مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

لا جدال أن أسلوب الدكتور مصطفى محمود ماتع لدرجة كبيرة، ذلك الأسلوب الذي أسر الكبار والشباب وهذا أمر غريب قلما يحدث مع كاتب، ومن أهم الكتابات التي قدمها الدكتور مصطفى محمود كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان والذي نحن بصدد تقديم مراجعة وتلخيص له.

وخلال قراءتي لكتابات الدكتور مصطفى محمود تحديدًا كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان وجدت أن كثير من الشباب قد يفتتن بأسلوبه وقد يُفكر في إتباع فكرة الإلحاد لذلك عليك قبل أن تقرأ الكتاب أن تعلم أن صاحب ذلك الكتاب توفي مسلمًا زاهدًا عابدًا نادمًا على عمره الذي ضاع وسط الشكوك.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

نبذه عن مُؤلِف كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان

هو الدكتور مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ الطبيب والفيلسوف والاديب المصري المعروف، ولد عام 1921 وتخرج من كلية الطب عام 1953 وتخصص في الأمراض الصدرية، تفرغ للكتابة الأدبية والفلسفية عام 1960، وتزوج مرتين وله ابنه أسمها أمل وابن اسمه أدهم.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

ألف الكثير من الكتابات وصلت لتسعة وثمانون مؤلفًا بين القصة والرواية والمسرحية، منها ألعاب السيرك السياسي، والإسلام في خندق، وعظماء الدنيا والآخرة، والمؤامرة الكبرى وعلى حافة الانتحار، وعصر القرود والإنسان والكثير من الكتابات الأخرى.

قدم حوالي أربعمئة حلقة من برنامجه الأشهر والأمتع العلم والإيمان، والذي تناول فيه موضوعات كثيرة جدًا، وكان يبذل مجهود مُضني جدًا كي تخرج تلك الاعمال بالشكل الذي رأيناه.

البعض أشاع أنه ألحد في فترة ما ولكن الحقيقة وبعد أن قرأت كثيرًا في هذا الصدد وجدت أنه لم يلحد ولكنه كانت لديه الشكوك المستمرة في قضايا بعينها، ولكنه باعتبار أنه شخصية مشورة لم تكن تلك الأفكار مخفية ولكن كان ينشرها دومًا في مقالاته وكتاباته.

توفي الدكتور مصطفى محمود في عام 2009 عن عمر يناهز ثمانية وثمانين عام، بعد رحلة طويلة من العلاج، وشيعت جنازته من مسجده بمنطقة المهندسين وأبناءه كانوا في غاية الإحباط لأنه لم يحضر الجنازة أي من المسؤولين أو المشاهير وقتها.

تلخيص كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

هذا الكتاب يتكون من سبعة أقسام كل قسم يتحدث عن مُعضلة مر بها الدكتور مصطفى محمود في حياته، تلك الأقسام تحمل اسم “الله عز وجل، الجسد، الروح، العدل الأزلي، لماذا العذاب، ماذا قالت لي الخلوة، التوازن العظيم، المسيخ الدجال”.

وفي هذا الكتاب يقدم لنا الكاتب رحلته الطويلة من انتقاله للشك أو لعدم اليقين في الذات الإلهية إلى وصوله للاعتراف بوحدة الله عز وجل وبالطبع قد لا يروق هذا لبعض قراءنا ولكن الحل لتلك المعضلة أن تتعامل مع ذلك الكتاب على أنه كتاب أدبي وليس ديني، وتجربة حائر.

الله عز وجل

كعادة الكُتّاب الغربيين وباعتبار أن الدكتور مصطفى محمود كان يعيش تقريبًا في مكتبة البلدية بطنطا ليقرأ كتابات فرويد ودارون وأرسطو فقد عانى الدكتور مصطفى محمود كثيرًا من شكوكه في الذات الإلهية وسأل ذلك السؤال السخيف بالنسبة للكثيرين “من خلق الله؟”.

وبالطبع كان يقابل مصطفى محمود ذلك الطفل في صغره الكثير من اللعنات ممن حوله لأنه يسأل تلك الأسئلة المستفزة والمحسومة من كل من يكبرونه سنًا، وكعادته حاول الدكتور مصطفى محمود باعتباره قارئ للكتابات الغربية كما قلنا أن يحسم تلك القضية بالعلم، وأن يصل للحقيقة من خلال الفيزياء والكيمياء والطب.

