أسباب اضطراب الوسواس القهري وأعراضه وطرق العلاج

يعاني الكثير من الأشخاص من مرض الوسواس القهري وعادةً يبدأ هذا المرض بالظهور منذ سن الصغر دون معرفة الأسباب بالتحديد، وعندما يسأل الأطباء المرضى المصابين بالوسواس القهري عن سبب الإصابة يجيب البعض بأن هذا المرض معي منذ أن ولدت.

 فيما يعتقد البعض أنه اكتسب المرض نتيجة المرور بمواقف وضغوط حياتية معينة. إن معظم المرضى الذين يصابون بالوسواس القهري يكون عادةً لديهم قريب في العائلة يعاني من نفس المرض، لذلك يعتقد أن أسباب هذا المرض وراثية.

الوسواس القهري

أنواع الوسواس القهري

يتضمن الوسواس القهري عادةً جزئيين، يكون الجزء الأول على شكل وساوس وهذه الوساوس هي نوع من الأفكار المزعجة أو الصور أو الشكوك التي غالبًا ما تساور الشخص وبالرغم من تصدي المرء لهذه الوساوس التي تبدو سخيفة حتى بالنسبة إليه إلا انه يستمر في ترديدها ما يقود المريض في أغلب الأحيان الالتزام بها وهو الجزء الثاني من الوسواس القهري. يحصل هذا عندما يحتاج المرء إلى تكرار الفعل نفسه مرات عديدة.

وفي مجتمعاتنا العربية هناك خلط كبير في فهم اضطراب الوسواس القهري حيث يصف الناس أي شخص يكرر أو يركز على بعض الأمور بأنه مصاب بالوسواس، وهذا غير صحيح إطلاقًا، فليس أي شخص يفعل ذلك يكون مصابًا باضطراب الوسواس القهري.

أمثلة على أنواع مرض الوسواس القهري

 ولكي نفهم مرض الوسواس القهري جيدًا علينا ان نذكر بعض الأمثلة عن أشخاص أصيبوا بهذا المرض.

المثال الأول

فتاة مراهقة تدعى نيللي، تعيش حياتها مع والديها وتذهب إلى المدرسة بشكل طبيعي، لكنها تعاني في داخلها من أعراض الوسواس القهري، وتظهر بعض هذه الأعراض عليها بين الحين والأخر. فحين تساور نيللي فكرة مزعجة يحثها صوت في رأسها على تكرار فعل ما مرارًا وتكرارًا؛ لتزول هذه الفكرة وعادة يكون القيام بهذه الأمور محبطًا ومحرجًا للشخص كونه مضيعة للوقت.

منذ أن كانت نيللي في سن الخامسة بدأت ضرب رأسها، وكأنها تضرب على الخشب، وكانت تعتقد انها عند تكرار هذا الفعل عشر مرات أو عشرين مرة فإن حالها ستصبح أفضل. وكانت تفكر وهي صغيرة بأن أبويها قد يتعرضا لحادث وهما متوجهين للعمل، وتفكر في أنها قد تعرضت للاختطاف وهي في الشارع، وعندما كانت تضرب رأسها فإنها تظن أن هذه الأخطار سوف تزول.

أحيانا كانت تحاول أن نمتع نفسها عن ذلك، ثم تعود وتقول ماذا لو تعرض والدي لحادث سوف أكون أنا المذنبة؛ لأنني لم أضرب على رأسي.

ولكن أهلها اعتادوا على كونها مهووسة دون معرفة ما كانت تمر به، وهي تردد دائمًا عبارة إلى اللقاء أو عمت مساءً مرارًا وتكرارًا. ومع مرور الزمن أصبحت تعاني مشاكل بالكتابة فكانت لا تستطيع التوقف ابدًأ. ومرةً مر والدها على غرفتها فوجدها تنظف اسنانها وما كانت قادرة على التوقف، وهذا الأمر كان يزعجها كثيرًا فقد كانت مجبرة على القيام بالكثير من الأمور.

