أكاديمية كرة القدم مصنع النجوم

مع ظهور قوانين اللعب المالي النظيف في الدوريات الأوروبية، ازداد الاهتمام بتنمية الشباب، وبات للاعبين الصغار دور كبير في صناعة أمجاد الأندية، وأصبحت أكاديمية كرة القدم من أساسيات النوادي.

وبما أن الاستثمار في كرة القدم للشباب مستثنى من بعض هذه القوانين، فإنه من المرجح أن يصبح لأكاديميات الشباب دور متزايد الأهمية في خطة عمل كل نادٍ في تخطيطه لمستقبله، بحيث سيصبح الحل الأمثل للابتعاد عن المصاريف الضخمة، التي بدأت تزداد بشكل غير منطقي، وعن الأجور المرتفعة للاعبين.

أكاديمية كرة القدم

وعلاوة على ذلك، فقد تم إدخال قانون جديد تسمح للأندية بإشراك عدد لا محدود من اللاعبين تحت سن الواحد والعشرين في جميع البطولات الأوروبية، لتشجيع الأندية على الاستثمار في تنمية الشباب، الذي يعد شريان الحياة للأندية الصغرى على وجه الخصوص، ومفتاحًا لنجاحها على المدى المنظور.

أهمية تنمية الشباب

إذن فتنمية الشباب تقلل من المخاطر المالية في عالم كرة القدم الذي شهد إفلاسًا لعدد من الأندية ذائعة الصيت، الأمر الذي كلفها غيابها عن منصات التتويج لسنوات طويلة، لكن إنشاء أكاديمية كرة القدم وضخ الأموال فيها ليس أمرًا سهلًا، ولا تزال بعض الأندية تفتقر لرسم الخرائط التفصيلية في أكاديمياتها، وغير قادرة بعد على فهم النماذج الحديثة المختلفة لتنمية الشباب، والتي تحتاج لفلسفة خاصة، من خلال تحليل البيانات الخاصة بكل لاعب على حدة، كما لا تزال بحاجة لبعض العمل، بما في ذلك البنية التحتية للأكاديمية، والهيكل التنظيمي لإدارتها، والكشافون المسؤولون عن اصطياد المواهب الشابة، كما أنها تحتاج لتطوير مناهج التدريب والتعليم فيها.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الأندية تولي الأهمية أكثر لأكاديمياتها، كانت بعض هذه الأكاديميات قد تنبهت باكرًا لهذا الموضوع، وتفوقت على مثيلاتها من خلال تقديم نماذج كروية مميزة، أغنت بها عالم كرة القدم، وهذه مناسبة لنتحدث فيها عن خمس من أهم هذه النماذج.

أكاديمية كرة القدم بارتيزان في بلغراد – صربيا

أكاديمية كرة القدم بارتيزان في بلغراد - صربيا

كرة القدم الصربية تشارك بلادها نتيجة الاقتصاد المضطرب، لحد عدم وجود المال الكافي لتغطية نفقات اللاعبين الأساسية كالأجور مثلًا، وفي الوقت الذي لا تزال تتخلف فيه بعيدًا عن أهم الدوريات الكبرى في أوروبا، كان لا بد لنا من الاعتراف بواحدة من أكاديميات ذلك البلد، باعتبارها واحدة من أهم المدارس الكروية في أوروبا.

ففي العام 2015 تم اعتبار أكاديمية بارتيزان، كثاني أكبر منتج للاعبين في أوروبا، بعد أن قدمت للعبة كرة القدم في ذلك العام، ثمانية وسبعين لاعبًا شابًا، لعبوا دورًا مهمًا، إن كان مع ناديهم أو مع أندية أخرى (ثلاثة عشر لاعب مع بارتيزان وخمسة وستون في نوادي متفرقة)، وفقط نادي أياكس كان قد أنتج لاعبين أكثر من أكاديمية بارتيزان مع خمسة وسبعين لاعبًا، في حين جاءت أكاديمية لاماسيا برشلونة في المركز الثالث بـاثنين وستين لاعبًا.

ومع وجود أكثر من أربعمئة شاب متدرب في الأكاديمية، فلا عجب بأن تكون الأرقام التي تنتجها مرتفعة جدًا، وخاصةً بالنظر إلى كمية العمل الذي وضعه النادي في أكاديميته.

مدرسة الشباب كانت غزيرة في السنوات الأخيرة، وأنتجت عددًا من ألمع المواهب الصربية في العصر الحالي، نذكر منهم ستيفان يوفوتيتش – آدم لياييتش – لازار ماركوفيتش – ماتيا ناستاسيتش – ألكسندر ميتروفيتش وستيفان سافيتش، وجميعهم يلعبون في مستويات عالية في الدوريات الأوروبية الكبرى.

أكاديمية كرة القدم في ساوثمبتون – بريطانيا

أكاديمية كرة القدم في ساوثمبتون - بريطانيا

واحد من أكبر منتجي اللاعبين في كرة القدم البريطانية في الآونة الأخيرة، نادي ساوثمبتون، كان قد قدم بعض اللاعبين الرائعين على مر السنين، من أمثال آلان شيرر ومات لو تيسير، قبل إنشاء الأكاديمية الحديثة بنظامها الحالي، والذي أثمر عن رفد النادي بعدد كبير من المواهب الشابة في السنوات الأخيرة، والتي انتقلت فيما بعد للأندية الإنجليزية الكبرى.

استثمر نادي ساوثمبتون في السنوات الثلاث الأخيرة ما يفوق الـثلاثين مليون جنيه إسترليني لإعادة تطوير أرضية التدريب، من أجل مواصلة تقدم النادي، الذي اعتاد في السنوات الأخيرة على احتلال مراكز في النصف العلوي من جدول الدوري الممتاز، وقد أشاد البرتغالي أندريه فيلاش بواش مدرب توتنهام في العام 2013 بهذه الأكاديمية، مشبهًا إياها بأكاديمية سبورتينغ لشبونة.

نظام الإنفاق اللامحدود في سوق الانتقالات لم يكن ليناسب نادي القديسين أبدًا، وهو صاحب الميزانية المتواضعة، فواصل النادي إنتاج اللاعبين وسط حسد كبار الفرق في البلاد، ونجح بتحقيق بطولة الدوري تحت الواحد وعشرين عامًا، بعد الفوز على بلاكبيرن روفرز، في النهائي أمام اثني عشر ألف متفرج.

نادي القديسين نجح بإنتاج حوالي عشرين لاعبًا دوليًا منذ العام 2011 حتى الآن، اشهرهم كان غاريث بيل – تيو والكوت – آدم لالانا – أليكس أوكسليد تشامبرلين – لوك شو – كالوم شامبرز وجيمس وارد بروز، وهم جميعًا لاعبي كرة قدم جيدين جدًا، وقدمهم ملعب سانت ماري لنا.

أكاديمية كرة القدم سبورتينغ في لشبونة – البرتغال

أكاديمية كرة القدم سبورتينغ في لشبونة - البرتغال

في العام 2002 تم افتتاح أكاديمية سبورتينغ الحديثة والتي تقع في منطقة تمتد على مساحة أكثر من مئتين وخمسين ألف متر مربع، وتشمل بنيتها التحتية على سبعة ملاعب تدريب مكسوة بالعشب الطبيعي، وعلى مرافق طبية وسكنية لبعض لاعبي الأكاديمية، في حين يسمح للآخرين الذين يعيشون ضمن دائرة نصف قطرها ساعة واحدة بالبقاء في المنزل وممارسة التدريب وفق الجدول الزمني المحدد.

وقد تم تجنيد شبكة كشفية استثنائية، تنتشر بشكل رئيسي في البرتغال، ويعمل فيها أكثر من مئة كشاف، لتجنيد الشباب من سن سبع سنوات فما فوق، في الأكاديمية التي تعمل على تدريبهم وتطويرهم في جميع المجالات.

ووفقًا لتقرير منظمة ايكا، التي تمثل مباشرة أندية كرة القدم على المستوى الأوروبي، فإن نادي سبورتينغ يقدم ما متوسطه سبعة لاعبين لفرق المنتخب الوطني البرتغالي، وعلى صعيد جميع المستويات العمرية، وهو إنجاز رائع يدل على جودة عالية من التدريب تقوم بها أكاديمية النادي.

