هل يملك الذكاء الصنعي جانب مظلم

نعم يملك الذكاء الصنعي جانب مظلم، فهل سنتمكن من اكتشاف تطبيقات تقبل التعامل والتفاعل معنا بشفافية ووضوح، أم سيبقى ذلك الذكاء مثل صندوق أسود لا نعلم شيئًا عن الذي يجري داخله، أو الطريقة التي تفسر القرارات التي يتخذها.

هذا ما تتوقف عليه علاقتنا بالذكاء الصنعي ومستقبله، فهل ستحل تلك العقدة.

الذكاء الصنعي والتعلم العميق (Deep learning)

الذكاء الصنعي والتعلم العميق

في البداية الكثير منا قد سمع بالتعلم العميق (Deep learning) أو ما يسمى التعلم الهرمي أو عميق البنية، وذلك ضمن مجال البحث أو الأبحاث التي تهتم بتعلّم الآلة (Machine learning) وقد تطورت في الآونة الأخيرة تقنيات التعلم العميق مما أثر وبشكل كبير على طريقة معالجة الإشارة والبيانات بالشكل الحديث والكلاسيكي ضمن منظومة ما يسمى مفاهيم تعليم الآلة الأساسية والذكاء الصنعي، وللتعليم العميق له عدة تعاريف أهمها:

أنه مجال حديث ضمن الأبحاث التي يجري فيها اقتراب تعلم الآلة ذات الاتجاه الواحد إلى الوصول إلى الذكاء الصنعي (Artificial Intelligence) ويتمثل حول تعليم الآلة بمستويات متعددة من التجريد والتمثيل الأمر الذي يساعد على إعطاء فهم أعمق لكثير من المعطيات كالفيديو الصور والنصوص المعالجة داخل أجهزة الكومبيوتر.

ففي العام 2015 قامت مجموعة باستخدام تكنولوجية التعلم العميق في تنظيم السجلات الخاصة بالمرضى البالغ عددهم حوالي (700000) مريض في مشفى مونت سينا (Mount Sinai) في مدينة نيويورك الأمريكية، وذلك بهدف تطوير أحد البرامج الذكية الذي يدعى المريض العميق (Deep Patient)، وباستطاعة هذا البرنامج أن يتعلم من بيانات وسجلات المرضى مما يمكنّه بالتنبؤ بما يحدث من مشاكل مرضية لأحد المرضى الجدد من خلال سجلاته المرضية التي يتم عرضها عليه، وقد حقق هذا البرنامج نجاحات لم تكن بالحسبان أكثر مما كان متوقعًا منه، حيث استطاع أن ينجح بالتكهن بالمرضى الذين ستسوء كالمرضى الذين يتهددهم مرض سرطان الكبد مثلًا.

كما استطاع أن يقدم نتائج أكثر من باهرة في التكهن يالاضطرابات النفسية مثل مرض (الشيزوفرينيا) مما أصاب الباحث (جويل دودلي (Joel Dudley بالدهشة من ذلك، لصعوبة التنبؤ بهذا المرض حتى من قبل الأطباء الاختصاصيين.

 إلّا أن هذا البرنامج لا يقدم أيّ تفسير حول الطريقة التي أوصلته لتلك النتائج المبهرة، مما جعل الباحث (جويل دودلي) يعلق على ذلك بقوله:

(نحن بإمكاننا أن نبني تلك النظم من الذكاء الصنعي، إلّا أننا لا نعرف كيف يجري العمل داخلها).

ما يجب أن يكون عليه الذكاء الصنعي (Artificial Intelligence)

في الواقع هناك نظريتان يقوم عليهما الذكاء الصنعي وتطبيقاته، وبالأخص فيما يتعلق بطريقة فهم وإمكانية استيعاب الطريقة التي يعمل بها وكيفية وصوله لتلك النتائج المبهرة:

  • النظرية الأولى تستند على إيجاد نظم وتطبيقات تستخدم الأوامر والقواعد التي يجري برمجتها سلفًا، من قبل مجموعات من المبرمجين، مما يجعل من منطق العمل الخاص بها سهل الفهم، وتكون القرارات المتخذة من قبل تطبيقات الذكاء الصنعي تلك متوقعة.
  • أمّا النظرية الثانية فتعتقد بأن المستقبل الخاص بالذكاء الصنعي للآلة مرتهن بتعلمه من الذكاء الإنساني وتطوره من خلال التجارب والملاحظة، الأمر الذي يضعنا أما خوارزميات وبرامج من الممكن أن تبرمج ذاتها بذاتها، وذلك من خلال البيانات التي تتعلق بالمعضلة أو المشكلة التي تتصدى لحلها.

تطور الذكاء الصنعي

تطور الذكاء الصنعي

حتى وقت قريب كانت تطبيقات الذكاء الصنعي بسيطة جدًا ومحدودة، الأمر الذي حدّ من انتشاره، ولكن دخول الحواسيب إلى مختلف أنواع الصناعات والمجالات المختلفة وتزايد حجم المعلومات التي يمكن تبادلها، أدى لإعادة اكتشاف الذكاء الصنعي من جديد، وإلى تطوره لاحقًا، والعمل بطرق جديدة لتعليم الآلة، وبالأخص نسخ الشبكات العصبية الصنعية (Artificialneural network) والتي تماثل في عملها عمل الشبكات العصبية البشرية في الدماغ البشري.

