عقوبة الزاني في الدنيا والقبر والآخرة

عاش العرب حياة تخلف وجهل، ولم يكن للمرأة في الجاهلية أية قيمة؛ فهي كسلعة تباع وتشترى وتورث. تجبر أحياناً على البغاء أو تأتيه من تلقاء نفسها دون رادع من نفس أو مجتمع. وكانت تسمى النساء اللواتي يمتهن هذا الشيء بذوات الرايات الحمر، وكانت لهن خيام يقصدن فيها.

وهذا لا ينفي طبعاً وجود الحرائر اللاتي تأبى الفاحشة حتى في المجتمع الجاهلي؛ فقد جاء في صفة مبايعة النبي للنساء أنه عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” (ولا يزنين) فقالت هند: أو تزني الحرة؟” وهذا دليل على عفة النساء الحرائر وسلامة فطرتهن.

ولكن بسبب الانحلال الأخلاقي، لم يكن المجتمع الجاهلي ينكر الفاحشة على النساء؛ وهذا ما جعلها تستشري أكثر في المجتمع إلى أن جاء الإسلام وهذب النفوس ووضع الأحكام وفرض الحدود على المعاصي الكبيرة التي تضر بالمجتمع ومن هذه المعاصي الزنا.

عقوبة الزاني في الدنيا والقبر والآخرة

عقوبة الزنا في الإسلام

لقد أعد الإسلام لفاحشة الزنا عقابًا شديدًا؛ لما له من آثار سلبية على المجتمع والفرد؛ فبه تختلط الأنساب وتنتشر البغضاء والجرائم ويحل غضب الله على الأقوام فإذا حل غضبه انتشرت الأمراض والأوبئة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ” ابن ماجه.

الزنا الأكبر والزنا الأصغر والفرق بينهما

ولا ينحصر الزنا بالعلاقة غير الشرعية بين الرجل والمرأة فقط، بل هناك ما يسمى الزنا الأصغر والذي يشمل مقدمات الزنا ابتداء بالنظرة الحرام، وانتهاء بسلوكيات تسبق الزنا الأكبر.

إذن فالأولى بالإنسان المسلم الابتعاد عن الاختلاط المحرم والخلوة بين المرأة والرجل الأجنبي ففي الحديث (لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العين تزني وزناها النظر والأذن تزني وزناها السمع واليد تزني وزناها البطش) متفق عليه.

فسماع الحرام والنظر الحرام واللمس الحرام كلها من مقدمات الزنا، وقد نهانا الله عنها في محكم التنزيل: “وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا” الإسراء (32) وقال أيضاً: “وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ” الأنعام (151).

كفارة الزنا الأصغر

فمن شرع بالفاحشة ثم تنبه وعاد لرشده وخاف مقام ربه فعليه أن يبادر بالتوبة؛ فالتوبة الصادقة تمحي ما قبلها “وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ” آل عمران (135).

فالتوبة الصادقة والإقلاع عن المعصية والندم والعزم على عدم الرجوع إليها والإقبال على صالح الأعمال والاستغفار كل هذه سبل للتكفير؛ فإن الحسنات تمحو السيئات.

ففي صحيح البخاري ((عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله فذكر ذلك له فأنزلت عليه (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود (114) قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي)) فهذه كانت كفارة الزنا الأصغر الذي يشمل كل شيء عدا الوطء.

الزنا الأكبر وعقوبته في الدنيا والقبر والآخرة

أما الزنا الأكبر: فهو وطء المرأة من غير عقد شرعي، وتختلف عقوبته بين الدنيا والقبر والآخرة:

عقوبة الزاني في الدنيا

إن كان الزاني محصن فيرجم بالحجارة وهو قائم حتى الموت وأما المرأة فيحفر لها وترجم حتى الموت وهي في الحفرة لئلا تتكشف عورتها ودليله حديث الحبيب المصطفى صلوات الله عليه وسلامه “البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام وعلى الثيب الرجم” رواه مسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجه.

ملحوظة: بعض العلماء يُنكرون عقوبة الرجم ولهم أدلتهم في ذلك.

وإن كان غير محصن أي بكر فيجلد مئة جلدة وينفى عن بلده عاماً ودليله قول الله عزل من قائل: “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” النور (2).

أما إن كان الزنا بالإكراه فلا يزول عنها وصف البكر، وذنبها على سيدها الذي كان يُكرهها على البغاء ليبرح من ورائها مالًا، قال تعالى “وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ” النور (33) (أنظر هذا التفسير لهذه الآية).

ولا يصح الزواج بزاني أو زانية لقوله جل في علاه “الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” النور (3)

شروط لتطبيق حد الزنا على الزاني والزانية

  • ويشترط لتطبيق الحد: إما اعتراف الزاني بفعلته أربع مرات.
  • أو أربعة شهود يتفقون على رؤيته في هذه الحال بنفس الزمان والمكان فإن لم يتفقوا يعاقبوا بالجلد ثمانين جلدة ولا تقبل منهم شهادة أبداً قال تعالى: “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” النور (4)؛ وذلك درئًا للجهر بالمعصية وانتشار الفاحشة والتهاون فيها.

عقوبة الزاني في القبر

في القبر أي حياة البرزخ؛ فالإنسان فيها إما شقي أو سعيد وبالشقاء الزاني؛ فقد خسر دنياه وآخرته وما بينهما لما جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم التي قصها على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: “فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، وإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، وفي آخر الحديث سأل عنهم صلى الله عليه وسلم، فقيل: وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني” رواه البخاري.

عقوبة الزاني في الآخرة

لا يستوي عذاب الدنيا بالآخرة؛ فعذاب الدنيا ينتهي بموت العبد أما عذاب الآخرة فيكون الإنسان خالداً مخلداً فيه أبداً يقول الله في كتابه العزيز “وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا” الفرقان (69).

 أما نوع العذاب الذي سيخلد فيه فقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر” رواه مسلم.

وأي عذاب أعظم من إعراض الله عز وجل عن العبد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

فإياك أخي المسلم من هوى النفس فإن قادك هلكت وإن قدته نجوت وهذا ما وصى به البوصيري في البردة حين قال:

وخالف النفس والشيطان واعصهما … وإن هما محضاك النصح فاتهمِ

وفي نهاية مقالنا نكون قد عرفنا العقوبة التي ينالها الزاني أو الزانية إما في الدنيا أو الآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد نبي الهدى والرحمة الذي علمنا ما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا.