قصائد رثاء جبارة في الشهداء

قال تعالى: (ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون) – فهذه الآية الكريمة هي أعظم قول يمكن أن يقال في حق الشهيد، ذلك البطل الذي يضحي بدمه، ويبذل روحه رخيصةً للدفاع عن الوطن وتحقيق حريته وكرامته، وكأن جسده منارة تضيء الطريق للأجيال القادمة، وتوقد في نفوسهم العزيمة والهمة لمتابعة طريق النضال والكفاح حتى آخر نفس وقطرة دم.

ولعظمة مكانة الشهيد وأثره في مستقبل المجتمعات والأجيال، أخذ الشعراء يتفننون في نظم قصائد رثاء جبارة في الشهداء تتغنى بتضحيات الشهداء وبطولاتهم، وفي هذا المقال نقدم قصائد رثاء جبارة في الشهداء، وأجمل الأبيات التي نظمت في تكريمهم وامتداح بطولاتهم.

قصائد رثاء جبارة في الشهداء

أعلى الأذان لفجر ظل يرقبه

ثم أنثى يشتري بالروح أخراه

لبى النداء وكان الله داعيه

وأرخص العمر حين الحق ناداه

ما مات الشهيد ولكن قد مضى بطلًا

وهل يموت وقول الله زكاه؟

إن الشهيد لحي عند بارئه

مكرمٌ بنعيمٍ كان يهواه

مستبشر بأخ من بعده بطل

أن الحياة لمن ضحى بدنياه

مستبشر بنعيم ليس يدركه

إلا الشهيد فحدث عن مزاياه

أعطى الشباب دروسًا ليس يعرفها

إلا الذي ارتفعت لله يمناه

لو كان مثلك يا شهيد الرجال علا

للدين صوت وعاد الكفر يخشاه

لو كان مثلك يا شهيد الشباب لما

تجرع العرب ذلًا أنت تأباه

لكن بلينا بأجيال بلا همم

فكل عيشهم قيس وليلاه

حتى غدوا غنمًا في أرض مذأبة

فيقنص الذئب منها ما تمناه

هل يستوي الناس إن كانت منازلهم

في قمة الطود أو حلوا بأدناه؟

هل يستوي هدفًا من كان مطلبه

دار الخلود ومن أغوته دنياه؟

لا تيأسن فالشهيد قد أضاء لكم

درب الجهاد وهذا من عطاياه

يا آل الشهيد اصبروا فالله بشركم

من يصبر اليوم يعط الآجر أخراه

لا تأسون على الشهيد فإن له

مقام صدق كريمًا عند مولاه

يا له من نهار مشرق عندما أعلنت الشهادة في سبيل الوطن، ورخصت الروح للذود عن الأرض والدين والمقدسات، وعلمت الرجال معنى الشهادة والدفاع عن الوطن. لو كان كل الرجال مثلك لما تجرأ أحد بالنيل من أرضنا، ولكن أصبحت كل الرجال بلا هدف أو عزيمة فصارت أرضنا سهلة المراد للعدو.

لقد فضلك الله تعالى ورفع من شأنك عندما اختارك لتنال شرف الشهادة وتخلد عند الله تعالى في جنات الفردوس، وتنير الطريق للأجيال القادمة كي يعيشوا حياة حرة كريمة، فهنيئًا لكم يا أهل الشهيد على هذه التكرمة الإلهية من الله تعالى.

قصيدة رثاء الشهيد عبد القادر الحسيني

الشهيد عبد القادر الحسيني هو أحد القادة العسكريين والوطنيين الفلسطينيين، والده الزعيم الوطني موسى كاظم الحسيني، ولد عبد القادر عام 1908م في مدينة إستانبول في تركيا، وتلقى علومه الأولى في مدينة القدس.

عبد القادر الحسيني

وقد كتب الكثير عن حياة الحسيني ودوره الوطني وبطولاته في التصدي للمشروع الصهيوني والعصابات الإرهابية اليهودية، وسنرصد في مقالنا هذا ما جاءت به قريحة شعراءنا العرب، من أبيات قصائد رثاء جبارة في الشهداء خلدت صفحة مشرقة من تاريخ صراعنا الطويل مع الحركة الصهيونية.

ومنهم الشاعر الكبير كمال ناصر (1924 – 1973) بعنوان (مصرع البطل القائد الشهيد) كان الشاعر قد ألقاها في حفلة تأبينية أقامتها كلية (بير زيت) للبطل.

يقول الشاعر في قصيدته

أيها الموت ته علينا وفاخر

لم يطش سهمك اللئيم الغادر

أنت لم تطوه صغيراً ولكن

قد تداعت في مقلتيه الكبائر

أنت لم تطوه جبانًا ولكن

قد تهادى إليك نشوان ظافر

كم تحاشيت أن تراه فألوى

يتحداك رابط الجأش ثائر

كم سعى في مجالك الخصب حتى

بت تلقاه خاشع الطرف خاسر

أيها الموت لا تسل أنت أدرى

كيف يردى إلى حماك المغامر

دونك النعش هل ترى من عليه

تلك أنشودة الجهاد الطاهر

رددي صوتها الشجي وضجي

يا ليالي، وزغردي يا مقابر

زارك اليوم فارس عربي

عاتقيه فذاك عبد القادر

ومشى القائد الكبير إليه

ملعبًا بالشباب والشيب زاخر

ورمى جبهة الصعاليك بالنار

وللصعاليك منا الخناجر

هيه يا موت أين أنت فليت

عصية الموت من وراء المحاجر

فإذا الأرض شعلة ألهبتها

همسات الجهاد عير الحناجر

فجثا الحصن في يديه ولاحت

راية المجد بهجة للنواظر

ورنا صامتا وفي مقلتيه

ومضة النصر في صدور البواتر

فإذا قبضة الردى تدعيه

لا انتقامًا وإنما للمفاخر

وإذا الفارس الأبي طريحًا

فوق أرض نديه بالمآثر

لم يرعه الردى ولكن عرته

مثلما يعتري الغريب المهاجر

لاحت الدار دارة ثم أغفت

مقلتاه على الطيوف السواحر

ومشى القائد البطل نحو ساحة القتال محاطاً بالرفاق وبدأ بقتال الأعداء بهمة شاب يافع، وجسد رجل، وكأنه يرميهم بالنار، فلم ينل هؤلاء الصعاليك منه سوى طعنات الخناجر والموت.

أيها الموت أين ذهبت؟ فكأن الأرض أصبحت كشعلة اللهب التي صدحت من أفواه المقاتلين. وبالنهاية سقط الحصن بين يدي البطل وعلت رايتنا فوقه تسرٌ الناظرين وسكت البطل وفي عينيه نظرة الفخر بالنصر من تضحيات الأبطال.

فإذا بيد الغدر تأتيه مفاخرًا بقتل البطل وليس بداعي الانتقام. فإذ بالفارس البطل يقع طريحًا بيد الغدر فوق أرضٍ شهدت الحروب وتشهد له بانتصاراته. لقد أخذوه غدرا” واقتلعوه من أرضه كالمهاجر من أرض وطنه. بانت له الديار في نظراته الأخيرة مودعا” لها ثم أطبق عيناه على أطياف انتصاراته.

قصيدة رثاء الشهيد يوسف العظمة

شهيد معركة ميسلون، شهيد معركة الكرامة هو الشهيد يوسف العظمة البطل الذي رفض أن ينحني أمام العدوان والاستعمار رغم معرفته بعدم توازن القوى العسكرية، لكنه آثر الشهادة على أن يرى الأعداء في بلاده فقد كان رمزًا للحرية والكرامة للشعب السوري والأمة العربية.

فمن هو يوسف العظمة؟

هو يوسف بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل باشا التركماني الشهير بالعظمة

يوسف العظمة

وقد تزاحم كبار الشعراء في القرن العشرين أمام هذا الحدث المهيب ليكتبوا قصائد رثاء جبارة في الشهداء وأهمهم يوسف العظمة ما قدمه يوسف ورفاقه من تضحيات ومواقف بطولية، فهو رمز لحريتهم، مشيدين بتلك الروح الأبية التي أبلت بلاءً حسنًا في قتال العدو والتي استعصت على الذل والهوان.

قصيدة رثاء يوسف العظمة

وهنا نذكر ما قاله الشاعر أحمد شوقي يرثي البطل فوق قبره بقصيدة رائعة عنوانها “حياة لا نريد لها زيالاً” يقول فيها:

سأذكر ما حييت جدار قبر                     بظاهر جلق ركب الرمالا

مقيم ما أقامت ميسلون                         يذكر مصرع الأسد الشبالا

لقد أوحى إلى بما شجاني                      كما توحى القبور إلى الثكالى

تغيب عظمة العظمات فيه                     وأول سيد لقي النبالا

كأن بناته رفعوا منارًا                          من الإخلاص أو نصبوا مثالا

سراج الحق في ثبج الصحارى                تهاب العاصفات له ذبالا

ترى نور العقيدة في ثراه                       وتنشق من جوانبه الخلالا

مشى ومشت فيالق من فرنسا                  تجر مطارف الظفر اختيالا

ملأن الجو أسلحة خفافا                        ووجه الأرض أسلحة ثقالا

وأرسلن الرياح عليه نارًا                      فما حفل الجنوب ولا الشمالا

سلوه: هل ترجل في هبوب                    من النيران أرجلت الحبالا؟

أقام نهاره يلقي ويلقى                          فلما زال قرص الشمس زالا

وصاح ترى به قيد المنايا                      ولست ترى الشكيم ولا الشكالا

فكفن بالصوارم والعوالي                    وغيب حيث جال وحيث صالا

إذا مرت به الأجيال تترى                    سمعت لها أزيزًا وابتهالا

تعلق في ضمائرهم صليبًا                    وحلق في سرائرهم هلالا

لم تغب صورة يوسف وقبره عن ذهن الشعب وكل الزعماء الذين قادوا سورية من بعده، بل ظلت على الدوام راقدة في أذهانهم منارةً لهم، فهو القائد العربي الذي سار إلى جبهة المعركة كقائد للمجاهدين، لا كوزير حربية، وخاض معركة بطولية لم يكن منصبه يلزمه على خوضها.

قاد يوسف العظمة المعركة وهو المعروف باعتزازه بإسلامه وعروبته والملتزم بفروض دينه وتحليه بالأخلاق الإسلامية، ومضى العدو متفاخرًا بانتصاره بالرغم من معرفته بأنها معركة غير متكافئة بكل المقاييس، ومع ذلك أبى البطل العظيم إلا أن يتابع المعركة ويكمل ما عزم على فعله  دون توقف أو خوف من نيران العدو القوية، حتى أصابته قنبلة أطلقتها دبابة فأوقعته شهيدًا، وبذلك روى بدمه الطاهر أرض ميسلون ودفن في المكان الذي استشهد فيه، وما زال قبره إلى اليوم رمز للتضحية والنضال يبعث الهمة والعزيمة في الأجيال القادمة على مواصلة طريق الكفاح ضد العدو حتى الرمق الأخير.

قصيدة رثاء الشهيد عمر المختار

عمر المختار

ركزوا رفاتك في الرمال لواء          يستنهض الوادي صباح مساء

يا ويحهم نصبوا منارًا من دم           توحي إلى جيل الغد البغضاء

ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد        بين الشعوب مودة وإخاء

جرح يصيح على المدى وضحية       تتلمس الحرية الحمراء

بإقدام المعتدين على قتلك أيها البطل العظيم فقد فتحو بابًا للثأر لا ينغلق، وكأن جثمانك الطاهر هو راية انتقام مرفوعة وسط الصحراء، تمر بها الأجيال وتوقظ في نفوسهم الحقد للأعداء والكره لهم والدافع لقتال الأعداء حتى تحقيق الحرية وتحرير الأرض، بدلًا من أن يحملوا في نفوسهم المحبة والود للشعب الفرنسي.

يأيها السيف المجرد بالفلا               يكسو السيوف على الزمان مضاء

تلك الصحارى غمد كل مهند            أبلى فأحسن في العدو بلاء

وقبور موتى من شباب أمية             وكهولهم لم يبرحوا أحياء

لو لاذ بالجوزاء منهم معقل              دخلوا على أبراجها الجوزاء

فتحوا الشمال سهوله وجباله             وتوغلوا فاستعمروا الخضراء

وبنوا حضارتهم فطال ركنها            دار السلام وجلق السماء

لم تكن يا عمر المختار أنت البطل الوحيد الذي أنجبته هذه الصحاري العظيمة، فترابها شاهد على التضحيات الكثيرة التي قدمها أبناؤها بدمائهم التي روت هذه الأرض فأنبتت حضارات عظيمة وفتوحات واسعة يخلدها التاريخ ويفخر بها.

خيرت فاخترت المبيت على الطوى     لم تبن جاها أو تلم ثراءً

إن البطولة أن تموت من الظمأ           ليس البطولة أن تغب الماء

إفريقيا مهد الأسود ولحدها               ضجت عليك أرجلًا ونساء

والمسلمون على اختلاف ديارهم         لا يملكون مع المصاب عزاء

والجاهلية من وراء قبورهم               يبكون زيد الخيل والفلحاء

لقد عرضت على عمر المختار الثروات والمبالغ الطائلة، لكنه أثر كل ذلك ورفضه، واختار الدفاع عن الوطن والنضال من أجله والشهادة في سبيله، وهذا ليس بغريب عن ابن إفريقيا، ابن الصحراء التي أنجبت كل عظيم والعصور الغابرة شاهدة على ذلك.

في ذمة الله الكريم وحفظه                جسد ببرقة وسد الصحراء

لم تبق منه رحى الوقائع أعظمًا          تبلى ولم تبق الرماح دماء

كرفات نسر أو بقية ضيغم               باتا وراء السافيات هباء

بطل البداوة لم يكن يغزو على           تنك ولم يك يركب الأجواء

لكن أخو خيل حمى صهواتها            وأدار من أعرافها الهيجاء

رحم الله تعالى هذا البطل العظيم، عمر المختار الذي يشهد جسده على تضحياته وبطولاته العظيمة، فالجراح البالغة التي تملأ جسده والدماء المهدورة من دمه تدل على كثرة المعارك التي خاضها وانتصر فيها على الأعداء.

ما أعظمك يا عمر المختار! لم تركب الطائرات الحربية، ولم تملك الأسلحة الحديثة، بل إن كل ما كنت تملكه هو ظهر حصانك الذي غزوت من خلفه جيوش الأعداء الجرارة وانتصرت عليهم بعزمك وإرادتك القوية.

لبى قضاء الأرض أمس بمهجة         لم تخش إلا للسماء قضاء

وافاه مرفوع الجبين كأنه                سقراط جر إلى القضاة رداء

شيخ تمالك سنه لم ينفجر                كالطفل من خوف العقاب بكاء

وأتى الأسير يجر ثقل حديده            أسد يجرر حية رقطاء

عضت بساقيه القيود فلم ينئ             ومشت بهيكله السنون فناء

تسعون لو ركبت مناكب شاهق          لترجلت هضباته إعياء

والسن تعصف كل قلب مهذب           عرف الجدود وأدرك الآباء

قام الأعداء بأسر البطل العظيم وكبلوا قدميه بالحديد الثقيل، لكنه بقي شامخًا مرفوع الجبين كالأسد الذي تلتف حوله الأفعى الخبيثة، فلم تحن ظهره سنواته التسعين، بل زادته عزًا وكبرياءً ورفعة.

قد يعجبك ايضا