عملية زراعة الرأس … العملية الجراحية الأغرب والأولى من نوعها

تحت عنوان (إعادة المرضى للحياة في هيئة جديدة) كشف جراح المخ والأعصاب الإيطالي البروفيسور سيرجيو كانافيرو (Sergio Canavero) عام 2015 عن خطته لإجراء أول عملية زراعة رأس على البشر في العالم، بمعنى أخر نقل رأس من جسم إلى جسم آخر، وبمعنى علمي أدق عملية نقل جسم.

نجاح العملية يمكن أن يكون قفزةً علميةً متطورةً في مجال طب الأعصاب وعلاج الكثير من الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي والعضلي والتي تسبب حالات من الشلل الجزئي أو الكلي، وسوف تعيد الأمل للمرضى المصابين بالسرطان من خلال الحد من تفشي المرض في أجزاء الجسم.

عملية زراعة الرأس

هل تم إجراء هذا النوع من العملية من قبل؟

هذا النوع من العملية لم يتم إجرائه على البشر أبدًا، ولكن ومنذ بداية القرن العشرين كانت هناك محاولات مستمرة لتطبيقها على الحيوان.

بالفعل، ففي عام 1908م استطاع طبيبان يدعيان (Dr. Chartes Cuthria & Dr. Alexis Carret) أن يقوما بزراعة رأس كلب على جسم كلب ثانٍ دون إزالة الرأس للكلب الأول. ولكن ظهر على الرأس المزروع استجابات لمؤثرات صوتية وبصرية لفترة صغيرة بعد العملية، لكن خلال ساعات حصل تدهور خطير في جسم الكلب واضطر الأطباء إلى تعريض الكلب للقتل الرحيم.

قام الأطباء بعد ذلك بتطوير عملية قطع وتوصيل الأوعية الدموية من شرايين وأوردة للرأس المزروع، والذي اعتبر إنجازًا كبيرًا في المجال الطبي وكافيًا للحصول على جائزة نوبل.

في الخمسينيات كرر طبيب روسي يدعى (Dr. Vladmir Demikhov) هذا النوع من العملية بعد أن قام باختراع جهازٍ صناعي للقلب والرئة من أجل المحافظة على استمرار وصول الدم والأكسجين للرأس بعد انفصالها عن الجسم الأول وقبل أن يتم توصيلها بالجسم الجديد، وبذلك استطاع الكلب ذو الرأسين أن يعيش ويرى ويأكل ويشرب لمدة 29 يوم بشكلٍ كامل.

زراعة رأس كلب

وفي عام 1965م بدأ طبيب أمريكي يدعى (Robert White) بإجراء تجاربه على نوع من القرود، ولكن هذه العملية تمت بإزالة الرأس من القرد الأول وزراعته على جسم القرد الثاني بعد إزالة رأسه بشكلٍ كامل وليس كالعمليات السابقة بوجوده. استطاعت القرود بعد ساعات من إجراء العملية أن تفتح عينيها وتمضغ الطعام وتعض الذي يهاجمها، ولكنها أيضًا كانت تموت بعد عدة ساعات من إجراء العملية بسبب وجود مشاكل في توصيل الأوعية الدموية.

زراعة رأس قرد

مؤخرًا وفي عام 2015 قام فريق صيني باستخدام طريقة جديدة في قطع وتوصيل الأوعية الدموية وكرروا التجارب على مجموعة من الفئران، نصف الفئران استطاعت أن تعيش أكثر من يوم كامل بعد إجراء العملية.

زراعة رأس فأر عام 2015

الآن وفي هذا العام 2017 وبعد أكثر من مئة عام من بداية المحاولات لإجراء هذا النوع من العمليات قرر د. كانافيرو أن يقوم بتطبيقها على البشر وقام بتسميتها باسم HEAVEN) head anastomosis venture).

ما هي خطة د. سيرجيو كانافيرو (Sergio Canavero)؟

الطبيب سيرجيو كانافيرو وأول عملية زرع رأس لإنسان

خطة د. كانافيرو تتضمن وجود شخصين الأول متبرع بالجسم والثاني مستقبل لهذا الجسم بعد فصل رأسه عن جسمه، فصل الرأس يعني قطع للأوعية الدموية (مجرى الدم)، والقصبة الهوائية (مجرى التنفس والهواء)، والمريء (مجرى الأكل والشرب)، والحبل الشوكي والأعصاب من جسم المستقبل وإعادة توصيلهم من جديد في جسم المتبرع.

