حلف شمال الأطلسي – الناتو

حلف الناتو

بعد استسلام ألمانيا الهتلرية في أيار عام  1945 أمام الحلفاء واستسلام اليابان بعد إلقاء أمريكا قنابلها النووية عليها في السادس والتاسع من شهر أب عام 1945 على كل من مدينتي هيروشيما وناغازاكي، انتهت الحرب العالمية الثانية رسميًا، ومباشرةً منذ الأشهر الأولى ظهر صراعٌ جديد واستقطابٌ أخر على الساحة الدولية قطباه أمريكا وحلفائها من جهة والاتحاد السوفياتي وحلفائه من جهة أخرى، وظهرت في الأفق السياسي الدولي تكتلاتٌ ومنظماتٌ وتحالفاتٌ عسكرية جديدة عرفت المرحلة فيما بعد بالحرب الباردة، ولعل أكثر هذه التحالفات شهرة هو التحالف الغربي بقيادة أمريكا والذي سمي بحلف شمال الأطلسي (الناتو).

حلف شمال الأطلسي

تأسيس حلف شمال الأطلسي

مع اشتداد قبضة الاتحاد السوفياتي على أوربا الشرقية وازدياد نفوذ الأحزاب الشيوعية في هذه الدول وسيطرتها على السلطة السياسية في ظل الوجود السوفياتي ومحاولة سقوط فرنسا وإيطاليا واليونان في قبضة الشيوعين، قامت مجموعة من الدول وهي أمريكا وفرنسا وبريطانيا ودول أوربية أخرى بالمبادرة والاجتماع لإنشاء منظمة ومعاهدة للدفاع والأمن الجماعي في الرابع من نيسان عام 1949 في العاصمة الأمريكية واشنطن ضد أي هجوم خارجي على الأطراف والدول الموقعة على هذه المعاهدة، وأطلق عليها معاهدة حلف الشمال الأطلسي، وفي البداية أخذ الحلف شكل منظمةٍ سياسية أكثر ما تكون عسكرية.

الدول المؤسسة لحلف شمال الأطلسي

عدد الدول التي شاركت في اجتماع واشنطن التأسيسي كانت 12دولة أوربية وأمريكية شمالية بكامل العضوية، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكيا وكندا والدانمارك وإيطاليا وأيسلندا وهولندا والنروج ولوكسمبورغ والبرتغال وأصبحت بلجيكيا الدولة المضيفة للحلف الذي يقع مقره الرئيسي في هارين في مدينة بروكسل منذ ذلك الحين.

أسباب تأسيس حلف شمال الأطلسي

في نهاية الأربعينيات تغير المناخ الأمني في وسط أوربا وفي العالم اجمع نتيجة خروج الاتحاد السوفياتي من الحرب العالمية الثانية كقوة عسكرية قوية وفاعلة في دحر القوات الهتلرية وتحريرها للشعوب الأوربية من جهة، ومن جهة أخرى ظهور أمريكا أيضا كدولةٍ غنيةٍ وقوة اقتصادية أولى في العالم واندفاعها للسيطرة على العالم نتيجة امتلاكها كدولة وحيدة للسلاح النووي، لذا جاء تأسيس الناتو في خضم العديد من الأحداث الخطيرة التي يمكن حصرها على الشكل التالي:

  1. عدم التوافق على مستقبل ألمانيا بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا وظهور بوادر انقسام ألمانيا إلى دولتين.
  2. إصرار الاتحاد السوفياتي على عدم شرعية حكومة المنفى البولونية وتثبيت حكومة شيوعية بدلًا منها في وارسو.
  3. ازدياد نشاط جبهة التحرر الوطني بقيادة الشيوعين في اليونان وسيطرتهم على أثينا لفترة وجيزة.
  4. أحداث شباط عام 1948 في تشيكوسلوفاكيا وسيطرة الشيوعين على البرلمان في ذلك البلد وإعلانهم حكومة ديمقراطية شعبية.
  5. الازدياد الكبير لنفوز الحزبين الشيوعين في فرنسا وإيطاليا في انتخابات عام 1949 واقترابهما من السلطة في البلدين.
  6. في المحور الأسيوي وتحديدًا في الصين أحرز الجيش الأحمر الشيوعي الصيني انتصارات كبيرة بقيادة “ماو تسي تونغ” على الجيش الحكومي وأعلنوا جمهورية الصين الشعبية وفرار الرئيس الصيني الموالي للغرب “كاي شك” الى جزيرة تايوان.

