الجاسوس المصري رأفت الهجان – حياته أعماله ,إنجازاته

رأفت الهجان هو مواطن مصري اسمه الحقيقي رفعت علي سليمان الجمال، رحل إلى إسرائيل بتكليف من المخابرات العامة المصرية، وتمكن من إقامة مصالح تجارية ناجحة في تل أبيب، وكانت له شخصية بارزة في المجتمع الإسرائيلي، تمكن رأفت من التجسس على الكيان الصهيوني لمدة سبعة عشر عامًا، وزود جهاز المخابرات المصري بمعلومات هامة وخطيرة، وكان يتم ذلك عن طريق شركة سياحية داخل إسرائيل.

كانت قصة رأفت الهجان أسطورة هزت تألق الموساد الإسرائيلي وصعوبة اختراقه، بعدها اعتبر الهجان بطل قومي عمل داخل إسرائيل لصالح بلده بنجاح باهر، وقد أنتج مسلسل عن حياته مثّل دوره الفنان المصري محمود عبد العزيز.

رأفت الهجان

لمحة عن حياة رأفت الهجان

رأفت الهجان أو (Refaat Ali Suleiman AlGammal)، مواطن مصري من مدينة دمياط من مواليد الأول من حزيران عام 1927م. .عمل والده في تجارة الفحم، وأمه كانت ربة منزل لكنها انحدرت من أسرة مرموقة، حيث إنها كانت تجيد اللغتين الإنكليزية والفرنسية، لديه أخوين هما لبيب ونزيهة، بالإضافة إلى أخ (غير شقيق) اسمه سامي، كانت لسامي مكانة مرموقة ورفيعة حيث أنه عمل كمدرس لغة انكليزية لأخ الملكة فريدة، بالإضافة إلى أنه المسؤول الوجيد عن مصروف عائلته، بعد أن توفي والده علي سليمان الجمال عام 1936م. بعد ذلك انتقلت الأسرة بالكامل إلى القاهرة. لتبدأ بعد ذلك حياة رفعت الجمال الذي عاش في الظل ومات في الظل.

لم يكن لرفعت شخصية مسؤولة، حيث إنه كان لا يكترث ولا يهتم بدراسته، بالرغم من محاولات أخوه سامي بأن يصنع منه رجلًا منضبط ومستقيم. كانت معظم اهتمامات رفعت اللهو والسينما والمسرح، حيث أنه مثل ثلاث أفلام مع الممثل الكبير بشارة واكيم، لكن أخوته أصروا بأن يدخلوه مدرسة التجارة المتوسطة، رغم اعتراض رأفت على هذا النوع من المدارس.

دراسة وبدايات عمل الهجان

بعد التحاقه بالمدرسة تعرف على البريطانيين وأعجب كثيرًا بطريقة كفاحهم ضد الزحف النازي. وأتقن اللغة الإنكليزية بشكل ممتاز، تعلمها باللكنة البريطانية، بالإضافة أنه تعلم اللغة الفرنسية بلكنة أهل باريس. تخرج من مدرسة التجارة المتوسطة عام 1946م، وبعد ذلك تقدم بطلب لشركة بترول أجنبية للعمل كمحاسب، وقداختارته الشركة على الرغم من العدد الكبير من المتقدمين، ربما لأنه متقن للغتين الإنكليزية والفرنسية، لكنه طرد فيما بعد من وظيفته بسبب اتهامه باختلاس الأموال.

بعد ذلك بدأ بالعمل بعدة أعمال فعمل كمساعد لضابط الحسابات على سفينة الشحن وبعد فترة من عمله غادر مصر لأول مرة في حياته على متن السفينة وتنقل بين الموانئ التالية: نابولي، مارسيلا، جنوة، برشلونة، طنجة، جبل طارق، وفي النهاية رست السفينة في ميناء ليفربول الإنكليزي، للقيام ببعض الصيانات لها قبل أن تتجه إلى الهند. في ليفربول قدم له عرض مغري للعمل في شركة سيلتك تورز السياحية، لكنه بعد فترة من العمل مع هذه الشركة غادر إلى الولايات المتحدة دون تأشيرة دخول، لأنه قد باع جواز سفره، وهناك بدأت إدارة الهجرة والجوازات بمطاردته فاضطر للمغادرة إلى كندا ومنها إلى ألمانيا، بعد ذلك ألقت الشرطة الألمانية القبض عليه وسجنوه، ثم طرد قسرًا إلى مصر.

