أشهر المرضى النفسيين في العالم … مايكل أنجلو

الرسام والنحات والمهندس المعماري والشاعر الإيطالي الجنسية مايكل أنجلو أو ميكيلانجيلو بوناروتي سيموني أو كما يعرف بالإيطالية (Michelangelo di Lodovico Buonarroti Simoni)، عاش قرابة ثمانٍ وثمانين عامًا (6 مارس 1475 – 18 فبراير 1564)، كان لأعماله الفنية وإنجازاته الكبيرة الأثر والمحور الفني الأكبر في عصره والذي ساهم في تطوير الفن الغربي في كل أنحاء أوربا.

كان مايكل أنجلو مهووسًا بفكرة التحدي، سواء كان ذلك في الجانب الجسدي أو العقلي، فمعظم المواضيع التي كان يختارها أو يعمل عليها كانت تمتاز بالصعوبة والدقة كما أنها تستلزم جهدًا كبيرًا وصبرًا طويلًا، بالإضافة إلى الاستعانة بعدد من العمال الفنيين من أجل رسم لوحاته، سواءٌ كانت اللوحات فنيةً عاديةً أو من نوع لوحات الجص أو أي نوع آخر، كان لحسه الإبداعي مرآة تعكس ماهيته على لوحاته وذلك من خلال خلقه لعدة معاني وأفكار ودمج الطبقات مع بعضها البعض ضمن صورةٍ واحدةٍ، الأمر الذي جعله متميزًا وعبقريًا وساحرًا في عمله، هذه اللوحات الفريدة والمميزة غالبًا ما كان يستقيها من القصص التاريخية أو الدينية أو حتى من الأساطير القديمة.

مايكل أنجلو

نشأة مايكل أنجلو

ولد مايكل أنجلو في بلدة كابريزي وترعرع في مدينة فلورنسا والتي كانت تعتبر مركز النهضة الأوروبية في ذلك الوقت، بدءًا من إنجازات فناني عصر النهضة وانتهاءً بتحف الإغريق المذهلة، في ظل الروح الثقافية والفنية التي تحيط به استطاع أن يتعلم الكثير عن أصول فنون النحت والرسم، كان والد ميكيلانجيلو والذي يدعى (لودفيكو دي ليوناردو دي بوناروتي دي سيموني) يشغل عدة مناصب حكومية أما والدته فتدعى (فرانشيسكا دي نيري دل مينياتو دي سيينا)، التي توفيت بعد معاناة كبيرة مع المرض في عام 1481 حين كان عمره 6 سنوات.

حاول مايكل خلال حياته وعمله التعرف على أكبر قدرٍ ممكنٍ من الأشخاص المثقفين ذوي المكانة الاجتماعية والدينية المرموقة، من أعضاء وزعماء الكنيسة إلى أصحاب الثراء والغنى وذلك من أجل جعل أعماله الفنية ومنحوتاته معروفة، ومن بين أولئك الأشخاص البابا يوليوس الثاني وكليمنت السابع وبولس الثالث.

شخصية وفكر مايكل أنجلو

كان مايكل أنجلو غريبًا نوعًا ما، فقد كان غير راضٍ عن إنجازاته الشخصية أو حتى الطبيعة التي اعتبرها عدوًا للفن ويجب أن يُقضى عليها، حيث كان يظن بأن المصدر الأساسي للفن هو الأحاسيس الداخلية التي تتأثر بالبيئة المحيطة بالفنان، وكانت فلسفته تحكي عن تحرير تلك الأحاسيس والأفكار وإظهارها في قطعة الرخام أو الخشب التي توجد بين يديه، كان نجاحه في تجاوز العقبات التي خلقها أمام نفسه من أجل صنع تحفه فنيةٍ مذهلًا، إلا أنه قل ما يكمل إنجاز أعماله وكأنه يعاقب نفسه ويقمع طموحه، حيث أنه حاول تدمير كل الأعمال التي قام بصنعها وبالفعل لم يبق منها إلا لوحة تعرف باسم “دراسة لجذع الذكر” والتي أتمها في عام 1550م.

مايكل أنجلو المريض النفسي

كان مايكل أنجلو يعاني من مرض يعرف باسم اضطراب ثنائي القطب، من أهم أعراض هذا المرض والتي كانت تبدو واضحة على مايكل هي تغير كبير في المزاج أو كما تعرف بنوبات الهوس، بالإضافة إلى فرط النشاط وكثرة الحركة وقلة النوم، أما الشكل الآخر لهذا المرض فهو حالة الكآبة التي يعيشها المريض حتى أنها كانت واضحة في كتابات وقصائد مايكل، هذا المرض الذي قد يبدو سببًا في نجاح هذا الفنان المتكامل إلا أن ثمنه كان صعبًا لعدم إمكانية ممارسة حياته بشكلٍ طبيعي أو التفاعل مع الآخرين.