لهذه الأسباب وغيرها نستنتج بأن حلف شمال الأطلسي تأسس لكبح نفوذ الاتحاد السوفياتي الذي كان في صعودٍ مستمر في تلك السنوات القلقة التي انحسر فيها نفوذ الاستعمار وسادت فيها نظام القطبية الثنائية وتقاسم جديد للنفود وحروب بالوكالة والتي سميت بالحرب الباردة.

توسع حلف شمال الأطلسي

الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي

في بدايات تأسيس الحلف لم يكن قويًا بما فيه الكفاية مثلما نعرفه اليوم، فقد جاء تأسيسه لصد التمدد الشيوعي الذي كان الاتحاد السوفياتي يحرضه ويدعمه وفق الدعاية الأمريكية، وكانت الاستراتيجية الأمريكية في تلك الأوقات تنحصر في تركيع الاتحاد السوفياتي وأن تصبح أمريكا القطب الأوحد المسيطر على العالم، وعندما قام الاتحاد السوفياتي بخرق نظام احتكار السلاح النووي بصورة مفاجئة، استغلت أمريكا الحرب الكورية واستطاعت أن تشكل تحالفًا دوليًا ضد كوريا الشمالية.

رافق ذلك كله توسعٌ هام للحلف الأطلسي وتم بناء التركيبة العسكرية الكاملة للحلف وانضمت دول جديدة إليه مثل اليونان وتركيا التي انضمتا بصورة رسمية في 18 شباط عام 1952 وألمانيا الغربية في 9 من أيار عام 1955 وإسبانيا في 30 أيار عام 1982، وبعد تفكيك الاتحاد السوفياتي تم انضمام مجموعة دول حلف وارسو، الى الحلف الأطلسي فانضمت كل من جمهورية التشيك وبولونيا وهنغاريا الى الحلف في 12 أذار عام 1999 وانضمت في 29 أذار عام 2004 كلٌ من بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا إضافةً إلى ثلاثة جمهورياتٍ سوفيتيةٍ سابقة وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وانضمت كل من ألبانيا وكرواتيا في 1 نيسان عام 2009.

 في الوقت الحالي جعل الحلف الأطلسي من نفسه بحقٍ وبدون حق قوة ردعٍ دولية، وعلى الرغم من عدم وجود حلف عسكري أخر يعاديه ويخاصمه نرى بأنه في تمدد وتوسع دائم نحو الشرق وباتجاه حدود روسيا وربما مستقبلًا تنضم الى صفوف الناتو دول أخرى مثل أوكرانيا وجورحيا.

الأعمال التي قام بها حلف شمال الأطلسي

بعد سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا تدخل الحلف الأطلسي في شؤون يوغسلافيا وشارك في تفكيك هذه الدولة المستقلة ذات السيادة لصالح البوسنة في عام 1992 إلى 1995 ولاحقا مرة أخرى تدخل في يوغسلافيا عام 1999 وبعد أحداث 11 سبتمبر تدخل الحلف في أفغانستان وفي عام 2011 شكل الخلف حظرًا جويًا على ليبيا وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 وأدت هذه العملية على الإطاحة بنظام الزعيم الليبي معمر القذافي وقتله في نفس العام.

تدخل كوسوفو

في محاولة لوقف الهجوم على جيش تحرير كوسوفو والمدنيين الألبان في كوسوفو بقيادة الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارًا 1199 في 23 أيلول 1998 يطالب بوقف فوري لإطلاق النار. وسلم الأمر إلى حلف شمال الأطلسي، الذي بدأ حملة قصف استمرت 78 يومًا، عمليه قوات التحالف استهدفت القدرات العسكرية لما كان آنذاك جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية. كما نشرت منظمة حلف شمال الأطلسي قوة من قوات التدخل الدولية، عرفت بـ ACE، وفي ألبانيا باسم قوة ألبانيا (AFOR)، لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين من كوسوفو.