التقرير المذكور أعلاه، ذكر بأن النادي البرتغالي قد أنتج أكثر من مئة لاعب محترف من نظام الشباب، وكثير منهم قد مثل بلدهم، على سبيل المثال عشرة من لاعبي منتخب البرتغال الفائز بكأس الأمم الأوروبية كانوا قد تخرجوا من أكاديمية سبورتينغ، كما مثل ثمانية لاعبين آخرين منتخب بلادهم في يورو 2012 .

أكاديمية الكوتشيك التي أنتجت في التسعينات لاعبين عظماء، كلويس فيغو وباولو فوتر، عادت لتقدم لنا كوكبة من اللاعبين البارزين أمثال، ريكاردو كواريزما – سيماو – روي باتريسيو – لويس وجواو موتينيو – ميغيل فيلوسو – جوزيه فونتي وناني، كما قدمت لنا الفائز بالكرة الذهبية أربع مرات، كريستيانو رونالدو، والذي لعب مع سبورتينغ خمسة وعشرين مباراة قبل انضمامه إلى مانشستر يونايتد بسن الثامنة عشر.

أكاديمية كرة القدم أياكس في أمستردام – هولندا

أكاديمية كرة القدم أياكس في أمستردام - هولندا

من المستحيل الحديث عن أشهر أكاديميات كرة القدم دون ذكر أكاديمية دي تاوكومست الشهيرة في أياكس، والتي تعني المستقبل، تلك الأكاديمية التي وفرت العديد من المواهب للفريق الأول في أمستردام، والتي يتم بيعها سنويًا لأكبر الأندية في أوروبا مقابل مبالغ ضخمة، ساهمت برفع سوية البنية التحتية للأكاديمية بشكل لافت، هي تلك الأكاديمية التي اشتهرت كواحدة من أفضل منتجي المواهب الأوروبية، والذين قادوا الفريق للتتويج بدوري أبطال أوروبا في منتصف التسعينات، والذي اعتمد في نجاحه على مجموعة من اللاعبين المحليين.

أياكس هي رابع أكثر الأندية نجاحًا في أوروبا، مع أربعة ألقاب أوروبية، وثلاثة وثلاثين لقبًا في الدوري الهولندي، وثمانية عشر أخرى في الكأس.

ويعد من أول الأندية التي فهمت بأن مستقبل كرة القدم الحديثة يتوقف بشكل كبير على ما تنتجه مثل هذه الأكاديميات العريقة، والتي يتم فيها تدريب الشباب على كيفية فهم اللعبة في سن مبكرة، أولئك الذين يستطيعون رفع مستوى كرة القدم بفضل التعليم الأكاديمي الذي تلقوه في مدارسهم الكروية، والذين يتم التقاطهم عبر كشافي الفرق في جميع أنحاء العالم، وهو أمر يتميز به نادي أياكس كثيرًا.

تتكون الأكاديمية من ثمانية ملاعب جيدة، ومبنى من طابقين، يحتوي على قاعات تعليمية، وصالات رياضية، ومكاتب للمدربين وعلماء الرياضة، ويعتمد أسلوب التدريب هناك بشكل رئيسي على التدريب العلمي والاهتمام بالتفاصيل.

بين عامي 1994 و1996 تحت قيادة لويس فان خال، حافظ أياكس على سجله خاليًا من الهزائم في اثنين وخمسين مباراة محلية، وتسعة عشر مباراة في دوري أبطال أوروبا، في أروع نسخة للفريق حتى الآن، وفي كل عام يتم بيع عدد من لاعبي الفريق الأول لإفساح المجال للمزيد من الشباب الواعد القادم، الذي سرعان ما يبرز وينتقل معطيًا المجال لغيره بعد سنوات.