المعاناة التي مر بها رأفت الهجان

في مصر لم يكن لدى رفعت أي وظيفة أو جواز سفر، وكان قد سبقه تقرير عن  أفعاله التي قام بها في فرانكفورت، أدى ذلك إلى دخوله في حاله من اليأس إلى أن جاءته فرصة عمل جديدة في قناة السويس، تناسب اتقانه اللغات الإنكليزية والفرنسية، لكن لم يكن لديه وثائق أو أوراق تثبت شخصيته، بدأ رفعت بالبحث وتعرف على مزور محترف، حيث زور له جواز سفر باسم علي مصطفى، وبهذا الاسم عمل رفعت في شركة قناة السويس، وبدأت حياته بحاله من الاستقرار. لكن لم يدم الأمر طويلًا، حيث قامت ثورة تموز عام 1952م، وكان البريطانيون قلقون بشأن المرحلة الجديدة، وأدركوا أن المصريون متعاطفون مع النظام الجديد، فقرر رفعت ترك العمل في شركة قناة السويس لشعوره بالخطر، وتمكن من الحصول على جواز سفر جديد باسم صحفي سويسري يدعى تشارلز دبنون، وأمضى أيامه هكذا من اسم مزور إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى، إلى أن تم القبض عليه أثناء سفرة إلى ليبيا من قبل ضابط بريطاني عام 1953م، وأعادوه إلى مصر حيث بدأت المخابرات المصرية بالتحقيق معه على أنه شخصية يهودية.

التحقيق مع الهجان

حسب ما قالته المخابرات المصرية أنهم اعتقدوا أن رأفت الهجان ضابط يهودي اسمه ديفيد ارنسون، لكن الهجان كان يحمل جواز سفر بريطاني باسم دانيال كالدويلو وأيضًا تم العثور معه على شيكات باسم رفعت الجمال، وكان يتكلم اللغة العربية بطلاقه. كان الضابط السري من الشرطة المصرية حسن حسني هو المسؤول عن استجواب الهجان، وبعد استجواب طويل اعترف رفعت الجمال بهويته الحقيقية، وكل ما مر عليه من أحداث وكيفية اندماجه مع الجاليات اليهودية، حتى أصبح جزءًا منهم، وكيف اندمج مع المجتمع البريطاني والفرنسي. وللتأكد من كلامه قام حسن حسني بدس مخبرين في سجنه ليتعرفوا على مدى اندماجه مع اليهود، وتبين له أن اليهود لا يشكون أبدًا أنه ليس يهوديًا.

فقال رفعت في مذكراته في تلك المرحلة:

“وبعد أن قضيت زمنًا طويلًا وحدي مع أكاذيبي، أجدني مسرورًا الآن إذ أبوح بالحقيقة إلى شخص ما. وهكذا شرعت أحكي لحسن حسني كل شيء عني منذ البداية. كيف قابلت الكثير من اليهود في استديوهات السينما وكيف تمثلت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلًا. وحكيت له عن الفترة التي قضيتها في أنكلترا وفرنسا وأمريكا، ثم أخيرًا في مصر. بسطت له كل شيء في صدق. إنني مجرد مهرج، ومشخصاتي عاش في التظاهر ومثل كل الأدوار التي دفعته إليها الضرورة لبلغ ما يريد في حياته”.

عمل الهجان كعميل للمخابرات المصرية

بعد محاولات عديدة من قبل الضابط السري حسن حسني، عرض على الهجان إما السجن أو محو الماضي ونسيان رفعت الجمال، والبدء بعمل جديد بمرحلة جديدة وهوية جديدة ودين جديد، حيث طلب منه العمل لصالح المخابرات المصرية التي كانت في تلك الفترة ببداياتها، كان هذا العمل في غاية من الأهمية والخطورة. لم يكن أمام الهجان سوا الموافقة على العرض ليتخلص من السجن، وبدأت عمليات تدريبه التي احتاجت وقت طويل، وشرحوا له وسائل تهريب الأموال وأهداف الثورة وعلم الاقتصاد، بالإضافة إلى عادات وسلوكيات اليهود وتاريخهم وديانتهم، وكيف يميز بين اليهود الاشنكاز واليهود السفارد وغيرهم. والتدريب على القتال في حالات الإشتباك والكر والفر، والتصوير بآلات ذات دقة عالية، والكتابة بالحبر السري، وتحميض أفلام وفك شيفرات رسائل أجهزة الاستخبارات، وكيفيه تشغيل الراديو، وعن الرتب والشارات العسكرية والفروع وأجهزة المخابرات. وكذلك الأسلحة الصغيرة وصناعة القنابل.

