قصة سيدنا لوط عليه السلام

قبل أن تُخلق السماوات والأرض قدر الله ما كان وما سيكون، وما سيحدث في جميع الأكوان حتى قيام الساعة، فلمّا استعمر الله الأرض بالبشر أرسل لهم الرُسل والأنبياء ليُبشروهم ويُنذروهم بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن يتركوا ما يفعلوا من الذنوب؛ من الشرك لله في عبوديته، والمعاصي التي إذا استمروا عليها يُعذبهم الله بها في الدنيا والآخرة.

فبلغ الرُسل الرِسالات من الله إلى أقوامهم، فلم يؤمن من أقوامهم إلا قليل، أما أكثرهم فقد أصرّوا على الذنب والعصيان لأوامر الله عزَّ وجلّ، فعاقبهم الله بذنوبهم بشتى ألوان العذاب، ومنهم قوم سيدنا لوط؛ حيث سنتناول في هذا المقال قصة سيدنا لوط عليه السلام وما حل بقومه.

قصة سيدنا لوط عليه السلام

لوط عليه السلام

هو نبي من أنبياء الله جلَّ وعلاَ، ورسوله إلى قوم سدوم، وهو ابن أخ لإبراهيم عليه السلام، ونسله بالترتيب (لوط بن هاران بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام)، ومهنته كانت مثل جميع الأنبياء راعي للأغنام.

قصة سيدنا لوط عليه السلام مع قومه

وهي قصة حقيقة أخبرنا بها الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم مثل باقي قصص الأنبياء وغيرهم، وهي قصة حدثت في فترة من الزمن.

من هم قوم نبي الله لوط وأين كانوا يعيشون؟

هم قوم سيدنا لوط عليه السلام، وكانوا يعيشون في مدينة سدوم التي أقامت على حدود فلسطين في أقصى جنوب البحر الميت، وقد كانوا يفعلون المعاصي والمُحرّمات في جميع أمور حياتهم، ويُشركون لله في العبادة، وبجانب الشرك بالله كانت هناك معصية كبيرة لم يأت بها أحدٌ من قبلهم من الأقوام، وهي الشذوذ الجنسي، فقد كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وهذا الفعل منافي تمامًا للأخلاق لأنه ضد الفطرة التي خلقنا الله سبحانه وتعالى عليها.

إرسال نبي الله لوط عليه السلام

فبعث الله لهم النبي لوط عليه السلام يبلغهم رسالات ربه أن هذه الأفعال مُحرمة عند الله، وأن ينتهوا من هذه الفواحش والمنكرات، كما أخبرنا بذلك الله سُبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ* إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف:80/81].

ولكن قوم لوط رفضوا النُصح والإرشاد الذي بلّغهم به نبيهم من رب العالمين، بل اتهموا سيدنا لوط عليه السلام بالكذب والضلال، وظلّوا يتمادون في فعل المحرمات من الشذوذ الجنسي ويقطعون السُبل أي يقطعون الطُرقات على الناس وغير ذلك، كما في قوله تعالى {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت:29].

ليس هذا فقط بل أنهم قاموا ليطردوا نبي الله لوط من القرية لأنه لا يكُف عن نُصحهم، وعندما يأس منهم سيدنا لوط ومن أفعالهم دعا ربه أن ينصُره على هؤلاء القوم المُفسدين في الأرض، وأن يُعاقبهم بأفعالهم فقال كما في القرآن الكريم {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء:169].

نزول الملائكة لإهلاك قوم لوط

استجاب الله عزَّ وجلَّ لنبيه لوط عليه السلام، وأرسل الملائكة ليُنزلوا عذاب الله على قوم سدوم أي قوم سيدنا لوط عليه السلام، وعندما نزلت الملائكة أنزلهم الله في صورة رجال أشكالهم حَسنةً وفي وجوههم سماحة من الله، وقد مرّوا على سيدنا إبراهيم عليه السلام وهم في طريقهم إلى قوم لوط؛ فقد كانت هُناك بُشرى من الله سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم وهي أن الله يُبشره بأن سوف يكون له غُلام حليم اسمه إسحاق؛ وأيضًا سوف يكون بعد إسحاق يعقوب، كما أخبروه أنهم ذاهبون لإهلاك قوم لوط عليه السلام؛ لأنهم تمادوا في فعل الفواحش وأصروا عليها مع العلم بأنها معصية كُبرى لذلك سوف يُدمرهم الله، وهذا أمر من الله سبحانه وتعالى.

ولكن إبراهيم عليه السلام كان خائفًا على نبي الله لوط أن يُصيبه شيءٌ من هذا العذاب؛ وهو ابن أخيه كما ذكرنا، فقال للملائكة أن في هذه البلد لوطًا، فأخبروه أن الله سيُنجي لوطًا عليه السلام وأهله من هذه القرية الكافرة؛ إلا امرأته فسوف تنالها لعنة الله لهذه القرية لأنها كانت لا تؤمن بالله، وكانت كافرة مثل قومها بل كانت تُدافع عن هؤلاء القوم الفاسدين من قوم لوط، والآيات الدالة تقول {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ* وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}[العنكبوت:32/33].

فذهب إبراهيم عليه السلام إلى قوم سيدنا لوط ليُحذرهم من أفعالهم، وأن يكفُوا من فعل هذه الخبائث والمُنكرات، فقال له الله سبحانه وتعالى كما في كتابه العزيز {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود:76].

