رواية فلتغفري التي لم تصل إلى مستوى أعمال سابقة لذات الكاتبة

يعد الأسلوب الروائي في الثقافة العربية حتى الآن حديث العهد أو ليس بالأسلوب القديم المتجذر في الثقافة العربية على الرغم من مرور نحو قرن من الزمان على دخول هذا الأسلوب إلى الأدب العربي، وعلى الرغم من حركة الكتابة المقبولة إلى حد ما بالإضافة إلى حركة الترجمة التي رافقت كتابة الرواية منذ ظهورها بأقلام الكتاب والأدباء العرب. الشيء الغير مقبول هو إنه إذا ما نظرنا إلى الأقطار العربية فلا نجد هذا التوازن فيما يخص كتابة الرواية من ناحية توزع الكتاب والأدباء على الدول العربية.

رواية فلتغفري التي لم تصل إلى مستوى أعمال سابقة لذات الكاتبة

وإذا ما تطرقنا إلى الأدب السعودي وهو محور حديثنا هنا وأكثر تحديدًا رواية فلتغفري للكاتبة أثير عبد الله، فأن الأدب السعودي يكاد يكون في مؤخرة الأدب العربي عمومًا من ناحية الكم والنوع على الرغم من ظهور أعمال أدبية سعودية في الفترة الأخيرة نالت الكثير من النجاح وحصل كتابها على جمهور عريض وواسع منتشر في كل الدول العربية بما فيها تلك الدول التي تعد في مقدمة الدول المنتجة للأدب العربي كمصر ولبنان على سبيل المثال لا الحصر، كان أخر النجاحات الأدبية السعودية هو حصول الكاتب حسن علوان على جائزة البوكر عن الرواية العربية لعام 2017 عن روايته “موت صغير“.

عن رواية فلتغفري

أما عن محور حديثنا هنا رواية فلتغفري للكاتبة السعودية أثير عبد الله النشمي ذات مواليد 1984 والمقيمة في الرياض، والتي كان قد صدر لها عملين روائيين قبل هذه الرواية هما “أحببتك أكثر مما ينبغي” “في ديسمبر تنتهي كل الأحلام”، تتمتع الروائية السعودية بأسلوب روائي سلس تجد فيه الحس الأنثوي المرهف ممزوجًا برومانسية الحب وعذابه والمشاكل التي تتخل قصصه، وساهمت من خلال ذلك الكاتبة بالكثير من التأثير على الرواية السعودية التي أعطتها أبعادًا رومانسية وعاطفية أكثر مما كانت عليه قبل ظهور النشمي.

تطرقت النشمي في أعمالها إلى الحب من وجهة نظر المجتمع السعودي، وأكثر تحديدًا في حياة المبتعثين والمبتعثات ذوي المكانة العلمية الرفيعة الذين زاروا البلدان الغربية وعاشوا فيها وبالتالي ربما تأثروا بها.

أحببتك أكثر مما ينبغي

نتطرق هنا إلى رواية “أحببتك أكثر مما ينبغي” كونها هي الجزء الأول لرواية “فلتغفري” الرواية للكاتبة والتي كتبتها عام 2008 ونشرتها في منتصف 2009 ولاقت إقبالًا كبيرًا، جعلها تتصدر أكثر الكتب مبيعًا على موقع الكتاب العربي لفترة، وبيعت الكثير من النسخ منها حتى وصل مدى انتشارها إلى إنها قد تم نفاذ كل النسخ المتوفرة خلال أحد معارض الرياض الدولية للكتاب.

الرواية التي تحكي قصة حب البطل “عزيز” وحبيبته “جمانة” بلسان أنثوي هو صوت جمانة، التي تخبرنا كقراء بكل التفاصيل عن عزيز وحبهم وباقي تفاصيل قصة الحب التي مثل غيرها الكثير من القصص الأخرى لا تخلو حتمًا من الصدامات والعذاب، ولكن ليست كما روايات الأدباء السعوديين السابقين التي ناقشت المسائل العاطفية من منظور اجتماعي بحت وبأسلوب خجول ربما خوفًا من إثارة المجتمع أو استفزاز نمط تفكيره المعتاد.