ما هي المشاكل التي تعيق إجراء هذه العملية؟

المشكلة الأولى

قطع الأوعية الدموية يعني توقف وصول الدم والأكسجين للرأس بما فيه الدماغ (وهذا يعني موت الدماغ)، ولكن الحل الذي افترضه د. كانافيرو أنه سيقوم بتبريد الرأس لفترةٍ طويلةٍ، وذلك لأن خفض درجة الحرارة عن الرأس يساعد على أن يبقى على قيد الحياة لفترة أطول.

ما هو مفهوم حفظ أو تبريد الأعضاء؟

انخفاض درجة حرارة الجسم درجة واحدة فقط (C°1) يسهم في تقليل نشاط الخلايا بنسبة 30%، والخلايا عندما لا تعمل بشكلٍ كبير، هذا يعني أنها لا تحتاج إلى استهلاك الأكسجين بشكلٍ كبير. وبالتالي، هي ليست بحاجة إلى دم بكميات كبيرة. بالإضافة إلى أنها تنتج كميات أقل من الفضلات التي تتراكم عليها وتسبب تلفها، وهذا يسهم في المحافظة على حياة العديد من الأشخاص.

المشكلة الثانية

قطع الحبل الشوكي (الحبل الشوكي هو الحبل الممتد من نهاية الدماغ داخل الفقرات على امتداد الظهر، ويتكون من حزمة من ملايين الخلايا العصبية، وظيفتها نقل الإشارات العصبية بين الدماغ وباقي أعضاء الجسم، مثل الإحساس بالألم واللمس والحرارة من الجلد إلى الدماغ حتى يستوعب هذه الإشارات ويترجمها، بالإضافة إلى دوره في إعطاء أوامر للعضلات حتى تنقبض وتنبسط وبالتالي التحرك بشكل إرادي، وأيضًا أوامر من الرئة للدماغ من أجل تنظيم عملية التنفس، كما أنه مسؤول عن رد الفعل الانعكاسي.

وبالتالي، المشكلة تكمن أن الخلايا العصبية التي يتكون منها الحبل الشوكي مختلفة قليلًا عن باقي الخلايا. حيث أنها الخلايا الوحيدة التي لا تستطيع الانقسام.

وماذا ينتج عند عدم قدرة هذه الخلايا على الانقسام؟

عدم قدرة الخلايا العصبية على الانقسام يعني أنها لا تستطيع أن تعوض التلف الذي يحدث في الخلايا أو أن تقوم بإعادة بناء نفسها مثل باقي الخلايا.

مثلًا: عند التعرض لحادثٍ ما وتسبب بانقطاع الحبل الشوكي، الخلايا العصبية التي تشكله إذا تعرضت للقطع أو التلف تشكل ما يسمى ندبة (Scar)، هذه الندبة تمنع بأي شكل من الأشكال إعادة نموها أو استعادة وظيفتها.

وبالتالي، قطع الحبل الشوكي يعني قطع الاتصال ما بين الدماغ والجسم، وبالتالي حدوث شلل في العضلات وفقد الإحساس وفقد القدرة على تنظيم التنفس والتحكم في الإخراج والعديد من الوظائف، والتي تتأثر جميعها على حسب درجة الإصابة ومكانها. حتى أنه في تجارب زراعة الرأس والتي استطاعت الحيوانات أن تعيش بعدها لفترات قصيرة كانت الحيوانات تعاني من شلل رباعي وذلك بسبب عدم قدرة الأطباء على توصيل الحبل الشوكي بعد قطعه.

إذن ما هو الحل لهذه المشكلة؟

مشرط عالي الدقة لقطع الحبل الشوكي في عملية زراعة الرأس

يقول د. كانافيرو أنه يمتلك الحل لهذه المشكلة، وذلك يتم عبر قطع الحبل الشوكي بمشرط من نوعٍ خاص، غاية في الدقة يعمل بوحدة المايكرومتر (مليون من المتر)، تكلفته لوحده تصل إلى مئتي ألف دولار، دقته وحدته وسرعته العالية سوف تمنع تشكل الندبة، وبالتالي يستطيع أن يقوم بتوصيل الخلايا العصبية من جديد بواسطة مادة تدعى (PEG)، وبالفعل فقد ثبت بأن هذه المادة استطاعت أن تعيد توصيل الخلايا العصبية المقطوعة، “ولكن فقط بعد أن تم تطبيقها على الفئران والكلاب والخنازير”. الشرط الأساسي لاستخدام هذه المادة هو وضعها على مكان القطع بسرعة وبمدة لا تتجاوز ثلاث دقائق.