كما أن هذا المرض كان سببًا بانعدام الصداقة في حياة مايكل، بالإضافة إلى وقوفه عائقًا أمام تقربه للنساء والتهرب منهن وبالتالي لُخصت حياته بالوحدة والانعزال والمعاناة.

مرضه أدى إلى تفوقه

إن تلك النوبات كانت ثمنًا في نجاحه وارتقاء أعماله وخلودها إلى وقتنا الحاضر، فقد جعلته يعمل بكل طاقاته وإمكانياته دون الشعور بالملل، كما أن تقلب مزاجه كان سببًا جعله يبصر الحياة والدين بوجهٍ آخر، والتي ظهرت بوضوح في أعماله والتي تأتي في مقدمتها تلك الموجودة في قبة كنيسة القديس في الفاتيكان أو حتى تجسيده لصورة الإنسان وإظهار ملامحه فكان أول الفنانين الذين قاموا بتشريح جسد الإنسان.

جنسانية مايكل أنجلو

اعتبر مايكل أنجلو موضوعه الأساسي في الفن هو جسد الإنسان العاري، الأمر الذي دفعه إلى دراسة كل حركات وتفاصيل وأوضاع الجسد ضمن بيئات مختلفة، فكانت معظم لوحاته تحتوي على شكلٍ إنساني بوضعيةٍ معينة.

اعتقد الناقدون سبب تركيز مايكل أنجلو على إظهار كل تفاصيل الجسد الذكري ما هو إلا فترة عابرة في تلك المرحلة التي تميزت بإبراز جمال الخصائص الذكرية والتي كانت تعتبر من رموز الرجولة في عصور النهضة، أما البعض الآخر كان يعتقد سبب ذلك هو حبٌ أفلاطوني مكبوت، في حين اعتبر البعض أن هذا يشير إلى نزعةٍ مثلية الجنس، كما استند الباحثون على وجود نصوص شعرية يرثي بها مايكل لشاب في السادسة عشر من عمره.

حياة مايكل أنجلو وتنقله بين المدن والبلدان

قام والد مايكل أنجلو بإرسال ابنه إلى المعلم “فرانشيسكو دا أوربينو” في فلورنسا من أجل تعليمه أصول قواعد اللغة لكن الفتى الصغير ذو الثلاثة عشر عامًا لم يبد أي ميلًا نحو العلم بل إنه كان يفضل نسخ بعض اللوحات الموجودة في الكنائس ويميل إلى مصادقة الفنانين والرسامين، وبعد ملاحظة الرغبة الكبيرة للفتى لتعلم الفن وافق الأب على تعليمه أصول الفن والرسم على يد رسام الجص الذي يدعى بدومينيكو غرلاندايو.

وصوله إلى حاكم فلورنسا

في عام 1489م طلب حاكم فلورنسا المدعو “لورينزو دي ميديشي” من المعلم “دومينيكو غرلاندايو” أن يرسل له أفضل طالبين عنده، فقام المعلم وعلى الرغم من خلافاته مع مايكل أنجلو بإرساله مع زميله “فرانشيسكو غراناسي” إلى الحاكم، وفي بالفترة الممتدة ما بين 1490 – 1492م التحق الفتى الصغير بالمدرسة الإنسانية وتعلم النحت وفنون الرسم كما زداد اهتمامه بالأدب والشعر والفكر عندما أمضى وقته في منزل حاكم فلورنسا المعروف باسم بلورينزو العظيم الراعي الأول للفنون.

سبب تشوه أنف مايكل أنجلو

أنف مايكل أنجلو المشوه

كلف حاكم فلورنسا “لورينزو دي ميديشي” مايكل أنجلو بالعمل على نقش سيدة الأدراج ومعركة القناطرة هذه الفكرة التي كان قد اقترحها الفيلسوف والكاتب “أنجلو بوليزيانو” مابين عامي (1490 – 1492م)، كان إعجاب “بيرتولدو دي جيوفاني ” واضحًا لمايكل الأمر الذي أثار الغيرة في قلب زميله “بيترو توريغيانو” فقام بضربه على أنفه ملحقًا تشوهًا فيه، حتى أنه في كل اللوحات التي يظهر بها مايكل كان أنفه المشوه بوضوح.

كان لانتقال مايكل أنجلو إلى منزل “لورينزو دي ميديشي” السبب الرئيسي في تعلمه لأصول الفن، فقد كان لحاكم فلورنسا أمنيةً وهي إحياء الفن الإغريقي واليوناني، الأمر الذي دقعه إلى جمع العديد من التحف المميزة والتي كانت المادة التعليمية لمايكل.