المجتمع السعودي وبطلي الرواية

ترسم الكاتبة في هذه الرواية العلاقة العاطفية الغير مثالية بين الحبيبين، فعلى الرغم من تسلط الجانب الذكوري في العلاقة وضعف الجانب الأنثوي، تمامًا كما هو حال المجتمع السعودي، ترضى “جمانة” (حبيبة عزيز وبطلة الرواية) بهذه الحالة من الخنوع لتعود إليه في كل مرة طالبة منه السماح على الرغم من إنه هو المقصر والمذنب.

ربما تريد الكاتبة من تصوير علاقة بهذا الشكل تسليط مزيد من الضوء على حال النساء في مجتمعها، وكيف إن الجانب الأنثوي اعتاد الخضوع والخنوع وكتم صوته على الرغم من كل ما يتعرض له وعلى الرغم من معرفته تمام المعرفة لذلك، ففي الرواية جمانة تعلم إن هوسها بعزيز غير مثالي، فهو شخص سادي ومتسلط وغير قادر على مبادلتها المشاعر بذات الطريقة التي هي تفعلها، إضافة إلى عجزه عن رؤية الأشياء كما هي واستمتاعه بحال التسلط والاستبداد الذي يمارسه تجاه محبوبته.

كذلك أرادت الكاتبة من هذه الرواية وبشخصية “جمانة” التطرق لذلك النوع من النساء اللواتي يعلمن تمام العلم الحالة اللاتي هن بها، ولكن لأسباب ما لا يرغبن بالتخلص من هذه الظروف أو بالأحرى يخشين نتائج أي فعل قد يقدمن عليه. في الرواية وكون قصة الحب تحصل في الغربة، فأن بطلة الرواية لا تريد التخلص من مشاكلها لأن ذلك سيبعدها عن حبيبها “عزيز” وبالتالي ستبقى غريبة في الغربة دون رفيق درب.

وهذه المعضلة إذا ما أسقطناها على المجتمع السعودي، فأن المرأة فيه تشعر بحاجتها إلى رجل رغم تسلطه واستبداده، هي بحاجة إلى رفيق درب يكون عون وسند وإلا لن تكون أمورها كما يرام حتى لو كانت في مجتمعها وليست في الغربة كما “جمانة”.

سبب نجاح الرواية

لهذه العلاقة التي استطاعت الكاتبة بأسلوب روائي عميق وعالي الحس العاطفي ربطها بين قصة حب بطلي الرواية والمجتمع السعودي أو ربما الحالة الاجتماعية والنفسية والعاطفية للقسم الأنثوي من المجتمع السعودي، المجتمع الذي تنتمي له الكاتبة والذي تضطر فيه المرأة للتقديم أكثر مما يجب، كما قدمت جمانة الحب أكثر مما ينبغي.

فلتغفري

رواية فلتغفري هي الجزء الثاني من “أحببتك أكثر مما ينبغي” وكانت قد صدرت عام 2013 أي بعد ثلاثة أعوام من الرواية الأولى عن دار الفارابي للنشر. في هذه الرواية أعادت الكاتبة كتابة القصة ذاتها التي قصتها في الجزء الأول، ولكن في الجزء الثاني على لسان عزيز وليس جمانة كما في الجزء الأول.

إعادة كتابة القصة

إلا إن هذه الرواية لم تلقى ذات النجاح الذي لاقاه العمل الأول لأثير النشمي، وبحسب آراء العديد من النقاد والكتاب فأنه على الرغم من إنه ليس من الخطأ أن تعيد كتابة قصة ما، فالكثير من الروايات والقصص والأفلام أعيد كتابتها بشكل أو بأخر سواء من ذات الكاتب أو من كاتب أخر غير الكاتب الأصلي للقصة، إلا إنه ما جعل عمل أثير النشمي الأخير دون المستوى المطلوب ولم يرقى للمستوى الذي وصل إليه عملها الأول هو إنها لم تأتي بشيء جديد في الجزء الثاني من الرواية.