ولكن لا يكفي هذا، فتكملة الحل بالنسبة لهذه المشكلة، بعد العملية سيتم إدخال المريض عمدًا في غيبوبة لمدة أسابيع حتى يتم توصيل الخلايا العصبية ببعضها.

والمشكلة الأخيرة والتي ذكرها د. سيرجيو كانافيرو أن ما يعيق إجراء هذه العملية هي التكلفة الضخمة والتي قد تصل لحوالي العشرة ملايين دولار.

ما عدد الأطباء المشاركين في إجراء هذه العملية؟

حتى يتم إجراء هذه العملية بنجاح، هي بحاجة إلى فريق طبي مكون من 150 فرد و36 ساعة عمل ومتبرع ومستقبل.

المتبرع ميت دماغيًا (Brain Dead) أي شخص تعرض دماغه لضرر دائم لا سبيل لعلاجه، ولكن مازال جسده على قيد الحياة عبر المحافظة على تأمين الدم والأوكسجين لكل أعضاء جسمه باستخدام أجهزة القلب والرئة الصناعية.

المستقبل للجسم مريض روسي يدعى فاليري سبيريدونوف (Valery Spirldonov)، يعاني من مرض وراثي نادر ليس له علاج، يصيب الجهاز العصبي العضلي بالكامل ويسبب شلل شبه كامل لكافة العضلات وبالتدريج يصل الشلل لعضلات التنفس أيضًا، الأمر الذي قد يسبب وفاة المريض في سنٍ صغير.

الروسي فاليري سبيريدونوف الذي يخضع لأول عملية زراعة رأس

ويمكنكم متابعة هذا الفيديو الذي يتضمن مقابلة باللغة الإنكليزية مع الشاب الروسي فاليري سبيريدونوف الذي سيتم نقل رأسه إلى جسم الشخص المتبرع.

ما هي نسبة نجاح العملية حسب افتراض د. كانافيرو؟

نسبة نجاح العملية حسب افتراض د. كانافيرو تصل لحوالي 90%.

ما هي المشاكل التي قد تحدث بعد إجراء العملية؟

حسب العلوم الحديثة المتخصصة في دراسة إدراك الإنسان، جسم الإنسان يمثل جزء كبير جدًا من وعيه وإدراكه، وفي حالة نجاح العملية سيواجه المريض صعوبات كبيرة جدًا في التعامل مع الصورة والهوية الجديدة لجسمه المزروع، هذه الصعوبات تؤدي إلى حدوث اضطرابات نفسية خطيرة يمكن أن توصله للجنون والموت.

هذه الدراسات التي تم تطبيقها على حوالي 90 مريض جميعهم خضعوا لعمليات زراعة أعضاء مثل نقل يد أو طرف علوي فقط، اتضح أن الكثير من المرضى عانوا من عدم القدرة على الاندماج نفسيًا مع اليد المزروعة، لمجرد مثلًا وجود علامة واضحة لجرح البتر والزراعة واختلاف في لون الجلد وشكل الشعر فيه، هذه التفاصيل البسيطة كان لها تأثير سلبي كبير على الحالة النفسية للمريض، الأمر الذي جعلهم يتوقفوا عن تناول الأدوية الضرورية جدًا لمنع مهاجمة جهاز المناعة لليد المزروعة. وبالتالي، فشل عملية الزرع.

بعض المرضى ظهرت عليهم أعراض لسلوكيات عدوانية وعنيفة ضد اليد المزروعة على اعتبار أنها شيء أو حالة غريبة لا تخصهم أبدًا. فكيف إن كان العضو المزروع هو الجسم بالكامل.

