دراسات جديدة عن أسباب مرض التوحد

التوحد هو مرض وراثي إلى حد كبير. هذا ما يقوله الباحث الإيطالي سفين ساندين من مدرسة الطب في ماونت سيناي ضمن دراسته التي نشرها مؤخرًا: “نشأة هذا الاضطراب يعتمد بنسبة 83٪ على الصفات والعوامل الوراثية”.

تشكل نتائج هذه الدراسة المهمة نقطة تحول في تحليل وفهم هذا المرض الذي يؤثر في إيطاليا على حوالي أربعة أطفال من كل ألف طفل، والذي يصيب الذكور بنسبة أكبر من الإناث.

أسباب مرض التوحد

ما هو مرض التوحد

يتم تحديد بعض المتلازمات ذات الطبيعة العصبية التي يمكن أن يعاني منها الطفل بسبب التوحد تحت فئة واحدة هي طيف التوحد (ASD). وذلك بهدف إعطاء نظرة شاملة وكاملة، وبعد 70 عامًا من اكتشاف أو تصنيف هذه الاضطرابات، لا تزال معقدةً للغاية. إنه بالتأكيد اضطراب معقد، لأنه ينطوي على العديد من جوانب تطور حياة الطفل، كطريقته في التحدث واللعب والتفاعل مع الآخرين والعالم من حوله.

يتميز الأفراد الذين يعانون من اضطراب التوحد بوجود ما يُعرَّف بالثالوث السلوكي التوحدي: الذي يتميز بتطور عقلي شاذ أو معيب بشكلٍ ملحوظ، وضعف التفاعل الاجتماعي والتواصل وتراجع ملحوظ في الأنشطة.

تختلف مظاهر الاضطراب اختلافًا كبيرًا تبعًا لمستوى التطور والعمر الزمني للطفل المتأثر. وعلى مر السنين، وقد اقترح الخبراء أسبابًا مختلفة. ففي عام 1998، ربط أندرو ويكفيلد بداية مرض التوحد بلقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية من خلال استعمال بيانات خاطئة، مما تسبب في حدوث انزعاج عند الناس وخوف من تعاطي اللقاحات.

كان هناك الكثير من الأبحاث التي برزت في الماضي بناءً على بيانات وتحليلات علمية ومنطقية. لكن في السنوات الأخيرة، تم اعتبار مرض التوحد “خطأ” في الجسيمات الدقيقة، ثم تم تصنيفه على أنه مشكلة تسببها البكتيريا، ومن ثم أُرجع السبب إلى العوامل البيئية. لكن اليوم، هناك دراسة جديدة. دعونا نرى ما فيها.

نتائج الدراسة: التوحد هو مرض وراثي

سبب التوحد يعود إلى العوامل الوراثية، هذه الحقيقة معروفة منذ فترة طويلة. ولكن حتى وقت قريب، كان العلماء يعتقدون أن الجينات أو العوامل الوراثية تتساوى في تأثيراتها مع العوامل بيئية، والتي يحددها أي شيء يمكن أن يؤثر على نمو دماغ الطفل، كالتعرض لبعض المواد الخطرة، ونمط حياة الأسرة، ومرة أخرى، العدوى المحتملة التي تحدث خلال فترة حياة الجنين داخل الرحم أو في السنوات الأولى من عمر الطفل. باختصار، كان يعتقد أن أسباب التوحد تعود بنسبة 50 ٪ إلى العوامل الوراثية و 50 ٪ إلى العوامل البيئية.

الدراسة الأخيرة التي انتهت في مدرسة طب بماونت سيناي، والتي شارك فيها عدد كبير من الأطفال، أظهرت بشكل كبير هذا المنظور. وعلى وجه الخصوص، تم دراسة 37570 زوج من التوائم، و 2642064 زوجًا من الإخوة، و 432281 زوج من أبناء الإخوة من نفس الأم، وأخيرًا على 445531 أطفال من نفس الأب، وبعد ذلك، تم تحليل العوامل الوراثية. ومن بين هؤلاء الأطفال، تم تشخيص 14،516 طفلًا يعانون من اضطراب طيف التوحد.

يستند هذا البحث بشكلٍ رئيسي إلى مقارنة التوائم وعدم التوائم، وبذلك، أصبح من السهل تقدير تأثير الجينات والبيئة على وجود أو عدم وجود بعض الأمراض. في الواقع، لدى التوائم المتماثلة اللواقح تركيبة جينية متطابقة، وأي اختلاف بينهما، يتم تحديده من خلال عوامل بيئية معينة والتي بكل تأكيد، لا يشتركان بها. من ناحية أخرى، يشترك الإخوة الغير التوائم في نفس الحمض النووي بنسبة 50٪. وأخيرًا، فإن الأطفال من نفس الأم أو الأطفال من نفس الأب لا يشتركون سوى بجزء يقدر بـ 25٪ من الحمض النووي.

