال أرقني، ولكني لم أجد جوابًا يشفيني.

نور: جوابه عندي، عليك أن تعلم أني أحببتك، واعتدت على قربك، إلا أن حبي لك يمنعني من الزواج منك، فلا أتحمل أن تعيش آلامي، فمنذ صغري وأنا أعاني، وعندما كبرت اكتشفت أني لا أستطيع الإنجاب، فهل تتحمل زوجًا عاقرًا إن كنت من أولي الألباب؟

أرجوك اتركني، ولا تقترب مني، فأنت تعذب نفسك وتعذبني، انسَ أي أمل يجمعنا، أو أي حلم من بعضنا يقربنا

أجاب وسيم على عجل: ومن قال إني سأحرق حلم حياتي؟ فحبك حي في قلبي حتى مماتي.

نور: لا أريد منك إشفاقًا، ولا أحب أن تكون ضحية حب يزول، وألم يطول.

وسيم: أقسم لك أني لن أذوق الزاد، وسيجفو جسدي المهاد، إن لم أسمع منك كلمة القبول، وأرى في وجهك بسمة تطول.

فتبسمت ابتسامة يائسة، ونظرت إليه نظرة حب بائسة، وقامت وهي تلتقط أنفاسها الآيسة.

زواج وسيم من نور

عاد وسيم لأهله على عجل، وأخبرهم بما حصل، وقد حسم أمره، فلاقى المعارضة والتهديد، إلا أن إصراره فاق كل وعيد، فلم يكن هناك بد من الانصياع لقراره، والتزام الصمت أمام إصراره.

فتقدم لخطبتها بمباركة من أهلها، ومعارضة من أهله، وجرت تحضيرات الخطبة والزواج على قدم وساق، لتبدأ قصة حب أبدية، عاش فيها وسيم ونور أجمل أيام حياتهم، وقد غمرت الفرحة تفاصيل أيامهم، واستمر الأمر على هذا الحال لشهور طويلة، وكل شيء على ما يرام، فقد تحققت أصعب الأحلام.

وفي يوم من ذات الأيام، عاد وسيم باكرًا ليبحث عن ورقة مهمة، فدخل على عجل، وكعادته نادى نور، فلم يجدها، لم يلتفت كثيرًا للأمر فربما ذهبت لعند أهلها، أو خرجت تشتري بعض حاجياتها.

الشك يسيطر على وسيم

دخل غرفة نومه وبدأ يبحث عن ضالته، وإذا به يعثر على ورقة غريبة لم يرها من قبل، أثارت اهتمامه وفضوله، فتحها وقرأها، فلم يجد فيها إلا أشجانًا معبرة، ومشاعر مسطرّة، وبينما هو غارق بالكلمات المعسولة، أقبلت نور إليه مسرعة، وأخذت من يده الورقة.

وقالت له: كيف تعبث بحاجياتي، ومن سمح لك أن تقرأ خصوصياتي.

استنكر وسيم تصرفها، وجلس محتارًا من فعلها، وبدأت الشكوك تنسج شباكها، وتقيد عقله بحبالها.

ما هذه الكلمات؟ ولمن هذه العبارات؟ لمن هذه المشاعر؟ ولم أخفت عني هذه الورقة؟ هل هناك شخص آخر؟ وهل نسيت حبي لها بهذه السرعة؟ أم ربما اعتادت اصطياد الشبان؟ لا، لا هذا أمر لا ينبغي أن يكون في الحسبان.

ضج رأسه بسلسلة من الأسئلة، وكانت غيرته عليه مسيطرة، فتارة يكذب نفسه، وتارة يصدق شكه، إلا أن شكوكه كانت أقوى، فلم يبحث عن تبرئة لها، بل أخذ يبحث عن حفرة يوقعها بها، فكانت بنظره الزوجة الخائنة.

بدأ بالتضييق عليها، فمنعها من الخروج من بيتها، وحرمها من رؤية صديقاتها، عزلها عن العالم، فلا كلام ولا سلام، دون أن تعرف سببًا لذاك الحرمان.

مضت الأيام، وفي كل يوم يزداد في صدره اشتعال النيران، فقلبه يغلي ويفور، وفي صدره تحاك الشرور، وسؤال واحد في عقله يدور، كيف يثبت ما قد استقر في قلبه بالأدلة والبراهين؟ وكيف يكون على يقين؟ حتى غاب عنه المنطق.