كانت تفعل الأمر نفسه أربع مرات ثم أربع مرات بعد المرات الأربع السابقة، والآن لا تستطيع التوقف عن تنظيف أسنانها إلا عندما تكرر ذلك عدة مرات. كما تعترف نيللي بأنها تكرر جميع الأشياء كالكتابة وتنظيف الأسنان وغيرها من الأمور الحياتية، فأحيانًا تستعرق كل يومها لوضع كتبها في الحقيبة. وعندما تخرج من البيت صباحًا تتأكد أكثر من مرة من أن باب منزلها قد أغلق تمامًا وتكرر هذه الفعلة عدة مرات.

وعندما يوصلاها أبواها بسيارتهم إلى المنزل تجد صعوبة في النزول من السيارة، فهي تودع أهلها وتقبلهم، وتسأل عن كل ما سيجري خلال اليوم من أحداث، كل ذلك قبل أن تنزل من السيارة متوجهة للمدرسة. وغالبًا ما كانت تصل متأخرةً إلى المدرسة.

تعتقد أمها أن التوتر في المدرسة زاد حالتها للأسوأ. وفي أحد الأيام جاءت أمها لأخذها من المدرسة، وكانت نيللي لم تنزل حقيبة ظهرها بعد، حيث بقيت الحقيبة غلى ظهرها طوال اليوم، وقد حاولت نزعها لكنها لم تتمكن من ذلك، وقد رأى زملاؤها في الصف هذ التصرف غريبًا فكانوا يسخرون منها.

لكن نيللي بدأت تتعافى من وسواسها بعد أن بدأت تقوم بأشياء تبدو مفيدة كالرسم، فأثناء الرسم لا تفكر في اضطراب الوسواس القهري.

المثال الثاني

شاب آخر يعاني من اضطراب الوسواس القهري وهو متعلق بالأعداد الزوجية، وهو لا يعرف السبب الذي أدى لحدوث ذلك. فلو أراد لمس شيء؛ لتحسسه فإنه يكرر ذلك مرتين فأربعة فثمانية وهكذا. في حين يعاني أشخاص أخرون من اضطرب الوسواس القهري من الأرقام الفردية دون معرفة السبب الذي يدفعهم لذلك، وإضاعة هذا القدر من الوقت.

 ويقول الشاب بأنه في مرة كان في السيارة ويجري حديثًا عاديًا، ثم بدأ صوت في رأسه يقول له إن لم تقم بقضم زجاج النافذة ثماني مرات فسوف يحصل مكروه لعائلتك، عندها قام الشاب بقضم الزجاج وبعد الانتهاء من ذلك شعر الشاب بالارتياح، ثم عاد الصوت في رأسه، فيقول له لا هذا ليس كافيًا، يجب أن تكرر ما فعلته مرة أخرى، فيعود من جديد لتكرار ذلك وهكذا….

المثال الثالث

هناك امرأة مصابة باضطراب الوسواس القهري تقوم بجمع الأشياء، فلا يوجد لديها سوى كرسي وحيد في الغرفة، ولا يمكن ادخال كرسي أخر؛ بسبب الأغراض المكدسة فهي تحتوي على مئات الكتب المختلفة، ورزمًا من الصحف المكدسة. وبعد فترة طويلة تبين لها بأنها تعاني من هذ الاضطراب.

وتقول بأن جلوسها في غرفة محاطة بجدران من الكتب، تجعلها تشعر بالأمان والراحة. وعندما تعود للمنزل كانت تقوم بغسل يديها عدة مرات بأنواع مختلفة من الصابون قبل أن تخلع ملابسها، وأحيانا تغسل يديها حتى المرفقين. وقد كانت عاجزة كليًا عن إخبار أحد بما تشعر به؛ خوفًا من ردة فعلهم، فهي تخشى يسخرون منها، ويظنون بأنها مخبولة.

