روائع المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس

الخيل والليل والبيداء تعرفني … والسيف والرمح والقرطاس والقلم

قُدّر لهذا البيت من الشعر أن يكون قاتل قائله، فرغم كل الفخر والعزة بالنفس الناضحة من بين حروفه، فقد كان وبالًا على قائله وأودى بحياته.

تعالوا معنا في هذه الرحلة في تاريخ الأدب العربي، لنتعرف وإياكم على قائل هذا البيت، لنتعرف على المتنبي، مالئ الدنيا، وشاغل الناس، ولنعرف جزئًا من ملامح حياته وشخصيته.

روائع المتنبي ... مالئ الدنيا وشاغل الناس

من هو أبو الطيب المتنبي؟

أبو الطيب المتنبي شاعر وفارس عربي، هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي، ولد في الكوفة، وسمي بالكندي نسبة لقبيلة كندة التي ينتمي إليها، وهي من القبائل العربية الأصيلة، والتي يعود أصلها لمملكة كندة في الحجاز.

لماذا سمي بالمتنبي؟

اختلف المؤرخون على سبب تلقيبه بالمتنبي:

  • بعض المؤرخين يذهب إلى أنه ادعى النبوة، فلاحقه كثيرون، حتى أسر في حمص، وسجن فيها حتى تاب، وعاد عن ادعائه، وخرج من السجن وعاش التشرد والضياع، والانتقال من إمارة إلى أخرى، قبل أن يحط به الرحال في حلب، في بلاط سيف الدولة الحمداني.
  • ومن المؤرخين من يقول، أن لقب المتنبي أطلق عليه، بسبب أبيات له يقول فيها

ما مقامي بأرض نخلة إلا … كمقام المسيح بين اليهود

أنا في أمة تداركها الله … غريب كصالح في ثمود

  • وآخرون يرجعون سبب تلقيبه بهذا الاسم، لتفوقه على شعراء عصره، وما بعدهم من شعراء، حتى قيل بأنه يتنبأ بالشعر.

المتنبي والشعر

يعتبر المتنبي من أعظم شعراء العرب، وأكثرهم تمكنًا ودرايةً بعلوم اللغة ومفرداتها، ذاع صيته بين شعراء زمانه وأدباء عصره، وفتح شعره وأدبه له الباب واسعًا، ليدخل بلاط السلاطين والأمراء، ويكون ذو مكانة وحظوة عندهم.

نظم الشعر وهو بعمر التسع سنوات، واشتهر بالذكاء الحاد، والموهبة المبكرة.

نظم أغلب قصائده في مدح الملوك، والاعتزاز بالنفس، حتى طغى اعتزازه بنفسه على مدحه الملوك، ويظهر ذلك واضحًا في قصائده.

وكان فوق كونه شاعرًا، فارسًا شجاعًا، خاض غمار المعارك والمغامرات، ووصف كل ذلك في شعره أيما وصف. في شعره أيضًا حكمة، ووصف لطبيعة الحياة الإنسانية، وفلسفة الحياة وسبر غمارها.

شعره قوي الحبك، بديع الصياغة، قصائده كثيرة، ومعانيه متجددة، سلس التعابير، وسهل المعاني بغير ضعف، ترك أكثر من ثلاثمئة قصيدة، لا تزال إلى اليوم مفخرة للشعر العربي، ونبراسًا مضيئًا لكل من يتلمس طريق الإبداع.

نشأة المتنبي وحياته

شهدت نشأة المتنبي تفكك الدولة العباسية، وانتشار الصراعات، والممالك المتنافرة، وسيطرة الأمراء والوزراء على المناطق، والتنازع عليها، وكانت حدود الدولة نقاط صراع مستمر، وعرضة دائمة لغزوات الروم.

ولكن انتشار الأمراء وكثرتهم، فتحت الباب واسعًا أمام الشعراء، فكان لكل أمير مجلس، يجتمع فيه الشعراء، ليلقوا فيه شعرهم في مدح الأمير، ووصف مناقبه وشجاعته، فيجزل لهم العطاء حسب ما يرتئيه، ويكونون بالمقابل دعاته أمام العامة من الشعب، ليتحدثوا عن مناقبه وكرمه.

أما من اختلف منهم مع أمير من الأمراء، فكان يرتحل من الإمارة إلى إمارة منافسيه، يمدح أميره الجديد الذي يستقبله، ويهجو من سبقه، لينال حظوة ومكانة عند الأمير الجديد، ويستقر به المقام عنده إلى أجل.

المتنبي وسيف الدولة الحمداني

في مثل هذه الأجواء شب المتنبي، ورأى بدهائه وذكائه كل ما يحدث حوله، فبدأ الارتحال من بلاط إلى آخر، يمدح أميرًا هنا، ويهجوه هناك، حتى انتهى به المطاف في أنطاكية، واتصل من هناك بـ (سيف الدولة الحمداني)، أمير حلب.

ووفد عليه، وبدأ يمدحه بشعره، فأصبح ذو حظوة كبيرة عنده، ونال من جوائز سيف الدولة الكثير، فقربه منه، وانعقدت عرى المحبة والوئام بينهما.

