مقالات أخرى مميزة

قصة قصيرة مضحكة لرجل بخيل وزوجته القانعة

كان يا ما كان في قديم الزمان، زمن البيوت العربية القديمة التي تتسع للأهل والجيران، والأقارب والخلّان، كان هناك عائلة ميسورة الحال، إلا أن النعمة لم تكن بادية على أهلها، فرب الأسرة شحيح مقتر على نفسه وأهله، وزوجته راضية بنصيبها قانعة به على مضض، فلم يكن باليد حيلة إلا الصبر على هذا الزوج الشحيح.

قصة قصيرة مضحكة لرجل بخيل وزوجته القانعة

فالخبز المبلل بالماء مع الزعتر هو فطورهم وغداؤهم، أما العشاء فلا داعي له، فهو يؤدي إلى البطنة، والبطنة تذهب الفطنة هذه هي حجة صاحبنا.

ورداؤهم – قد أكل الدهر عليه وشرب – مرصع بالرقع التي لم تعد تتسع لها ثيابهم البالية، أما طلبات الزوجة فمرفوضة سلفًا، ولذلك لا تجرؤ على طلب أي شي مهما قل أو كثر صغر أو كبر.

ومرت الأيام، وبدأ التضجر والتململ يظهر على هذه الزوجة، فلم يعد باستطاعتها التحمل أكثر من ذلك، فقررت الخروج عن صمتها، وإعلان العصيان، فإما أن يتغير حالها ويتغير زوجها أو تذهب لبيت أهلها وتترك الجمل بما حمل.

وفي ليلة من الليالي، وبينما هي جالسة مع زوجها على ضوء الشمعة التي بالكاد تنير ناحية من الغرفة، طلبت منه طلبًا لم يسبق لها أن طلبت ما هو أقل منه.

فقالت: يا أبا فلان، أريد أن أطلب منك طلبًا، ولكن أخاف أن تغضب مني.

فقال بعد أن قطب وجهه: هاهااا بدأنا بالطلبات، واستأنف باستهزاء: ماذا تريد زوجتنا المصون؛ كي نخبر الخدم بتحضيره على طبق من ذهب.

ترددت كلماتها وكادت تختنق بها: أريد أن أطبخ طبق الكبة، وأردفت بسرعة: مرة واحدة في حياتي.

فانتفض الرجل وقد احمر وجهه، وكأنه بركان يغلي وسينفجر بالمكان وقال: ماذا؟ ماذا قلت؟ أعيدي على مسامعي لم أسمع؟

الزوجة: أرجوك يا أبو الشباب مرة واحدة، والله لم أذقها منذ أن خرجت من بيت أهلي.

فقال لها ببرودة أعصاب بعد أن وجد لها الحل: ولم لا تطلبيها من أهلك ألا يستطيعوا أن يشبعوك منها؟ وما الضير إن أعدتها والدتك، ودعتنا للغداء.

ما رأيك أن تقترحي عليهم هذا، ونوفر بذلك غداء غدٍ؟

فردت الزوجة بخجل: والله إني لأستحي أن أطلب منهم هذا الطلب وأنا متزوجة.

فقاطعها قائلا ً: إذن اصمتي ولا تتوحمي مرة ثانية.

فسكتت الزوجة المظلومة، ولم تستطع أن تنبس ببنت شفة، مخافة أن ينهال عليها بالضرب، ولكن عصيانها لم ينتهِ هنا بل أخذت تفكر بطريقة أخرى، فعادت في اليوم التالي، وكررت عليه نفس الطلب ولكن في هذه المرة قابلها الزوج بحدة أكبر وضربها ضربًا مبرحًا كي لا تفتح فمها مرة أخرى.

إلا أن الزوجة لم تعرف اليأس، فعادت في اليوم التالي وطلبت نفس الطلب بعد أن هيأت نفسها وأولادها للخروج، وهددته هذه المرة بأنها ستذهب لعند أهلها، وتطلب الطلاق إن لم يلبِّ لها هذا الطلب.

ففكر قليلًا وبعملية حسابية بسيطة وجد أن تكلفة وجبة الكبة أقل بكثير من تكلفة طلاقها والمؤخر والنفقة…. وما إلى هنالك.

فوافق على طلبها مرغمًا، ولكن اشترط عليها شرطًا واحدًا.

فقال: أوافق ولكن بشرط.

أجابت الزوجة بسرعة: وأنا أوافق على شرطك قبل أن أعرفه.

الزوج: لا، يجب أن تعرفي الشرط وتنفذيه.