وقد بدأ الاضطراب مع هذه المرأة من سن الواحدة والعشرين من العمر. فكان الخوف يتملكها من فكرة عدم قدرتها على غسل يديها، وإذا لمسها شخص في الخارج كانت تسارع إلى المنزل لغسل ملابسها. ويسألها الناس دومًا لماذا لا تتوقفين عن فعل هذه الأمور؟ فيكون جوابها أن هذا السؤال سهل لكل من لا يعانون اضطراب الوسواس حيث يتطلب الأمر عندهم التوقف ببساطة عما يفعلون.

 أما المصاب باضطراب الوسواس القهري يفهم ما يجري ويعرف تمامًا أن ما يفعله منافٍ للعقل والمنطق، وأنه ليس هناك حاجة لفعل ذلك، لكن الموضوع غالبًا يسيطر عليك، ويجعلك تفعل ذلك الأمر وكأنك مضطر لهذا، وهو شعور لا يمكن تجاهله؛ لأنك إن تجاهلته سوف يزيد الأمور سوءًا.

المثال الرابع

شاب آخر يدعى مارك يعاني من وسواس التفقد، حيث تساوره أفكار بأن هناك من يحاول اقتحام منزله عندما لا يكون فيه. فعندما يعود للمنزل أول شيء يقوم به هو تفقد الأشياء فيتفقد كل غرض من أغراض المنزل وأحيانًا لا يكون راضيًا فيتفقد الأغراض جميعها من جديد عدة مرات.

 ويحدث هوس التفقد هذا معه كلما خرج وعاد إلى المنزل فيتفقد كل شيء، ويتأكد بأنه مازال في مكانه. وفي مرحلةٍ من مرضه لم يكن هذا الشاب يخرج من منزله خوفًا من أن يقتحم أحدهم المنزل. ويعرف مارك أن ما يفعله بعيد جدًا عن المنطق، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن التوقف.

وعند سؤل مارك عن سبب إصابته بهذا الاضطراب، يجيب بأنه يظن أن الموضوع يتعلق بحياته خلال الطفولة، فقد تعرض وهو صغير الى عنف جسدي. وفي عائلته يعاني شقيقه من الشيء نفسه فيراوده هوس التنظيف، ويقوم بذلك عدة مرات.

 ويقول مارك أنه بدأ يعاني من اضطراب الوسواس القهري منذ سن 13 من العمر حين شاهد برنامجًا عن خطر مرض نقص المناعة المكتسب الإيدز خاصةً، وأنه تعرض سابقًا لإساءة جنسية فأصبح يشك في أنه يعاني من مرض الإيدز، وبدأت وساوسه تشعره بأن أشخاصًا أخرين في عائلته يعانون من الإيدز، فيخاف من لمس الأشياء، ولا يدخل الحمام دون وضع مناشف على الأرضية.

كل هذا كان ناجمًا عن الخوف من الإصابة بنقص المناعة المكتسب، وكان يغسل يديه خوفًا من انتقال العدوى، مع أنه يعلم أن مرض الإيدز لا ينتقل باللمس، وبالرغم من ذلك كان يغسل يديه قبل وبعد لمس أي شيء، وأحيانًا يغسل يديه لعشرين أو ثلاثين مرة. وعندما يقوم بذلك كان يظن بأنه يقوم بالأمور على أكمل وجه.

وأحيانًا تراوده أفكار عنيفة كحرق التلفاز أو تمزيق الملابس. وبنفس الوقت كان يريد أن يرى كل شيء على أكمل وجه بحيث يكون كل شيء في المنزل مرتبًا. فيواجه مشكلة كبيرة عندما يريد الخروج من المنزل، حيث يقوم بترتيب جميع الأغراض، ويتأكد منها مرارًا وتكرارًا وهو لا يستطيع أبدًا ترك منزله دون ترتيب، فإذا كان منزله غير مرتب، فإنه عند عودته لا يستطيع تميز مكان الأغراض، وبالتالي لا يعرف إن قام أحد ما باقتحام منزله. وحتى خلال العمل كان كل تركيزه منصبًا على ما يجري في منزله، مما دفعه في النهاية إلى ترك العمل.