عودة مايكل أنجلو إلى منزل والده

على الرغم من سعادة مايكل بالأجواء التي أحيط بها في منزل حاكم فلورنسا، إلا أن هذه السعادة سُلبت منه في يوم الثامن من أبريل عام 1492م، حيث توفي حاكم فلورنسا المدعو “لورينزو دي ميديشي” فكانت وفاته خسارةً للدعم والحماية من أسرة البلاط، فعاد من جديد إلى منزل والده مليئًا بالألم، ومن صميم هذا الألم قام مايكل بنحت مجسمٍ للمسيح المصلوب وإرسال هذه المنحوتة إلى الكنيسة كهديةٍ في عام 1493م، كما أنه قام بنحت تمثال للبطل الأسطوري هرقل من الرخام وإرساله كهدية إلى فرنسا ولكن التمثال اختفى بعد ذلك تمامًا.

عودة مايكل أنجلو من جديد إلى منزل حاكم فلورنسا

في يوم العشرين من أبريل عام 1494م الذي تميز بسقوط كميات هائلة من الثلج، طلب حاكم فلورنسا المدعو “بييرو الثاني دي ميديشي” منه العودة إلى المنزل ونحت تمثال من الثلج.

الانتقال ما بين فلورنسا والبندقية وبولونيا وروما

سافر مايكل أنجلو إلى البندقية بعد أن أطيح بآل ميديشي، ثم انتقل بعدها إلى بولونيا، وفي عام 1494م وبعد هدوء الأوضاع في فلورنسا عاد إليها من جديد، حيث عمل في هذه الفترة على نحت تمثالين صغيرين وهما الصبي القديسي يوحنا المعمدان وكيوبيد الراقد، انتقل بعد ذلك إلى روما بعد طلب من لورينزو حيث بدأ العمل على منحوتة ضخمة تُمثل إله الخمر ياخوس، وهو لا يزال في الـ 21 من العمر.

أشهر أعماله

من بين أعظم المنحوتات التي قدمها وهو دون سن الثلاثين تمثال بيتتا العذراء وتمثال داوود، وفي نوفمبر من عام 1497م طلب السفير الفرنسي من مايكل نحت تمثال بيتتا خلال عام واحد فقط، وهذا التمثال الذي يتميز بأنه من أهم أعمال مايكل الباقية حتى وقتنا الحاضر.

بيتتا العذراء

عاد مايكل إلى فلورنسا في عام 1499م وعلى الرغم من اضطراب الأوضاع وسقوط مجموعة من أبرز الأشخاص في ذلك الوقت طُلب منه إنهاء مشروع للنحات “أغسطينو دي دوكسيو” كان قد بدأ بتنفيذه لكنه لم ينهه، وهو عبارة عن تمثالٍ ضخمٍ يمثل فيه النبي داوود كرمزٍ يعبر عن حرية فلورنسا، أنهى مايكل أنجلو نحت التمثال في عام 1504م الأمر الذي اكسبه شهرة كبيرة كنحات ذو مستوى عالٍ من الحرفية والتصوير الرمزي للأشياء.

تمثال النبي داوود

حاول مايكل أنجلو التعبير عن أفكاره الشخصية وإيمانه الشديد بالذات في أعماله الأخيرة، فكان تمثال صلب المسيح من وحي الديانة المسيحية، وفي الفترة الممتدة ما بين (1504 – 1547م) قام بنحت ورسم العديد من التحف الفنية التي منها لوحة العائلة المقدسة والقديس يوحنا وبناء ضريح البابا يوليوس الثاني والذي تميز بوجود منحوتة للنبي موسى في وسطه، كما أنه حصل على إجازة تسمح له بزخرفة وطلاء سقف كنيسة سيستان وغيرها من الأعمال المهمة.

قبر يوليوس الثاني

ضريح البابا يوليوس الثاني ويتوسطه تمثال للنبي موسى

تميزه عن فناني عصر النهضة

على الرغم من أنه كان يعتبر رسم اللوحات من الاهتمامات الثانوية، إلا أنه استطاع رسم لوحات جدارية ضخمة وعملاقة غيرت نظرة الفن التشكيلي الأوروبي مثل اللوحة التي رسمها على سقف كنيسة سيستان والتي مثلت قصة سفر التكوين في العصر القديم، وأيضًا لوحة يوم القيامة التي رسمت على منبر كنيسة سيستايت في روما.

يعتبر ميكيلانجيلو من الفنانين القلائل الذين أثروا بشكلٍ كبيرٍ على حياة البشرية منذ القديم وحتى وقتنا الحاضر، فأصبح أسلوبه العميق وطريقته المرنة والأنيقة حركةً ومدرسةً فنيةً تعتمد بشكل أساسي على تصوير مبادئه وأساليبه وتعليمها.

وفاته

توفي الفنان والمبدع مايكل أنجلو في الثامن عشر من فبراير عام 1546م.

قد يهمك أيضًا: 

قد يعجبك ايضا