على الرغم من أن الحملة واجهت انتقادات بسبب الخسائر الكبيرة بين المدنيين، بما في ذلك قصف السفارة الصينية في بلغراد، قبل ميلوسيفيتش أخيرًا شروط خطة السلام الدولية يوم 3 يونيو عام 1999 لإنهاء الحرب في كوسوفو. وفي 11 من يونيو قبل ميلوسيفيتش قرار الأمم المتحدة رقم 1244، وتحت رعاية حلف شمال الأطلسي تم إنشاء قوة حفظ سلام. حيث كان ما يقرب من مليون لاجئ قد فروا من كوسوفو، وكانت مهمة قوات حفظ السلام الأساسية هي حماية البعثات الإنسانية، بالإضافة إلى ردع العنف.

في أغسطس وسبتمبر عام 2001، شن التحالف أيضًا عملية الحصاد الأساسي، وهي مهمة لنزع سلاح الميليشيات العرقية الألبانية في جمهورية مقدونيا. ويوجد الأن حوالي 4882 جندي من هذه القوة، يمثلون 31 بلدًا، مازالوا يعملون في المنطقة.

مهمة تدريب العراق

في أغسطس 2004، أثناء حرب العراق، شكل حلف شمال الأطلسي بعثة الناتو للتدريب في العراق، وهي مهمة تدريبية لمساعدة قوات الأمن العراقية بالتعاون مع الولايات المتحدة بقيادة القوة متعددة الجنسيات. تم تأسيس بعثة الناتو للتدريب في العراق (NTM-I) بناء على طلب من الحكومة العراقية المؤقتة وفقًا لأحكام قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1546. والهدف من NTM-I كان للمساعدة في تطوير هياكل ومؤسسات التدريب لقوات الأمن العراقية بحيث يمكن للعراق بناء القدرة الفعالة والمستدامة التي تلبي احتياجات الأمة. NTM-I لم تكن مهمة قتالية بل كانت مهمة تدريبية فقط، تحت السيطرة السياسية من مجلس حلف شمال الأطلسي الناتو.

كان التركيز التشغيلي على التدريب والتوجيه. وتم تنسيق أنشطة البعثة مع السلطات العراقية، وأنهت البعثة مهمتها رسميًا في 17 ديسمبر عام 2011.

خليج عدن لمكافحة القرصنة

في 17 من أغسطس عام 2009، نشرت منظمة حلف شمال الأطلسي سفنًا حربية في عملية لحماية حركة الملاحة البحرية في خليج عدن والمحيط الهندي من القراصنة الصوماليين، وتساعد المهمة على تعزيز القوات البحرية وقدرات قوات خفر السواحل من دول المنطقة. وتمت الموافقة على العملية من قبل مجلس حلف شمال الأطلسي، وكانت السفن الحربية في المقام الأول من الولايات المتحدة على الرغم من مشاركة بعض السفن من العديد من الدول الأخرى.

عمليه درع المحيط كما أطلق عليها تركز على حماية السفن التي تقوم بتوزيع المساعدات كجزء من برنامج الغذاء العالمي في الصومال. وقد أرسلت كلٌ من روسيا والصين وكوريا الجنوبية سفنًا حربية للمشاركة في مهمة مكافحة القراصنة كذلك.

خروج فرنسا من الحلف وعودتها

في أواسط الستينيات من القرن العشرين تقدم الاتحاد السوفياتي في مجال الصواريخ وغزو الفضاء على الولايات الأمريكية، وظهرت شكوكٌ جديةٌ عند بعض الدول الأوربية وأمريكا حول جدوى ومصداقية حلف شمال الأطلسي والقوة الأمريكية في وقف الهجوم السوفياتي إن وقع على دول الحلف، لذا بادرت فرنسا في عهد الرئيس شارل ديغول إلى بناء قوتها النووية الخاصة بها وخرجت رسميًا من الهيكلية العسكرية للحلف الأطلسي في عام 1966 ثم عادت من جديد في عام 1996 بعد حوالي 30 سنة في عهد الرئيس جاك شيراك.

قد يعجبك ايضا