وانتهى الدكتور مصطفى محمود من تلك القضية بحل يرضيه هو إلى حد ما، حيث توصل إلى أن العلم بكل تأكيد لم يتناقض مع الدين ولا الشرع أبدًا، ولكن المشكلة تأتي من أولئك أنصاف المتعلمون والذين لا يتوغلون في العلم لكي يصلوا إلى لُبِه، ويحتاج أيضًا إلى عقل ليس مزهوًا بنفسه.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

وأنا أعترض تمامًا على أغلب ما قيل في هذا الفصل، فالعلم وحده قاصر في إدراك وجود الله عز وجل لأنه علم بشري ناقص وليس لأنه نصف علم، والعقل لا يكفي للوصول للحقيقة ولمعرفة أن الله هو الأحد الصمد، فالأمر يحتاج لتسليم ولذِلَة أمام الله عز وجل أكثر منه إعمال عقل.

الجسد

والحقيقة أن الدكتور مصطفى محمود في هذا الفصل لم يقدم جديدًا ولم يحسم قضيته ولم يقنعنا فهو فقط قدم تساؤلات من قبيل، “ما العلاقة بين الروح والجسد، ما العلاقة بين العقل والمخ، ما العلاقة بين الذاكرة والتحصيل واستظهار العلوم.

وللأسف أيضًا بحث عن حل لمشكلاته وتساؤلاته هذه في العلوم البوذية، هو للأسف شغل نفسه بقضايا اختلقها هو مثل الفلاسفة، وتحدث عن الدوافع وعن الغرائز وكيف للإنسان أن يلقبه البعض انه حيوان عاقل، بالرغم من أنه قد يترك فراشه الوثير ويذهب للجهاد مثلًا تاركًا الجنس والغريزة.

وأعتقد أن الدكتور مصطفى محمود في ذلك الكتاب نقل إلينا فقط فكره المشتت وحيرته المعهودة في تلك الفترة، وتحدث عن الذات والنفس وتعريف كل منهما، حتى انتهى من ذلك الفصل ليصل لثلاثة اسئلة بخصوص الجسد والروح والعقل والنفس والذات، ولم يجيب عنها.

الروح

والدكتور مصطفى محمود في هذا الفصل يعرض لآراء المسفسطين والمحللين والرياضيين بما يخص موضوع الروح، والبعض يقول أن الروح هي الفطرة والبعض يقول أنها البداهة والبعض يقول أنها صوتك الداخلي، والبعض يقول أنها أرقى من كل ذلك.

والدكتور مصطفى محمود يرى أن الروح هي معرفة جاءت إلينا قبل شهادة الميلاد، والحقيقة أيضًا أن الدكتور مصطفى محمود في تلك الفترة لم يستطيع مغادرة ماديته في قياس وبحث الامور، ويكفيه قول الله “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”.

العدل الأزلي

وانتهى الدكتور مصطفى محمود لنهاية منطقية كان بالأحرى به ألا يُجهِد نفسه لكي يصل إليها، انتهى إلى أن الله عز وجل خلق جميع المخلوقات وركب فيها مسؤولية فطرية تجاه الحلال والحرام، فالقطة التي تسرق قطعة سمك تعلم أنها سارقة.

والحقيقة ان الدكتور مصطفى محمود يحسب له في نهاية الكتاب أنه وصل لفكرة وهي أنك إذا أردت أن تعبد الله عز وجل حق العبادة فلتعرف أسماءه وصفاته، وإليكم تلك السلسلة الماتعة لمن يريد أن يعرف أسماء وصفات الله عز وجل.

لماذا العذاب

وبدأ الدكتور مصطفى محمود عن عذاب الله عز وجل لعباده، وأن بعض المتحذلقين يقولون كيف أن الله يعذبنا وفي نفس الوقت البعض يقول أن الله محبة، ثم يحاول أن يقنعهم ان عذاب الله عز وجل لنا هو من المحبة فأنت حينما يكون لديك ابن تحبه فقد تعاقبه لأنك تحبه.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

والحقيقة أن هذا الكلام غير منضبط لأن الله عز وجل ليس محبة ولكنه هو من خلق المحبة ذاتها، فكيف نلقب الخالق بشيء خلقه، أما بخصوص العذاب فهناك الفرص الكثير للتوبة والله عز وجل كما أن عقابه شديد فهو تواب رحيم غفور، للأسف هي نفس رحلة الحيرة والشتات في هذا الفصل.