هكذا هي دورة الحياة في أياكس، النادي الذي أنتج قطارًا من اللاعبين، من يوهان كرويف – ماركو فان باستن – دينيس بيركامب – فرانك ريكارد – باتريك كلويفيرت – إدفين فان دير سار ورونالد دي بوير إلى ويسلي سنايدر – رافائيل فان دير فارت – نايجل دي يونغ – جون هيتينغا – مارتن ستيكيلينبورغ – توبي الديرفيريلد – كريستيان إريكسن – ممفيس ديباي – دالي بليند ودافي كلاسه.

أكاديمية كرة القدم في برشلونة – إسبانيا

أكاديمية كرة القدم في برشلونة - اسبانيا

في العام 2010 نجحت إسبانيا في الفوز بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها، بعدما تفوقت كتيبة المدرب ديل بوسكي على منتخب هولندا، بفضل تسديدة اندريس انييستا، الذي دخل تاريخ الكرة في إسبانيا دون شك، الواقع يقول بأن سبعة من اللاعبين الإحدى عشر الذين بدأوا تلك المباراة كانوا من خريجي مدرسة لاماسيا في برشلونة.

لا ماسيا هي الأكاديمية الأكثر شهرة حاليًا في أوروبا، وقد أثارت إعجاب الجميع بفضل نوعية اللاعبين التي أنتجتها على مر السنين، في الوقت الذي كان فيها غريمهم ريال مدريد يرسل لاعبي أكاديميته في إعارات متتالية، قبل أن يطلق سراحهم دون تحقيق الاستفادة المرجوة منهم.

يرجع جزء من نجاح الأكاديمية إلى الفلسفات التي تم غرسها في نفوس اللاعبين في سن مبكرة، بحيث يتم تعليمهم كيف يحبوا النادي، ويفخروا بالانتماء له، وهو أمر أضاف لنادي مقاطعة كتالونيا ميزة إضافية جعلته واحدًا من أفضل الأندية في أوروبا.

وعلى الرغم من بعض التراجع الذي حصل في لاماسيا في السنوات الأخيرة، بالنظر إلى تخييب بعض اللاعبين الشباب للآمال، كالإسباني من أصل صربي بويان كيركيتش، الذي كانت تعقد عليه آمال كبيرة، والذي تنقل بين أندية روما وميلان وأياكس، قبل أن يستقر مع ستوك سيتي، الذي أعاره في يناير الماضي إلى نادي ماينز، وجيوفاني دوس سانتوس، الذي يلعب حاليًا في دوري أل أم أس الأميركي، وجيفرين سواريز، الذي انتقل ليلعب مع عدة أندية برتغالية وسويسرية وبلجيكية.

فشل لاماسيا المؤقت لن يدوم بلا شك، كيف لا وهي التي قدمت لنا موهبة القرن الواحد والعشرين، وأفضل لاعب ربما في تاريخ اللعبة، ليونيل ميسي، والذي يعكس أسلوبه في اللعب فلسفة لاماسيا، وقد أثبت اللاعب الأرجنتيني صحة صرف المال في تنمية الشباب، بدلًا من صرف المبالغ الطائلة لجذب لاعبي الأندية الأخرى إلى النادي، وهي لا تتوقف عن تقديم المواهب، وهناك مجموعة من الأسماء الصاعدة كسيرجي سامبر وآلين خليلوفيتش وآخرون في الطريق.

لاماسيا قدمت لنا ميسي، كما قدمت العديد من النماذج الجميلة في لعبة كرة القدم على مر السنين من أمثال كارليس بويول – بيب غوارديولا – سيسك فابريجاس – جيرارد بيكيه – سيرجيو بوسكيتس – بيدرو – رودريجيز – فيكتور فالديس – بيبي رينا – جوردي البا وتياجو ألكانتارا وشقيقه رافينيا وسيرجي روبيرتو – جيرارد ديولوفيو – مارك بارترا – كريستيان تيو – تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وهذان الأخيران كانا قد ترشحا إلى جانب ليونيل ميسي ضمن القائمة المختصرة للفائز بجائزة الكرة الذهبية العام 2011 والتي ظفر بها النجم الأرجنتيني كما ربح أربعة أخرى بها.

أقرأ أيضًا: اقوى ديربيات العالم