تشابه الجزئيين

فلا المكان ولا الزمان ولا حتى طبيعة السرد تغيرت في الجزء الأول عن الثاني، لم يحصل في “فلتغفري” أي إضافات جديدة على القصة وبالتالي يشعر القارئ بغياب أي تفاصيل مشوقة تشده لإكمال القراءة، فما الذي سيجذب القارئ إلى العمل إذا كانت ذات الأحاديث والحوارات وحتى المكان هو ذاته في الجزء الأول والثاني.

وكذلك ما الذي سيجده القارئ في الجزء الثاني من الرواية إذا كانت جمانة تقول الحقيقة في الجزء الأول، وبالتالي كقراء نعرف كل شيء عن تفاصيل هذه القصة ولن يستطيع عزيز في الجزء الثاني بأخبارنا بأي جديد.

ما هو مفقود في الجزء الثاني

هذا عدا عن الإسقاطات التي كانت في الجزء الأول “أحببت أكثر مما ينبغي” والتي استطعنا من خلالها عمل مقارنة بين قصة الحب تلك وما تعيشه المرأة في المجتمع السعودي ربما كان ذلك له الدور الأبرز في تحقيق كل ذلك النجاح للجزء الأول من الرواية.

بينما في الجزء الثاني في رواية فلتغفري لا نستطيع المقارنة بين قصة الرواية وأي جانب من جوانب المجتمع السعودي كما حصل مع الجزء الأول. هذا عدا عن التناقضات الضمنية التي ممكن أن يستشفها القارئ عند مقارنته شخصيات الرواية في الجزئيين، ينتاب القارئ إحساس عند قراءته للرواية الثانية بأن شخصية عزيز ليس ذاتها كما كانت في الرواية الأولى.

رواية فلتغفري التي لم تصل إلى مستوى أعمال سابقة لذات الكاتبة

كل شخصيات الرواية عمومًا في الجزء الأول يلاحظ القارئ فيهم البعد الثقافي الواضح من خلال استشهادهم بالكثير من أقوال الفلاسفة والأدباء، وهو الشيء الذي لم نراه في الجزء الثاني في رواية فلتغفري على الرغم من إن الشخصيات ذاتها فبالتالي من المفترض أن تكون أساليب الحديث والحوار ذاتها.

إذا ما أردنا التعمق في التفاصيل أكثر في رواية فلتغفري فأنه يطول الحديث ويكثر النقاش على صعيد بناء الشخصيات والسرد الروائي والآلية التي اتبعتها الكاتبة في دمج الأحداث الدرامية مع السرد العاطفي، والتي لم تكن في نظر عدد من النقاد مقنعة وملائمة للحبكة الروائية، بل كثيرًا ما أضعفت الحبكة الروائية ومنحت تركيبتها خلل أو حالة من عدم التماسك الذي كان من المفترض أن يسود العمل الروائي هذا.

كلمة أخيرة

باختصار يمكننا القول إن رواية فلتغفري لم ترقى لمستوى التوقعات وإلى المستوى الذي كانت قد وصلت له رواية “أحببت أكثر مما ينبغي” والتي هي الجزء الأول، من خلال التحليل الذي تطرقنا له في هذا المقال للجزء الثاني من العمل بدا لنا كم المغالطات الروائية والسردية التي وقعت فيها الكاتبة السعودية أثير عبد الله النشمي في روايتها.

كان على الكاتبة أن تدرك منذ البداية إن إعادة سرد القصة كجزء ثاني ومن وجهة نظر أخرى لن يعطي العمل الكثير من القيمة ما لم تضيف إلى القصة الروائية شيء جديد يتكفل بجذب انتباه القارئ ودفعه لمتابعة القراءة في الجزء الثاني من العمل ليكتشف بنفسه الجديد. أما مجرد إعادة سرد دون أي إضافة فأنه يساهم في التشويش على السمعة والمكانة التي اكتسبها الأديب من أعماله السابقة.

مقالات ذات صلة:

جائزة البوكر لأفضل رواية عربية لعام 2016

6 من أفضل روايات فيودور دستويفسكي عليك قراءتها في أقرب فرصة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.