الزوجة: فما هو؟

الزوج: أقبل شريطة أن لا تخبري أحدًا بأننا سنطهو هذا الطبق، ولا يذوقها أحد غيرنا، خصيصًا الأهل والجيران.

الزوجة: نعم موافقة.

وفي اليوم التالي وبعد أن ذكّرته بالموضوع عشرات المرات عاد إلى المنزل ومعه لوازم الطبخ.

استيقظت الزوجة في صباح اليوم التالي سعيدة مستبشرة، وبدأت بتحضير الطعام، ولكن تذكرت أنها لم تحضر هذا الطبق من قبل، ولا يوجد عندها ما يسمى بـ (جرن الكبة) وهو وعاء كبير تدق به المادة الأساسية وهي البرغل، فاحتارت المسكينة ماذا تفعل، هل تستعيره من عند جارتها، أم من عند أهلها؟ وفي كلا الحالتين ستخالف شرط زوجها.

وبعد برهة من التفكير توصلت إلى أن زوجها لن يرجع من عمله حتى المساء، وستنبه على أولادها ألا يخبروا والدهم أنها استعارت (جرن الكبة)، وبذلك لن يعلم بفعلتها.

وبالفعل ذهبت لعند جارتها الباب، وطلبت منها جرن الكبة بكل خجل، فأعطتها الجارة الجرن وعرضت خدماتها عليها، فوافقت الزوجة بكل سرور، وأقبلتا على العمل يدًا بيد إلى أن انتهين من تحضير الطعام، دون أن يشعرن بمرور الوقت.

لم تنتبه الزوجة أنه قد انتصف النهار، ولم يعد هناك متسع من الوقت كي تعد الجارة الطعام لأهل بيتها، فطلبت الجارة بكل خجل من الزوجة صحنًا صغيرًا لعائلتها.

ترددت الزوجة قليلًا وهي تعلم أن زوجها لن يرضَ بذلك، إلا أنها لم تستطع رفض طلب الجارة، فأعدت لها طبقًا يكفي أسرتها، وقدمته لها بكل رحابة صدر، وانتهى كل شيء على أحسن ما يرام.

عاد الزوج من عمله فشم رائحة تذيب القلب من جمالها، فالطاولة قد ازدانت بجميع أنواع الكبب، ولكن وقبل أن يجلس ويضع في فمه لقمة واحدة إذا بالباب يدق، ذهب صاحبنا مسرعًا ليفتح الباب، فتفاجأ بابن الجيران وبيده صحن من الحلويات.

الزوج: أهلًا يا أحمد، ما الأمر؟

أحمد: ماما تسلم عليكم وتقول لكم: سلمت يدا الخالة على الكبة، وها هو صحنكم.

جفل الزوج قليلًا ريثما استوعب الأمر، ومن غير تفكير أغلق الباب بوجه الولد دون أي كلمة شكر، وبعد دقائق استطاع الزوج استيعاب القصة، وهنا جن جنون الزوج وبدأت عفاريت السماء والأرض تتراقص أمام عينيه، ماذا؟ هذا صحننا؟

وبسرعة البرق ذهب لعند الزوجة حاملًا الصحن بيده، فسألها: صحن من هذا؟

فقالت بخوف قطع أوصال كلماتها حتى لم تعد تُفهم: إإإنه صححححننا.

فسألها بهدوء غريب، في حين أن الدم يكاد يتفجر من عروق وجهه النابضة: وماذا يفعل صحننا عند الجيران؟

الزوجة: بالله عليك اصبر عليّ، سأخبرك بما جرى معي، وأنت احكم….

الزوج مقاطعًا لها: ألم أقل لك لا تخبري أحدًا؟

الزوجة: نعم ولكن….

الزوج مقاطعاً: إذن نقضت العهد، وأطعمت الأهل والجيران وأبناء الحي، فلا تلوميني على تصرفي بعد الآن، لأنك ستجدي مني العجب العجاب.

وإذا به يستلقي على الأرض، ويغمض عينيه، ويخرج لسانه متظاهرًا بالموت، ويقول لها: لن أنهض حتى تعيدي أقراص الكبة التي أكلها الجيران، ولن أعود للحياة حتى يحصل ما أمرت به.

الزوجة مذهولة: ماذا تقول يا رجل كيف أعيدها؟

الزوج: لا أعلم، تحملي نتيجة تصرفاتك.

الزوجة: بالله عليك يا زوجي العزيز لا تفعل هذا، ما تطلبه شيء مستحيل؟

الزوج: لا علاقة لي، اجمعي الجيران بسرعة، وقومي بمراسم الدفن لأني لن أنهض حتى تعود أقراص الكبة.

الزوجة: كيف سندفنك وأنت حي يا رجل؟! ستموت تحت الأرض.