وهكذا مات رفعت الجمال وولد جاك بيتون في 23 آب عام 1919م، من أب فرنسي وأم بريطانية ودين يهودياشكنازي، مع جواز سفر إسرائيلي صادر من تل أبيب برقم146742، وبعدها ذهب للعيش في حي بالإسكندرية، يقطن فيه طائفة يهوديه وتمكن من الحصول على وظيفة جيدة في إحدى شركات التأمين وانخرط بينهم وتعايش معهم حتى أصبح واحد منهم.

انضمام الهجان إلى الوحدة اليهودية 131

رأفت الهجان 1

كشف رفعت الجمال في مذكراته بأنه انضم أثناء وجوده في الإسكندرية إلى الوحدة اليهودية 131 التي أنشأها اليهودي ابرهام دار، لحساب المخابرات الحربية لإسرائيلية أمان، حيث كان بعض أفرادها يقومون بعمليات تخريبية، ضد المنشآت الأمريكية والأجنبية، على نحو تبدو فيه من صنع بعض المنظمات التحتية المصرية. التي عرفت فيما بعد بفضيحة لافون، نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي لافون، كان رفعت الجمال صديقًا لعدد من الأسماء شديدة الأهمية مثل: مارسيل نينو، ايلي كوهين وغيرهم. بعد هذا بعدة سنوات كاد يحتل مركزًا ذو أهمية مرموقة في سورية.

خلال رحلة الجمال الطويلة في عملة كجاسوس ومخبر، انتقل في كثير من المحطات الهامة للوصول إلى هدفه، منها فرنسا إيطاليا والعراق التي زارها عام 1965م، ضمن اتفاقية الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق، حيث اتفقت الحكومات الثلاثة على تنفيذ خطة التبادل الاستراتيجي للدفاع المشترك، من خلال إرسال أسراب طائرات ووحدات من المشاة العراقية لمصر وسوريا، وتم استقبال وحدات تلك الدول في العراق منها كتيبة القوات الخاصة لمصر وعناصر من جهاز المخابرات المصرية الذي كان يعمل ضد إسرائيل، حيث كان معهم رفعت الجمال.

مذكرات رفعت عن تلك الفترة كما كتب

مرة أخرى وجدت نفسي أقف عند نقطة تحول خطيرة في حياتي. لم أكن أتصور أنني ما أزال مدينًا لهم، ولكن الأمر كان شديد الحساسية عندما يتعلق بجهاز المخابرات. فمن ناحية روعتني فكرة الذهاب إلى قلب عربن الأسد. فليس ثمة مكان للاختباء في إسرائيل، وإذا قبض علي هناك فسوف يسدل الستار علي نهائيًا والمعروف أن إسرائيل لا تضيع وقتًا مع العملاء الأجانب يستجوبونهم ثم يقتلونهم. ولست مشوقًا إلى ذلك. ولكنني أصبحت راسخ القدمين في الدور الذي تقمصته، كما لو كنت أمثل دورًا في السينما، وكنت قد أحببت قيامي بدور جاك بيتون. أحببت اللعبة، والفارق الوحيد هذه المرة أن المسرح الذي سأؤدي عليه دوري هو العالم باتساعه، وموضوع الرواية هو الجاسوسية الدولية. وقلت في نفسي أي عرض مسرحي مذهل هذا؟… لقد أعدت دائمًا وبصورة ما أن أكون مغامرًا مقامرًا، وأحببت مذاق المخاطرة. وتدبرت أمري في إطار هذه الأفكار، وتبين لي أن لا خيار أمامي. سوف أن أؤدي أفضل أدوار حياتي لأواجه خيارين في نهاية المطاف: إما أن يقبض علي وأستجوب وأشنق، أو أن أنجح في أداء الدور وأستحق علية جائزة الأوسكار.

أهم الإنجازات التي قدمها الهجان لبلده

  • إخبار مصر عن موعد العدوان الثلاثي بفترة مناسبة إلا إن السلطات لم تأخد الموضوع بشكل جدي.
  • إخبار الجهات المصرية بموعد العدوان عليها عام 1967م، لكن لم تؤخذ أيضًا بشكل جدي لأنه وصلهم معلومات أخرى بأن الهجوم موجه إلى سورية.
  • الإبلاغ بإلزام إسرائيل إجراء تجارب نووية، واختيار بعض الأسلحة التكنولوجية الحديثة، أثناء لقائه مع رئيسه علي غالي.
  • كان له الفضل بتزويد مصر بالكثير من المعلومات التي استفادت منها مصر في حرب تشرين.
  • كانت لديه علاقة صداقة مع موشي ديان، وعيزر، وايزمان وشواب وبن غوريون.