فخطرت بباله فكرة أراد أن يجرب بها زوجه، فإن نجحت ذاب ما في قلبه من غيرة ذوبان الجليد، وإن فشلت اشتعلت نار صدره، وأحرقت كل ما حولها بالتأكيد، فاتفق مع صديقه سعيد على أن يتصل بها، ليرى ما هي فاعله.

وسارت الخطة كما أراد، وأخذ صديقه بالتوصيات، فتارة يلاطفها بالمكالمات، وتارة بالمراسلات، ولا يجد منها إلا الصدود والإهمال، ولكن نيران الغيرة في صدر وسيم لم تنطفئ، بل كانت مثل النار في الهشيم، وصار عقله رهين الغيرة في جسد سقيم، إلى أن طلب من صديقه ذاك الطلب الغريب.

خطة شيطانية لمعرفة الحقيقية تنتهي بمأساة

فقال له في ذات الأيام: أنت دوائي والطبيب، اذهب لبيتي وأنا سأكون من ورائك، واطرق الباب، وتذرع بأني أرسلت إليها معك حوائج فإن فتحت سايرها بالكلام، وانظر هل ستجاريك وتبادلك الغرام، فهذا هو الطريق الباقي، وسأسلكه ولو كان فيه هلاكي.

وهذا ما حصل، ولكن العقبى لم تكن كما كان منها مؤمل، فبينما نور جالسة بانتظار قدوم وسيم طُرق الباب، فأقبلت مسرعة وفتحت، وإذا بصديقه سعيد في الباب.

نور: ماذا تريد؟ وما الذي أتى بك؟

وقبل أن يجيب، أخذ منها يقترب، فشعرت بنظراته الشيطانية، دفعته إلى الخارج، وخرجت تصرخ لعلها تجد مجيب.

ومن شدة الفزع والهلع، خانتها خطواتها وتعثرت، فوقعت من أعلى درج البناء، وتضرج وجهها بالدماء، ولم يعد يعرف سعيد أرضًا من سماء، فهرع مسرعًا والخوف ملء عينيه، ونبضه يكاد يخرج من بين ضلعيه.

وإذا بوسيم قادم، لا علم له بما جرى، ومازال بغيرته حالم، ليرى نور على الأرض مرمية، وقد تضرجت بدمائها، وأنّت بزفراتها، وهي تلفظ آخر أنفاسها، اقترب وسيم من جسدها النحيل، ولم يصدق ما رأى، ماذا يفعل؟ وماذا جرى؟

حياة نور تنتهي ووسيم كان السبب

أقبل إليها وضمّها بين ذراعيه، وتمنى لو يعطها من روحه روحًا لتحيا بها، ولكن فات الأوان، نظرت إليه نظرت المودع، وقالت له:

خيانتي لك أعظم من صعود روحي لباريها، وها أنا أهديك روحي دليلًا على صدقي، فلا تنساني، وإذا اشتقت لي وأردت سماع صوتي افتح ورقتي المعطرة، وستسمع فيها نبضاتي، وضحكاتي وأشعاري.

هذه كلماتها الأخيرة التي عطرت بها مسامع وسيم، أغمضت عينيها، وغطت في نوم هادئ، لا ينازعها هدوءه أحد، ولا يعكر صفوه زوج ولا ولد، نامت وتركت وراءها أعظم دليل على صدقها، وقلبًا كسيرًا قتيلًا سيبقى أسير حبها، قلبًا قتلها بحبه، بل قتلها بغيرته، وكانت قصتها مصداقًا للمثل: ومن الحب ما قتل.

أخذها بيده إلى مثواها الأخير، وكان قبرها له الفراش والسرير، طعامه الذكريات، وشرابه الآهات، وسكنه قرب حفرة ضمت أنبل رفات، إلى أن رأى طيف نور في السماوات، قد مدت إليه يدها تخبره بغفرانها له كل الزلات، فلفظ أنفاسه الأخيرة وسارع إليها بالخطوات.

هذه ليست حكاية من الحكايات، ولا رواية من الروايات، هذه عبرة نأخذ منها العظات، فالزوجة ليست من الممتلكات، ولا أمة يحق لك تجريمها وتطبيق العقوبات، وتذكر أنها في حضن أهلها أميرة من الأميرات.