وبعد دراسة جميع البيانات الوراثية، ظهر أن احتمال إصابة اثنين من الأشقاء بالتوحد يرتفع بما يتناسب مع تشابههما الوراثي. وينخفض عند “الأخوة غير الأشقاء”، ويكون أكبر وبحده الأقصى بين الأشقاء التوائم متماثلي اللواقح. وبالتالي، فإن النتائج واضحة: إن وراثة مرض التوحد عالية جدًا، وتصل إلى 83٪. من ناحية أخرى، يكون تأثير العوامل البيئية أقل من ذلك بكثير، إذ يبلغ حوالي 17٪. باختصار، تعتبر نتائج هذه الدراسة خطوة جديدة وقوية نحو الأمام في البحث عن أسباب مرض التوحد.

دراسة جديدة أخرى

أظهر مسح لأكثر من مليون امرأة أنه إذا تعرضت الأم للمبيدات الحشرية، تزداد فرص إصابة أطفالها بمرض التوحد.

لقد نوقشت تأثيرات مبيدات الآفات الحشرية وعلاقتها بمرض التوحد لبعض الوقت، لدرجة أن بعض المطلعين على الدراسات قالوا إن تعرض الأمهات للمبيدات الحشرية هو من بين عوامل الخطر لإصابة أطفالهن بإحدى اضطرابات طيف التوحد (DSA).

الآن، نستطيع أن نتكلم مرة أخرى عن تأثير المبيدات الحشرية، وذلك بعد نشر مجلة الطب النفسي نتائج إحدى الدراسات التي فحصت حالات الإصابة بمرض التوحد لدى بعض الأطفال وقامت بتحليل مستويات بعض الملوثات في دم الأمهات. وتبين أن تعرض الأمهات للمبيدات الحشرية مثل DDT يرتبط باضطرابات طيف التوحد لدى الأطفال. وهذا ما يعتبره القائمون على الدراسة أنه “الدليل الأول الذي يربط بين على تعرض الأم للمبيدات الحشرية مع مرض التوحد لدى الأطفال”.

المبيدات الحشرية من نوع DDT تبقى لفترة طويلة

التأثيرات المشار إليها في الدراسة تنتج عن مركب ثنائي كلورو ثنائي فينيل كلورو إيثيلين (Dde)، وهو جزيء يستمد، كمنتج متحلل، من ثنائي كلورو ثنائي فينيل تيريكلوروإيثان، وهو مادة معروفة أكثر بالاختصار Ddt. وهو مبيد حشري تم حظره على نطاق واسع في العالم منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ولكنه لا يزال موجودًا في البيئة بسبب طبيعته الكيميائية التي تجعله ثابتًا في التربة والمياه، وكذلك في السلسلة الغذائية (خاصة في الأطعمة الدهنية).

يمكن نقل هذه الملوثات الدائمة من الأم إلى الجنين من خلال المشيمة، لدرجة أن الدراسة تؤكد أن التعرض قبل الولادة يمكن أن يحدث بسبب المستويات المتراكمة في جسم الأمهات.

التعرض للمبيدات بنسبة أكبر يعني زيادة خطر التوحد

في هذه الدراسة، حلل فريق آلان إس براون من جامعة كولومبيا مستويات التوحد والإعاقة الذهنية المرتبطة بالتوحد في عينة من 778 زوجًا من الأطفال، والذين تم تحديد وجود الـ Dsa أو عدم وجوده في جسمهم، ولاحظ براون وزملاؤه أن المستويات المرتفعة من مبيدات الحشرات لدى الأمهات، ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بالتوحد لدى الأطفال، فعند الأمهات الأكثر تعرضًا للإصابة، زاد خطر إصابة الأطفال بالتوحد بنسبة 32٪. وكلما زادت نسبة المبيدات، كان احتمال التوحد مع الإعاقة الذهنية أكبر.

أسباب لم تتضح بعد

هذه الدراسة تلخص وتؤكد أن البحث الذي لا يقتصر على مراقبة التعرض للملوثات والمبيدات بالقرب من المواقع الملوثة وقياس علامات هذا التلوث في الدم، له آثاره على الوقاية من التوحد ويمكن أن يوفر فهمًا أفضل له.

في اضطرابات طيف التوحد، هناك مجموعة غير متجانسة من الاضطرابات التنموية التي تشترك في إحداث صعوبات في التواصل على المستوى العاطفي والتفاعل الاجتماعي والسلوك النمطي، وحتى الأن، لا نعرف الكثير عن ذلك. وفي حين أنه من المعروف أن مزيجًا من الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية ضروريان لحدوث هذا الاضطراب، ولم يلاحظ أي ارتباط بين اللقاحات ومرض التوحد، وليس من الواضح ما هي الأسباب أو وقت بداية الأعراض بالظهور، مع بعض القرائن التي من شأنها أن تجعلها تعود إلى تطور الجنين. وفي انتظار الدراسات التي يمكن أن تساعد في المستقبل على تسليط الضوء على العلاقة بين التوحد وDDT، طرح الباحثون بعض الفرضيات لشرح ما لوحظ: مثلًا، يرتبط الـ DDT على سبيل المثال مع خطر الولادة المبكرة، التي يمكن أن تزيد من خطر التوحد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تذكر أنه لا يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.