وعلى افتراض أن المريض بعد إتمام العملية سوف تبقى حالته النفسية جيدة وسليمة وسوف يتخطى كل المشاكل التي تحدث قبل العملية وبعدها. المريض المستقبل للجسم لو أراد إنجاب أطفال، الحيوانات المنوية الصادرة عن الأعضاء التناسلية للجسم هي خاصة بجسم المتبرع أي لا يمكن اعتبارها خاصة بالشخص المستقبل للجسم. وبالتالي، الأطفال التي ستلد ستحمل الصفات الوراثية الخاصة بالجسم المزروع.

ولكن ما تفسير أن المريض سيعتبر الجسم جسمه حسب رأي د. كانافيرو؟

وضع رأس شخص ما على جسم شخص آخر يمكن أن يؤدي إلى “ردود فعل نفسية غير متوقعة” لذلك أنشأت شركة إنفنتوم (والتي تهتم بتقنيات الهندسة الحيوية) نظام الواقع الافتراضي الذي يمكن أن يساعد على تدريب المرضى مثل السيد سبيريدونوف للتأقلم مع الوضع الجديد لجسمه.

وقال الرئيس التنفيذي ألكسندر بافلوفسيك لشركة انفنتوم أن نظام الواقع الافتراضي سيتم استخدامه قبل الجراحة لمنع حدوث ردود الفعل غير المتوقعة.

وأضاف: “نحن نجمع بين أحدث التطورات في الواقع الافتراضي لتطوير أول بروتوكول في العالم لإعداد المريض للحرية الجسدية بعد إجراء الزرع”.

وعندما كشف البروفسور كانافيرو عن هذا النظام خلال المؤتمر الذي أجراه في الكلية الملكية للأطباء والجراحين في جلاسجو ببريطانيا، وصفه بأنه يعد المريض بأفضل طريقة ممكنة لعالم جديد سيواجهه مع نظيره الجسم الجديد. وبالتالي، إمكانية الانخراط في العمل بسهولة والتعلم بسرعة وكفاءة عالية.

ما هي البلدان التي تمنع نقل الأعضاء التناسلية من شخص لآخر؟

تعتبر إيطاليا (وهي بلد د. كانافيرو) وحسب القانون الإيطالي، من البلدان التي تمنع نقل الأعضاء التناسلية بين البشر. وعملية د. كانافيرو لنقل الجسد تتضمن بالضرورة نقل الأعضاء التناسلية.

ما الذي يمكن كسبه من نجاح هذه العملية؟ وما الذي يمكن خسارته؟

زراعة الرأس

تعتبر هذه التجربة غاية في الأهمية فإن تم إنجازها بنجاح سوف تسهم في إعادة الحياة والأمل لشخص عانى الكثير. وبالتالي، تمكنه من ممارسة حياته من جديد دون الإحساس بعدم الثقة أو الضعف. بالإضافة إلى اعتبارها من أهم الإنجازات الطبية والتي تفتح الباب للقيام بالعديد من العمليات المشابهة.

ولكن إن فشلت فإنها تسهم في خسارة جسم كامل يحتوي على أعضاء مهمة تفيد وتعيد الحياة للعديد من الأشخاص ممن هم بحاجة إلى كلية أو كبد أو رئة أو قرنية أو قلب، إلى جانب أن السماح لهذا النوع من التجارب رغم احتمالية فشله يمكن أن يخلق شعور بالاشمئزاز والرفض عند العالم تجاه فكرة التبرع بالأعضاء.

في النهاية …

عمومًا عملية من هذا النوع تعتبر مجنونة وخيالية والدكتور كانافيرو لم ينكر هذا أبدًا في بحثه الذي قام بنشره عام 2016، والذي ذكر فيه أن الكثير من الإنجازات الطبية التي نعيشها حاليًا هي مجرد أفكار غبية أو مجنونة، مثل الطيارات والصواريخ والمشي على القمر والسفر لكواكب بعيدة والتلقيح الصناعي والاستنساخ وحتى الـ (smartphone) جميعها كانت للحظات أفكار من الخيال والجنون ومن الأمور المستحيلة في مواجهة التفكير التقليدي، والتي تحولت جميعها إلى حقيقة بسبب شجاعة أصحابها وتصميمهم على تنفيذها.

فهل نهاية 2017 ستحمل لنا مفاجئة تحقيق فكرة مجنونة وخيال مكانها فقط في الأساطير والأفلام؟؟؟؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.