الوسواس القهري

ماذا يقول العلم عن اضطراب الوسواس القهري؟

تبين الدراسات الحديثة أن من يعاني من اضطراب الوسواس القهري يشهد حركة كيميائية نشيطة في الفص الأمامي للدماغ وفي قاعدة الدماغ، حيث يعتقد أن أفعال الهوس الرئيسية كمراجعة شيء ما والتأكد منه مرارًا وتكرارًا مخزنة هناك سابقًا. ويقول بعض العلماء أن سبب هذا ينتج عن نقص في السيروتونين وهي مادة عصبية تنقل السيالة عبر الدماغ وتنظم أي شعور عاطفي كالقلق والخوف والإحباط.

وعادةً يعاني نصف المصابين باضطراب الوسواس القهري من الخوف من الأوساخ، فيما يعاني 40% منهم من التأكد والتحقق من الأمور وتفقدها، فيتفقدون النوافذ والأبواب، أو قد يتفقدون ممتلكاتهم وقفل السيارة وغيرها من الأمور.

والهوس قد يتخذ أشكالًا مختلفة، فيراود البعض أفكار مزعجة ومتوحشة، وأحيانًا تساور الشخص أفكار جسدية أو دينية، وهذا لا يعني أن المصابين بالوسواس القهري هم عنيفون أو قتلة، لكنهم أحيانًا يشعرون بشيء مزعج يسيطر عليهم بشكل كامل، مما يجبرهم على القيام بهذه الأفعال، وذلك للتخفيف من القلق الناجم عن هذه الأفكار.

إن اضطراب الوسواس القهري يؤثر كثيرًا في حياة الناس، وعادةً ما يترافق هذا المرض مع الشعور بالإحباط، مما يؤدي الى التفكير بالانتحار، فعشرة بالمئة من المصابين بالوسواس القهري يحاولون الانتحار، وبعضهم ينجح في ذلك، وهذا ما يجعل الوضع غاية في الخطورة.

علاج الوسواس القهري

في الماضي كان الاعتقاد السائد لدى عامة الناس بأن من تصيبه الوساوس هو شخص قد تلبسه الشيطان، فكان العلاج الأنسب هو التعويذة. ومع الوقت انتقل مفهوم هذا المرض من وجهة نظر الدين إلى مفهوم طبي.

أما من وصف هذا المرض الغريب في عام 1883م على أنه مرض الشك هو الطبيب الفرنسي جان ايتيين اسكيلول. ومع بداية القرن العشرين تغير المفهوم من الطبي إلى النفسي فعلى سبيل المثال وصف فرويد الوسواس على أنه نوع من الدفاع النفسي للتعامل مع الصراعات في العقل الباطني الذي تمزقه التجارب السابقة.

أما الدراسات الحالية فتعتمد مفهومًا طبيًا لهذا الاضطراب.

ويوجد في وقتنا الحالي علاجان لاضطراب الوسواس القهري

  • العلاج الأول هو العلاج النفسي الذي يتضمن تعريض المصابين تدريجيًا للأشياء التي يخشونها.
  • أما العلاج الثاني فهو العلاج الرئيسي وذلك باستخدام الأدوية، وهو علاج طويل المدى حيث يمتد عادةً إلى عدة سنوات.

 لكن الالتزام بالعلاجين النفسي والدوائي يعطي نتائج واضحة، فيصبح المصاب شخصًا أخر، وأهم شيء في العلاج هي أن يقوم المصاب بالتكلم لأهله وللأطباء عن وساوسه وعن الأفكار التي تراوده فالحديث عن الوساوس، يقلل القلق كثيرًا لدى المصاب ويشعره بالأمان أكثر.