الزوج: لا، لا لن أموت، لا تتظاهري بالحب والحنان، اطلبي ممن يدفنني أن يترك لي فتحة فوق رأسي كي أتنفس منها.

الزوجة: يا رجل أرجوك لا تفعل هذا بي.

الزوج (يفتح عينيه ويرفع رأسه) ويسأل: هل عادت أقراص الكبة؟

الزوجة: لا

فيعود ليستلقي مرة أخرى ويتظاهر بالموت.

وبالفعل بدأت الزوجة تصرخ وتولول؛ كي تجمع الجيران وتعلن نبأ وفاة زوجها، فاجتمع الجيران وبدؤوا يعدون للدفن، وخرجت المرأة في الجنازة وهي تصرخ وتولول على زوجها الفقيد.

وعندما أرادوا دفنه طلبت منهم أن يتركوا له فتحة فوق رأسه كي تزوره من فترة لأخرى وتخاطبه، فحبها له ليس له حدود ولا تستطيع أن تستوعب بعده عنها.

وبعدما انتهت مراسم الدفن، ذهب الجميع إلى دورهم إلا الزوجة، بقيت بجوار القبر لعلها تؤثر على زوجها وتقنعه بتغيير رأيه.

قالت له: قم معي يا رجل وكفانا لعب، أصبح الأمر جديًا والجميع قد صدق نبأ وفاتك، قم معي للمنزل وأعدك ألا أصنع طبق الكبة بحياتي كلها، ولن أطلبها منك بعد اليوم.

فتح عينيه وقال لها: عادت أقراص الكبة؟

الزوجة بصوت منخفض: يا الللللللللله ماذا أفعل الآن؟

الزوج: عودي وأعيدي أقراص الكبة، وعندها فقط أعود.

عادت المرأة مكسورة الخاطر إلى بيتها، والحزن يملأ قلبها، وفي منتصف الليل وبعد أن هدأت المقبرة تمامًا، إذا بصاحبنا يسمع صوتًا بعيدًا، فتسرب الخوف لقلبه، من يأتي في منتصف الليل إلى المقبرة؟ من يجرؤ على فعل هذا؟ وبدأ الصوت يقترب منه شيئًا فشيئًا، فتبين صوتًا يقول: هنا، هنا ضعها هنا، وإذا بشيء مضيء يوضع في الحفرة الموجودة فوق جبين صاحبنا.

ويخترق الصمتَ رنين قطع معدنية كأنها نقود، نعم إنه رنين النقود، فطالما سمع هذا الصوت وهو يعد ماله.

وإذا بأحدهم يقول: خذ هذا لك، وهذا لي.

وبينما هما يتقاسمان المال، بدأت الشمعة المركونة في الحفرة فوق جبين صاحبنا بالذوبان، فنزلت أول قطرة شمع على جبينه، لم يتحمل الرجل حرّها فأخذ يصرخ بملء فيه.

صعق اللصان من هول الموقف، كيف يعود ميت للحياة؟ وركضا بكل ما أوتيا من قوة، وتركا وراءهما كنزهما الثمين.

حاول الزوج أن يخلص نفسه، فوجد فوق قبره كنز ثمين، لم تتحمل عيناه هول المنظر، فنسي قرص الكبة ونسي أنه في عداد الموتى، وقام مسرعًا إلى داره، طرق باب الدار على عجل.

فأجابت زوجته بخوف: من الطارق؟

قال: أنا زوجك، افتحي يا حبيبتي.

قالت بحذر: من زوجي؟ زوجي مات، وأنا الآن وحيدة، لا أستطيع أن أفتح لأحد.

قال: افتحي بسرعة قبل أن يراني أحد، معي مال وفير، افتحي كي أقصّ عليك ما جرى معي.

وفجأة خطرت ببالها فكرة تلقنه بها درسًا لن ينساه، فقالت: أنا لا أصدق كلامك، سأشق الباب كي ترني المال، فإن كنت صادقًا فتحت لك وأدخلتك، وإن كنت كاذبًا لا تتوقع مني أن أدخلك.

فوافق صاحبنا من غير تردد.

فتحت الزوجة الباب، وقالت أين المال؟

قال: ها هو.

فقالت: لا أرى شيئًا، فالظلمة حالكة قربه مني، قرب الزوج المال من زوجته، وإذا بها وبسرعة خاطفة تأخذ المال وتغلق الباب مجددًا.

فقال صاحبنا: لم أغلقت الباب، أعيدي إليّ كنزي.

فقالت له: سأعيد لك الكنز إن أعدت لي قرص الكبة، وهذه هي نهاية البخل والبخلاء.