ورأى فيه المتنبي، نموذج الفارس العربي المثالي، الذي كان يبحث عنه، وأعجبه ما شهده منه، من فخر بعروبته ودفاع عن أرضها.

فخاضا معًا الكثير من المعارك ضد الروم، وشهدا الحروب معًا، وكان وصف ذلك حاضرًا في قصائده، ولكنه وعلى عادته، أفرد لنفسه الكثير في قصائد مدح سيف الدولة، فازدادت بينهما الهوة، خاصة بوجود الكثير من المحرضين عليه في بلاط سيف الدولة الحمداني.

عاش حينها المتنبي أفضل أيامه، معززًا ومكرمًا ومترفعًا عن غيره من الشعراء في حلب، فزاد ذلك من كره المنافسين له، وبدأوا يحيكون المؤامرات، ويرمون الفتن بينه وبين سيف الدولة الحمداني، وازدادت الهوة بينهما، ولم يعد الأمير راضيًا عن تصرفاته.

خلافات المتنبي وحاشية بلاط الأمير

ازدادت خلافات المتنبي مع حاشية بلاط الأمير، وكانت الشكاوى تصل إلى سيف الدولة عنه، فلم ينتصر له الأمير في خلافه مع (ابن خالويه)، الذي رمى عليه دواة الحبر بحضور الأمير، فلم يحرك الأمير ساكنًا، ولم يعاقب (ابن خالويه) على ذلك، فاتخذ المتنبي قراره بمغادرة البلاط، وازداد البعد بينه وبين سيف الدولة، واشتد العتب والفراق.

غادر المتنبي حلب على مضض، فقد كان يرى في سيف الدولة صديقًا ونصيرًا، وكان يكن له الكثير من الاحترام والمودة، لذلك لم يكتب فيه الهجاء، بل كاتبه العتاب في كثير من قصائده.

المتنبي وكافور الإخشيدي حاكم مصر

اتجه بعدها إلى مصر، وأقام فيها بعضًا من الوقت، وحاول التقرب من كافور الإخشيدي، حاكم مصر في زمانها، ولكن الأخير ارتاب فيه ورآه طامعًا بالملك، وأحس أنه يشكل خطرًا على ملكه، فلم يقربه منه، فانتقل المتنبي منها إلى بغداد، وجال الكثير من الإمارات، يمدح الأمراء تارة ويستقر زمنًا، ثم يرتحل عن إماراتهم فيهجوهم.

أدب المتنبي وشعره

شعره في المدح

النسبة الأكبر من قصائد المتنبي، نظمها في مدح أبي فراس الحمداني، وكافور الإخشيدي.

فكان مدحه متقن، وقوي البنيان، فيه جزالة ورصانة لم تقد لغيره، ولم يكن يمدح إلا لغاية في نفسه، أو لشخص يرى أنه يستحق المدح فعلًا، وأكثر قصائد المدح كانت ل (سيف الدولة الحمداني)، الذي كما ذكرنا، كان يكن له المعزة الصادقة، والاحترام الكبير، لشخصه وطموحه، كأمير عربي مقدام.

فيقول فيه

وتَــأتِي عَـلَى قَـدرِ الكِـرامِ المَكـارِم … عَـلَى قَـدرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ

وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ … وتَعظُـم فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها

ويتابع في قصيدته ويقول

كأنك في جفن الرَّدى وهو نائم … وقفت وما في الموت شكٌّ لواقف

ووجهك وضاحٌ، وثغرُكَ باسم … تمر بك الأبطال كَلْمَى هزيمـةً

إلى قول قومٍ أنت بالغيب عالم … تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى

قصائد المتنبي في الوصف

أجاد المتنبي كثيرًا في الوصف، وخاصة وصف المعارك التي خاضها مع سيف الدولة الحمداني، لتكاد قصائده تكون سجلًا تاريخيًا، يحدد مراحل المعركة بدقة متناهية.

كما وصف الناس وأحوالهم، وحلل شخصياتهم وأخلاقهم في قصائده تحليلًا فلسفيًا عميقًا، فهذه أبيات من قصيدة له يصف فيها منتزهًا قرب شيراز، فيقول فيها:

بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ … مَغَاني الشِّعْبِ طِيبًا في المَغَاني

غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ … وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيهَا

سُلَيْمَانٌ لَسَارَ بتَرْجُمَانِ … مَلاعِبُ جِنّةٍ لَوْ سَارَ فِيهَا

خَشِيتُ وَإنْ كَرُمنَ من الحِرَانِ … طَبَتْ فُرْسَانَنَا وَالخَيلَ حتى

على أعْرافِهَا مِثْلَ الجُمَانِ غَدَوْنَا … تَنْفُضُ الأغْصَانُ فيهَا

وَجِئْنَ منَ الضّيَاءِ بمَا كَفَاني … فسِرْتُ وَقَدْ حَجَبنَ الحَرّ عني

دَنَانِيرًا تَفِرّ مِنَ البَنَانِ … وَألْقَى الشّرْقُ مِنْهَا في ثِيَابي

بأَشربـةٍ وقفن بـلا أوان … لها ثمر تشـير إليك منـه

صليل الحَلى في أيدي الغواني … وأمواهٌ يصِلُّ بها حصاهـا

أجابتـه أغـانيُّ القيـان … إذا غنى الحمام الوُرْقُ فيها

العتاب في شعر المتنبي

في قصائد العتاب بينه وبين سيف الدولة الحمداني، يظهر اعتزازه بنفسه، وعتابه على صديقه، الذي يكن له المودة والمحبة، فيقول:

        وأسمعت كلماتي من به صمم … أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

        ويسهر الخلق جراها ويختصم … أنام ملء جفوني عن شواردها

        حتى أتته يد فراسة وفم … وجاهل مده في جهله ضحكي

        فلا تظنن أن الليث يبتسم … إذا رأيت نيوب الليث بارزة

        أدركته بجواد ظهره حرم … ومهجة مهجتي من هم صاحبها

        وفعله ما تريد الكف والقدم … رجلاه في الركض رجل واليدان يد

        حتى ضربت وموج الموت يلتطم … ومرهف سرت بين الجحفلين به

        والسيف والرمح والقرطاس والقلم … الخيل والليل والبيداء تعرفني

المتنبي والهجاء

لم يكن المتنبي يكثر من الهجاء، لأنه أصلًا لم يمدح الكثيرين في شعره، فقد كان شعره في المديح، أكثره اعتزاز بنفسه، ومدح لفضائله هو، أكثر من مدح الأمراء.

لكن ما كتبه من هجاء، لاذع وحاد، وفيه سخرية وتهكم شديدين؛ فحين يهجو كافور الإخشيدي، بعد أن أفلست محاولاته في التقرب منه، يذكره بأصله كعبد قبل أن يصبح أميرًا وملكًا فيقول:

إني نزلت بكذابين ضيفهم … عن القرى وعن الترحال محدود

جود الرجال من الأيدي وجودهم … من اللسان فلا كانوا ولا الجود

ما يقبض الموت نفسًا من نفوسهم … إلا وفي يده من نتنها عود

أكلما اغتال عبد السوء سيده … أو خانه فله في مصر تمهيد

صار الخصي إمام الآبقين بها … فالحر مستعبد والعبد معبود

نامت نواطير مصر عن ثعالبها … فقد بشمن وما تفنى العناقيد

العبد ليس لحر صالح بأخ … لو أنه في ثياب الحر مولود

لا تشتر العبد إلا والعصا معه … إن العبيد لأنجاس مناكيد

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن … يسيء بي فيه عبد وهو محمود

الحكمة في قصائد المتنبي

من يقرأ شعر المتنبي ويتدبر كلامه يجد فيه من الحكمة الإنسانية والفلسفة السهلة للحياة الكثير من القواعد البسيطة المصاغة بكلام منمق جميل ليس فيه تكلف ولا تجميل ففي هذه الأبيات الجميلة مختصر مفيد لجدوى الحياة ونهايتها الحتمية فيقول:

إذا غامرت في شرف مروم … فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبناء أن العجر عقل … وتلك خديعة الطبع اللئيم

كيف كانت نهاية المتنبي ؟

يذكر المؤرخون أنه هجا شخصًا يقال له (ضبّة بن يزيد الأسدي العيني) بقصيدة مطلعها:

ما أنصف القوم ضبّة وأمه الطرطبّة

وإنما قلت ما قلت رحمة لا محبة

وضبّة هذا من قطاع الطرق، والأشرار، ممن لم يكن يؤمن جانبهم، فكان ماكرًا غادرًا، وأقدم على قطع الطرق، وسرقة ونهب الأموال، وتخريب مقام الحسين في كربلاء، وكان دائم الترحال والتنقل، من مكان إلى آخر في البادية.

فلاحقه مجموعة من أصدقاء أبي الطيب المتنبي، فالتجأ إلى حصنه، وأخذ يشتمهم ويسبهم بأفظع الشتائم، ويشتم أبا الطيب علنًا، فهجاه بقصيدته أعلاه، ذاكرًا فيه أمه ونسبه.

ولما كان عائدًا للكوفة مع ابنه وغلامه، قابل في الطريق (فاتك بن أبي جهل الأسدي)، وهو خال ضبّة، وكان معه جماعته أيضًا، فاقتتل الفريقان، وكاد فاتك أن يظفر بالمتنبي، فحاول المتنبي الهرب، فقال له غلامه، أتهرب وأنت القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني … والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فاستحى من فعلته، وعاد إلى القتال، قائلًا لغلامه: قتلتني قتلك الله، وبقي يقاتل حتى قتل في حينها. بقي المتنبي مالئًا الدنيا، وشاغل الناس، في زمانه، وحتى زماننا هذا، وربما لأجيال وعقود قادمة.

وستبقى قصائده منارة للأجيال، ولكل من أراد تذوق الشعر الأصيل، والتبحر في معانيه، ولكل باحث عن الحكمة، ومتذوق للشعر السهل الممتنع.

قد يعجبك ايضا