 فقد أصبح بإمكانها التعرف على البيانات المكتوبة بخط الأيدي وتستطيع أن تحولها إلى صورة رقمية، كان ذلك في أوائل العام 1990، ولكن في بداية العقد الحالي من هذا القرن شهدت هذه الشبكات تطورًا كبيرًا تمثل بالشبكات العصبية العميقة (Deep Neural Networks) والتي تتضمن مئات من الطبقات وتحتوي كلًا منها على الآلاف من الخلايا العصبية الصنعية.

السيارة إنفيديا (Nvidia)

السيارة انفيديا

شاهد الناس السيارة (NVIDIA) ذاتية القيادة تنطلق عابرة شوارع ولاية نيو جيرسي الأمريكية (New Jersey)، وكانت لا تختلف عن باقي السيارات ذاتية القيادة، شكلًا لكنها تختلف عن السيارات التي صنعتها شركات (تسلا Tesla وجنرال موتورز General Motours وجوجل Google)، فهي تختلف عنهم فهي لا تعتمد في عملها على برامج تحدد عمل جميع أجزائها بالتفصيل ولكنها اعتمدت على خوارزميات تعلم نفسها بنفسها، وذلك بنفس الطريقة التي يتعلم بها البشر أنفسهم.

هي أي السيارة إنفيديا (NVIDIA) عبارة عن نقلة نوعية في مجال اعتمادها على الذكاء الصنعي غير أن طريقة اتخاذها للقرارات التي تقوم بها أثناء سيرها بشكل ذاتي ما تزال غير واضحة ومفهومة حتى من قبل مصمميها، حيث تأخذ المعلومات من الحساسات التي تنتشر فيها إلى الشبكة العصبية الصنعية المتواجدة في السيارة، وتعمل على إصدار الأوامر والقرارات لكافة أجزائها من مقود ومكابح كي تسير في الطرقات مثلها مثل أي سيارة عادية.

إلى هنا والأمور ما تزال بخير، لكن لو حدث ما هو غير متوقع، مثل اصطدام السيارة بشجرة في الطريق أو أنها توقفت عن السير وإشارة المرور خضراء؟ ما الذي سيحصل؟

ومن الصعب تتبع وتفسير تحركات هذه السيارة على أرض الواقع، فنظام عملها الذي تعتمد عليه غاية في التعقيد، بحيث لا توجد طريقة تفسر وتشرح لنا القرارات التي تأخذها تلك النظم من الذكاء الصنعي، وذلك ما يمثل حجر عثرة كأداء في مستقبل الذكاء الصنعي والتطبيقات التي تعتمد عليه.

لا بد من الحذر

هل يملك الذكاء الصنعي جانب مظلم

استثمرت الحكومات الأمريكية مليارات الدولارات كي توظف تكنولوجية تعلم الآلة للأغراض العسكرية، كقيادة الطائرات والعربات ولتحديد الأهداف، وقد قدردت وزارة الدفاع أن الفهم من الداخل، أي كيفية ومعرفة ما يحدث في داخل الآلة يعتبر من أولى التحديات أما هذه المشاريع، ومعرفة الآلية أو الطريقة التي تتخذ تلك الآلات قراراتها.

ففي أحد الأبحاث التي قادها الدكتور كارلوس جويسترن (Dr. Carlos Guestrin) حيث قام بالعمل على مشروع لصالح وزارة الدفاع (Pentagon) عبارة عن برنامج يمكنه أن يجبر الآلة أن تقدم الشرح والأسباب المنطقية التي أدت لاتخاذ قراراتها.

لكن قصور ذلك البرنامج كان في بدائية الشرح المقدم والذي لا يفي بالغرض، مما دعاه للقول “لم نستطع أن ننجح بتحقيق ما كنا قد حلمنا ورغبنا به بشكل كامل، فقد كان الهدف من مشروعنا أن نطور خوارزمية يستطيع الذكاء الصنعي من خلالها محاورتنا والتواصل معنا وبإمكانه أن يفسر منطق الطرق التي يستخدمها لاتخاذ قراراته فيها.

الحل الحل… لا حل!

من الممكن أن يكون الحل وبكل بساطة هو أن نعزز ثقتنا بما يقرره ويخرج به الذكاء الصنعي لنا من قرارات، إنّما هناك معضلة غاية في الأهمية ألا وهي أن الطريقة التي يعمل بها الذكاء الصنعي لابد لها وأن تتفق والقيم الاجتماعية الخاصة بنا، وكمثال لو أننا صممنا رجلًا آليًا (روبوتًا) للاستخدام العسكري فب القتال يعتمد عل الذكاء الصنعي، فمن المفروض أن تتفق الطريقة التي يقوم بها لأداء مهامه مع القيم الأخلاقية لدينا.

الخاتمة

الذكاء الصنعي والتعلم العميق

إذا ما أردنا أن نستخدم الذكاء الصنعي والاعتماد عليه فيجب علينا أن نمسك به بحزم، والطريقة التي تمكننا من ذلك هي معرفة وفهم كيفية الحصول على إجابة منه في موقف ما، ولكن هذا الأمر غير ممكن حاليًا، وبالتالي فمن الواجب علينا أن نتمتع بالصبر والحذر تجاه كل ما يمكن أن يقدمه لنا من إجابات، كما أنه يجب ألّا ننخدع بمستوى الذكاء الذي تظهره الآلة يومًا بعد يوم، وهذه النصيحة يدمها لنا الفيلسوف المعروف دانيال دينيت (Danial Dennett) فيقول:

“إياك أن تقدم ثقة عمياء ومجانية للآلة والذكاء الصنعي الذي تتمتع به، ما لم تجد طريقة لشرح وتبرير منطقي للقرارات التي تتخذها”.

قد يهمك أيضًا: