منوعات

بر الوالدين في الدنيا وبعد الممات

رأيت ذاك الشاب الأرعن، وقد بدأ يعلو صوته على رجل هرم منحي الظهر، واقف أمامه وعليه ملامح الضعف والانكسار، تساءلت في نفسي، لماذا يعلو صوته بهذا الشكل على رجل كبير بمقام أبيه، فصعقت عندما علمت أنّ هذا الرجل هو بالفعل أباه؟

بر الوالدين في الدنيا وبعد الممات

ارتعدت أوصالي، وأصابتني القشعريرة، وترددت في خاطري أسئلة كثيرة. فهل جزاء أب عارك الدنيا لتحيا بسعادة، ذلل الصعاب لتعيش بسرور، أن ترفع صوتك بوجهه وتجحد وتكفر النعمة؟

هل جزاء أم حملتك وهنًا على وهن، أعطتك من غذائها وكلسها وراحتها أن تستصغر فضلها، وتقول بملء فيك، المرأة ناقصة عقل؟

أنسيت أن هناك امرأةً فاضلةً سهرت على راحتك كي تكون على ما أنت عليه؟ أنسيت أن هناك رجلًا عظيمًا تفطّرت قدماه يومًا كي تكون على ما أنت عليه؟

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

هذه قصة بعض الشباب في يومنا هذا، ابتدأت بالبذل والعطاء من الآباء، وانتهت بالجحود ونكران الجميل من الأبناء، رغم أن الله سبحانه وتعالى جعل لبر الوالدين منزلة عظيمة، فقرنها بعبادته سبحانه عندما قال: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالله وبالوالدين إحسانًا”.

بل وعدَّ عقوق الوالدين من الكبائر، فجاء في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا وجلس، فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور”.

ثمار بر الوالدين في الدنيا

فيا لهذه المكانة العظيمة التي أولاها الإسلام لبر الوالدين، بل وأضفى عليها المزيد من الأهمية عندما جعلنا نتذوق ثمارها في الدنيا، وننعم بثمارها في الجنة بإذن الله، أما الثمار التي نجنيها بفضل بر الوالدين في الدنيا:

  • تفريج الكرب، واستجابة الدعوة: لما رواه رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الحديث عن قصة الرجال الثلاثة الذين علقوا في الغار فسأل كل منهم الله سبحانه وتعالى بأفضل عمله، فدعا أحدهم الله أن يفرج عنهم بسبب بره لوالديه، فانفرجت الصخرة.
  • البركة في الرزق والعمر: فقد وعد الله سبحانه وتعالى من بر والديه بالرزق الوفير، والبركة في العمر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “من سرّه أن يمدّ له في عمره، ويزاد له في رزقه، فليبرّ والديه، وليصل رحمه”.
  • تكفير الذنوب: فلا تقنط يا من أذنبت الذنوب العظام، فمازال هناك باب تستطيع الدخول منه وطلب المغفرة، ألا وهو باب بر الوالدين، ودل على ذلك حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حيث جاء في الحديث: “جاء رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقال: أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة، فقال: هل لك من أم، قال: لا، فقال: هل لك من خالة، فقال: نعم، قال: فبرّها”.

ثمار بر الوالدين في الآخرة

أما الثمار التي نجنيها من بر الوالدين في الآخرة:

رضا الله عز وجل: ومن منا لا يسعى لبلوغ رضا الله عز وجل، وهل حياتنا كلها إلا لننال رضا الله؟ وأي سبيل أسهل لبلوغ هذا الهدف من بر الوالدين؟ فجاء في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “رضا الله من رضا الوالدين، وسخط الله من سخط الوالدين”.

آخر ثمرة نسعى لها جميعًا هي دخول الجنة: فقد كان دخول الجنة هدف الصحابة الأول، وهذا ما دفعهم للسؤال عن الأعمال التي ترضي الله عز وجل، وتكون سببًا لدخول الجنة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “أي العمل أحب إلى الله، قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمّ أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثمّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله” ففضل بر الوالدين كان أكبر من فضل الجهاد في سبيل الله.

كيفية بر الوالدين في الدنيا

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، كيف نجني هذه الثمار العظيمة؟ وما هي سبل بر الوالدين؟

إن الفطرة السليمة تفرض على الإنسان أن يكون بارًا بوالديه، ولذلك سيجد صاحب الفطرة السليمة الجواب من تلقاء نفسه، فبر الوالدين لا يكلّف الكثير.

  • بر الوالدين يعني ابتسامة وكلمة طيّبة.
  • بر الوالدين يعني طاعة في حدود شرع الله، دون تضجر منهما.
  • بر الوالدين يعني العطف عليهما عند الكبر، والإنفاق عليهما عند الحاجة.
  • ويكون برهما بإدخال السرور لقلبهما بخبر سار أو فعل جميل أو هدية بسيطة.
  • بل برهما بالمعنى الصحيح هو فعل ما يتمنيانه قبل أن يطلبانه.
  • ولا تنسَ أن تبرهما وتحسن إليهما بزيارة خفيفة، تستمع فيها لهمومهم وآلامهم، فكم مرة سمعوا مشاكلك، وكم مرة تألموا لألمك؟ وكم مرة وقفوا بجانبك؟ ألم يئن الأوان لترد لهم جزءً من جميلهم؟

كيفية بر الوالدين بعد الممات

هذا برهما في الحياة، فهل تعلم كيف يكون برهما بعد الممات؟

لا ينتهِ بر الوالدين بموتهما، لحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، جاءه رجل من بني سلمة، وسأله: “هل بقي من بر أبواي شيء أبرّهما بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما”.

ففي الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة، وتنفيذ وصيتهما، وصلة رحمهما، تكون قد حققت برهما بعد الموت، وأما من جحد فضلهما، ونسي شكرهما، وتمادى في نكران الجميل، فقد تعهد رب العزة والجلال بتعجيل العذاب عليه.

وهذا ما ورد في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم عندما قال: “كل الذنوب يؤخر الله تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الموت”.

ودليل ذلك قصة الرجل الذي كان يحتضر زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد عق أمه، فأنهكته سكرات الموت إلا أن روحه بقيت حبيسة جسده لا تفارقه، فسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام، أله أم؟ قالوا: نعم، فطلب من أمه أن تسامحه كي تخرج روحه بسلام، وبالفعل لم تخرج روحه إلى باريها حتى سامحته أمه.

فمن عقّ والديه سيجد مرارة العيش في دنياه، ونار جهنم في آخرته، فلا هو برابح في الدنيا ولا بالآخرة، ولكن قبل أن نحكم على الولد أهو عاق أم لا، يجب أن نتأكد هل عقه والده؟

وهل يعقّ الوالد ولده؟

نعم يعقّ الوالد ولده عندما لا يحسن اختيار أمه، ولا يحسن اختيار اسمه، ولا يعلمه القرآن، فإن لم يقم الأب بواجبه تجاه ابنه فلا ينتظر أن يقوم الابن بواجباته تجاه والديه.

وأخيرًا وبعد أن استعرضنا ثمار بر الوالدين، ألا تستحق هذه الثمار أن نبذل الجهد اليسير للحصول عليها؟ ألا تستحق جنة عرضها السماوات والأرض أن نسعى إليها؟ ألا يستحق أب وأم بذلوا الغالي والنفيس من أجل سعادتنا أن نرد جزءً من معروفهما؟