مذكرات رفعت جمال (الهجان)

مسلسل رأفت الهجن

لقد كتب الهجان مذكراته، ووضعها عند محاميه، وطلب منه تسليمها لزوجته بعد وفاته بثلاث سنوات حتى يكون لديها القدرة على التماسك وتفهم حقيقة زوجها، ويروي في مذكراته الأحداث التي مر بها، ويتحدث عن إصابته بمرض خبيث وتلقيه العلاج الكيميائي.

الوصية التي تفتح في حال وفاته

تتضمن مايلي: هذه وصيتي أضعها في أيديكم الكريمة. السلام على من اتبع الهدى. بسم الله الرحمن الرحيم إنا لله وإنا إليه راجعون لقد سبق وتركت معكم ما يشبه وصية، وأرجو التكرم باعتبارها لاغية، وها أنذا أقدم لسيادتكم وصيتي بعد تعديلها إلى ما هو آت: في حال عدم عودتي حيًا أرزق إلى أرض الوطن الحبيب مصر أي أن تكشف الحقيقة في إسرائيل، وينتهي بي الأمر إلى المصير المحتوم الوحيد في هذه الحال، وهو الإعدام شنقًا، فإنني أرجو صرف المبالغ الآتية:

لأخي من أبي سالم علي الجمال، القاطن.. برقم… شارع الإمام علي مبلغ.. جينيه. أعتقد أنه يساوي إن لم يكن يزيد على المبالغ التي صرفها علي منذ وفاة المرحوم والدي عام 1935م، وبذلك أصبح غير مدين له بشيء.

لأخي حبيب علي الهجان، ومكتبه بشارع عماد الدين رقم…، مبلغ… كان يدٌعى أني مدين له به، وليترحم علي إن أراد.

مبلغ… لشقيقتي العزيزة.. حرم الصاغ.. والمقيمة بشارع الفيوم رقم… بمصر الجديدة بصفة هدية رمزية متواضعة مني لها، وأسألها الدعاء لي دائمًا بالرحمة.

المبلغ المتبقي من مستحقاتي يصرف كالآتي: نصف المبلغ ل… نجل الصاغ… وشقيقتي…،وليعلم أنني كنت أكن له محبة كبيرة. النصف الثاني يصرف لملاجىء الأيتام بذلك أكون قد أبرأت ذمتي أمام الله، بعد أن بذلت كل ما في وسعي لخدمة الوطن العزيز، والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة، وإنا لله وإنا إليه راجعون

وأشهد أن لاإله إلا الله وأن محمد رسول الله.

عودة الهجان إلى مصر

أنهى رفعت جمال عملية التجسس التي أوكلت إليه، وعاد إلى مصر وأسس شركة أجيبتكو. ودعمه أنور السادات عندما طلب من وزير النفط أن يهتم بالرجل الذي يسمى جاك بيتون، دون أن يفصح عن شخصيته. وأكد على ضرورة مساعدته وتقديم العون له، فلم تجد وزارة النفط سوى إعطاءه بئر المليحة المهجور بعد أن تركته شركة فيلبس، بالإضافة إلى عدم سماح هيئة البترول له بنقل البترول من البئر إلى البلاد بالتنكات، وأصرت على نقله بأنابيب النفط، وهذا الشيء الذي وقف عائق بطريق عمله، فلجأ مرة أخرى إلى السادات وكرر تعليماته لكن لم يعطيه أي أحد أهمية، فساءت حالة شركته وقامت زوجته فالتراود بيتون ببيعها لشركة دينسون الكندية، بعد وفاة زوجها عام 1982م، وكان لرفعت الجمال ولد من زوجته الألمانية لكنه لا يحمل الجنسية المصرية، لأن المخابرات المصرية أزالت كل الأوراق الثبوتية لرفعت الجمال، أي أصبح رسميًا لا وجود له في مصر، ولم يستطع ابنه أخذ الجنسية المصرية.

وفاة رفعت الجمال (الهجان)

توفي بعد معاناته بمرض سرطان الرئة عام 1982م، في ألمانيا بمدينة دارمشتات القريبة من فرانكفورت.