عقاب الله لقوم لوط

واتجهت ملائكة الله إلى لوط عليه السلام ولم يُخبروه بأنهم أنبياء الله عزَّ وجلَّ؛ لأنهم كانوا في صورة شابّان جميلان في شكلهم ومنظرهم، وهذا كان الاختبار الأخير لقوم لوط، وأيضًا ليُقام عليهم الحجة إذا أرادوا أن يفعلوا معهم ما يفعلون من المُحرمات، فاعتقد سيدنا لوط أنهم ضيوف عاديين جاءوا لزيارته فرّحب بهم وأدخلهم بيته، لكنه كان خائفًا عليهم أن يعلموا أهل قريته بوجودهم عنده فيأتوا لهم؛ كما في قوله تعالى{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود:77]؛ أي أن هذا اليوم بلاؤه شديد للغاية عليه.

فخرجت امرأة لوط وأخبرت قومها أنه يوجد رجالاً ما رأت في جمالهم قط موجودون في بيت لوط، فذهبوا جميعًا إلى بيت سيدنا لوط على الفور؛ يريدون الوصول لضيوفه لكي يعتدوا عليهم، فطلع لهم سيدنا لوط عليه السلام يتناقش معهم بالحُسنى لكي يرجعوا عمّا يُريدون فعله، وأن يتزوجوا من النساء ما طاب لهم؛ كما في قوله {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود:78].

فرفض قوم لوط النصائح كلها؛ {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود:79]؛ أي أنهم مُصرّون على أن يأخذوا ضيوفه ويفعلوا بهم ما يريدون، وأنهم لا يرغبون في نساء القرية أو أي نساء أخرى، فغضب لوط عليه السلام وتمنى في ذلك الوقت أن يكون عنده القوة لمنعهم من ذلك أو يكون هناك قوم يُساعدونه في ذلك حتى يحمي ضيوفه منهم كما في قوله تعالى {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80].

فلمّا رأت الملائكة لوط عليه السلام قد وصل به الأمر إلى هذا؛ قالوا له ألا يخاف عليهم وأخبروه أنهم ليسوا بشرًا ولكن ملائكة أرسلهم الله سبحانه وتعالى ليُهلكوا وليُعاقبوا أهل هذه القرية لكفرهم وظلمهم، وأمروا لوطًا عليه السلام أن يخرج من هذه القرية قبل طلوع الصبح هو وأهله، وهذا لأن موعد عذابهم وعقابهم سيكون في الصباح كما في قوله تعالى {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}[هود:81].

فخرج لوطًا عليه السلام وأهله من منزلهم في طريقهم لمغادرة القرية، وقد أمروه الملائكة ألا يلتفت إلى القرية أثناء نزول العقاب عليهم حتى لا يتأذى أحدٌ منهم من هول ما سيرون أهل المدينة من العذاب، وقد حان موعد هلاك قوم لوط؛ فضرب جبريل عليه السلام وجوه أهل القرية بجناحهُ؛ فعَموُا جميعًا وأصبحوا يتحسسون الجدران، وأنزل الله عليهم صيحةً من السماء وأمطر عليهم بحجارة من سجيل، كما في قوله {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [هود:82]، ولكن زوجة نبي الله لوط كانت من الكافرين فلم تُصدق أنه سيكون هناك عذاب لهم فنظرت وراءها فكانت من المُهلكين من شدة ما رأت من عذاب الله لهم، حتى إذا طلع الصُبح كانت القرية قد تدمرت وأُهلكت وأصبحت خرابًا.

دلائل حديثة على قصة نبي الله لوط

اكتشاف طبقات بازلتية وآثار لوجود حمم بركانية حدثت في السابق في مدينة سمود التي وجدوا آثارها الآن تحت شاطئ البحر الميت، ويعتقد علماء الآثار أنه حدث في هذا المكان انفجارات وانزلاقات وانكسارات وهذا لأنهم وجدوا أن المنطقة مليئة بغاز ميثان المُشع، وأكدوا كذلك بحدوث الزلازل في هذه المنطقة مما أدى لإيقاد هذا الغاز وغيره من الغازات التي أدت لانزلاق المدينة بأكملها داخل البحر الميت.

فإذا قرأت القرآن الكريم وقارنته بما توصل إليه العلم الحديث من اكتشافات لهذه الواقعة، ستجد أن النتائج لجميع الاكتشافات جاءت موافقة تمامًا لما جاء في القرآن الكريم منذ أكثر من خمسة عشرة قرنًا.

وفيديو لقوم لوط | علماء يكتشفون مكان “سدوم” قوم النبي لوط في إحدى الدول العربية:

قصة سيدنا لوط عليه السلام -loot:

قصة سيدنا لوط عليه السلام من القصص الحقيقية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، والتي تؤكد على أن عقاب الله شديد وهو واقع لا محالة لكل من تُسول له نفسه أن يفعل أفعال الشرك والكبائر أعازنا الله وإياكم من هذه الأفعال، فيجب أن نتعلم من هذه القصة الكثير، وأن نأخذ من قصة سيدنا لوط عليه السلام العبرة والحكمة، وأن نمتثل لأوامر الله سبحانه وتعالى في كل أمور حياتنا؛ لأنه هو خالقنا وهو أعلم بنا من أنفسنا.

اقرأ أيضًا:

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.