ماذا قالت لي الخلوة

قالت الخلوة للدكتور مصطفى محمود أن الجميع كاذبون وأنه هناك الكثيرين يتظاهرون بالصدق ولكنهم في الحقيقة غارقون في حيلتهم لكسب الأموال، فذلك الشاب بطل لعبة التنس كيف يخرج لنا وفي يديه سيجارة يدخنها، وكيف يخرج بطل أبطال بطولات العدو لألف متر وفي يديه كأس في أحد الإعلانات التليفزيونية.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

هو يقول أن خلوته دلته على الفطرة وعلى أن كل أولئك كاذبون ومضللون وهذا حقيقي جدًا وأعتقد أن الدكتور مصطفى محمود لو كان بيننا أو لو كنت معه في تلك المرحلة لأرشدته لكثير من الصادقين والبكائيين والمحبين لله ولكنها المشكلة أن تبحث عن الشيء في غير موضعه.

التوازن العظيم

هو باعتباره طبيب مشهور ومرموق وله عيادته التي كان يعالج فيها المرضى بالمجان تجده يحاول أن يصل لله عز وجل ويعرفه بالعلم كعادته، هذه المرة ذهب لرحلات طويلة سواء في الأدغال الاستوائية أو في داخل جسد الإنسان.

فالدكتور مصطفى محمود كان مغرمًا بالتشريح ويسأل كيف أن دم الإنسان متوازن من حيث عناصره بهذه الدقة الغريبة، كيف أن الدم به مواد من صوديوم وبوتاسيوم وكالسيوم وسكر وكوليسترول، وبولينا، وأي اختلاف بتلك النسب يكون معناه المرض.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

وضغط الدم ونبض العضلات والقلب متوازن للغاية، وهو يقول في النهاية ان ذلك الاتساق في الطبيعة ليس صدفة او بشكل غير مرتب ولكنه يدل على خلق الله عز وجل، وهو يقول أن ذلك لكي تريح قلبك لهو غيب ليس لعقل أن يفهمه الآن بقدراته البسيطة.

المسيخ الدجال

وهو يسرد ويقول أن الأديان تحكي لنا أن هناك رجل سيأتي في آخر الزمان سيدعى الألوهية سيسير خلفه البشر ويصدقوه، وله قدرات خارقة له عين واحدة يرى بها أقصى الأرض، ويحكي الدكتور مصطفى محمود ويقول أن المسيخ الدجال ظهر بالفعل ألا وهو “العلم المادي”.

وهو يوافق الكاتب “ليوبولدافايس” والذي قال أن العلم بشكله الأعور والمادي قاد الكثير للتهلكة فكل شخص يتبنى مذهب علمي معين للأسف يرى فقط أنه الأفضل ويغض الطرف عن العلوم والآراء الأخرى وهذا هو العور.

مراجعة كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود

وأيًا ما كان فالعلم فعلًا للأسف أعور، ويقول الدكتور مصطفى محمود أن العلم فتننا وجعلنا ننسى أن العلم فقط مجرد وسيلة وليس غاية في حد ذاته، فالقطار وسيلة والتليغراف وسيلة والسيارة وسيلة لا ينبغي أن نعبدها ونفتتن بها.

والحقيقة وفي نهاية تلخيصي لذلك الكتاب ذو الأسلوب الأدبي الماتع أرى ان لم يتعدى كونه محاولة مشتتة لشخص حائر أهلك نفسه بالكثير من الأسئلة، وبفرط حبه للعلم المادي المتمثل في الطب والفيزياء والأحياء والتطور، رأى ان العلم هو فقط القادر على حسم تلك القضايا فأضاع وقته في أمور بديهية.

مؤلفات أخرى مهمة غير كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان

قدمنا ملخصًا لكتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان فقط لأن الكثير من قراءنا الأعزاء طلبوه، ولكن كتابات الدكتور مصطفى محمود عامرة بالفوائد وله العديد من الكتابات المفيدة حقًا أذكر منها.

رائحة الدم، أينشتين والنسبية، 55 مشكلة حب، حوار مع صديقي الملحد، والطوافان والأفيون، وله أيضًا العديد من القصص والمسرحيات باسمه والتي صدرت عام 1972 في بيروت، وسوف نحاول أن نتناول مراجعات لتلك الكتب مُنفردة في مقالات أخرى قادمة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.