أعراض القلق النفسي وأنواعه وطرق العلاج

هل جربت شعور الخوف من شيء لا تدري ما هو، وشعرت معه بتغيرات واضطرابات في جسدك؟ هل يراودك الإحساس بخطر مُحدق بك دون أن تعلم ما سبب هذا الإحساس؟

إن كنت شعرت بذلك فعلًا لبعض الوقت، أو كان ذلك أحد أشكال المعاناة التي تعاني منها بصورة دائمة، فأنت لا شك أحد ضحايا مرض القلق النفسي الذي يصاب به الكثير من الأشخاص في وقتنا الحاضر، المتميز بكثرة الضغوطات والأزمات النفسية والاجتماعية والجسدية وغيرها، وما ينجُم عنها من مشاكل واضطرابات وأمراض نفسية تحتاج إلى المتابعة والعلاج الفعال للتخلص منها.

أعراض القلق النفسي وأنواعه وطرق العلاج

تعريف القلق النفسي

القلق ظاهرة عامة وحالة انفعالية مركبة من الشعور بالخوف والتوتر والضيق والغضب والاحساس بالخطر وتهديد الذات وتوقع الأحداث السيئة والتشاؤم دون مبرر أو سبب واضح داخلي أو خارجي مما يتسبب في حدوث الاضطرابات والمشاكل النفسية والاجتماعية والسلوكية والتغيرات الفيزيولوجية لدى الشخص المصاب به.

لكن في حالة القلق فإن الفرد لا يفقد الاتصال والوعي بالواقع والعالم المحيط به، ويمارس نشاطاته اليومية المعتادة، ويكون مدركًا لعدم منطقية تصرفاته وسلوكياته وانفعالاته.

ويعد القلق أساس جميع الأمراض النفسية كما أنه أساس جميع الإنجازات الإيجابية في الحياة، فقلق المستقبل ملازم لكل شخص وهو ضروري لتواصل مسيرة النجاحات والإبداع في حياة الفرد حيث يدفع الفرد لتحقيق طموحاته وأحلامه ويوجهه لتحقيق أهدافه وتطلعاته، لكن عندما يبلغ درجة مرتفعة جدًا عن الحد الطبيعي يتحول عندها إلى قلق مرضي الذي يتطلب العلاج فورًا.

الاختلاف بين القلق والخوف

يمكننا التمييز بين القلق والخوف في النواحي الآتية:

  • القلق هو خوف من خطر محتمل مجهول غير متوقع الحدوث أو غير محتمل، ويكون مصدر القلق داخلي ويهدد الهوية والوجود الاجتماعي للفرد.
  • أما الخوف فذو مصدر خارجي ويكون استجابة لخطر واضح وموجود فعلًا وغالبًا ما يهدد الجانب العضوي للفرد ويكون مؤقتًا حيث يزول بزوال المثير أو المنبه.

مظاهر القلق النفسي

يظهر القلق على شكل تغيرات واضطرابات انفعالية وجسدية ونفسية وسلوكية ومعرفية، ومن الممكن أن نذكر أبرزها:

  • العصبية وسرعة الغضب والانفعال.
  • ردود الفعل السريعة وغير المناسبة.
  • العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة.
  • الاستغراق في أحلام اليقظة المزعجة.
  • شحوب لون الوجه والبشرة.
  • تنمل وخدر بعض أجزاء الجسم وخاصة الأطراف.
  • ارتفاع حرارة الجسم وارتفاع ضغط الدم.
  • الأفكار التشاؤمية السيئة.
  • زيادة ضربات القلب وكثرة التعرق.
  • الإرهاق العام والوهن والشعور بالصداع وضيق في التنفس والغثيان والدوار.
  • التردد والانسحاب من المواقف المزعجة.
  • صعوبة في التركيز وتشتت في التفكير.
  • اضطرابات النوم مثل الأرق وعدم القدرة على النوم أو الاستغراق في النوم.

أنواع القلق النفسي

تتعدد تصنيفات أنواع القلق النفسي وتتنوع، ولكن لعل أشملها وأكثرها صحة التصنيف التالي:

القلق الموضوعي

ويسمى أيضًا القلق الواقعي، ويكون بسبب خوف الشخص من خطر خارجي يستطيع تحديده ومعرفته مثل قلق الشخص المتعلق بالتحصيل.

القلق العصابي

ومنشأ هذا القلق داخليًا ويكون مبهمًا ومجهولًا حيث لا يعلم الشخص سبب قلقه، وله خمسة أشكال:

القلق العام

ويشعر الشخص بالخوف والتهديد دون سبب محدد وهو خوف وتوجس وتوتر يرافقه تغيرات واضطرابات جسمانية وزيادة نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي مثل صعوبة في التنفس وألم الرأس وتشنجات معدية وكثرة الحركة والتعرق.

قلق المخاوف المرضية

وهنا لا يتناسب القلق مع المثير المسبب له، فيقلق الشخص من أشياء عادية لا تثير القلق للأشخاص الآخرين مثل القلق من الحشرات والأماكن المرتفعة ومشاهدة منظر الدم.

قلق الهوس

حيث يقلق الشخص من عودة الأعراض المرضية التي عانى منها من قبل وتوقع حدوث النوبة.

القلق الخلقي

ومصدره شعور الشخص بارتكابه ذنب أو إثم أو إحباط أمر بين مكونات الأنا الأعلى كما ينشأ بسبب الصراع داخل الشخص مع الذات العليا.

ومثال على ذلك: قلق الشخص من عقاب الوالدين لمخالفته العرف والتقاليد الاجتماعية.

القلق الثانوي

وهذا النوع من القلق يكون مرافقًا للأمراض النفسية الشديدة مثل الهيستيريا والفصام وغيرها من الأمراض النفسية العقلية.

ما هي أنواع القلق النفسي؟

يمكن تقسيم أنواع القلق النفسي على النحو التالي:

القلق المطلوب

وهو قلق طبيعي لا بد للإنسان من الشعور به لمصلحته وفائدته مثل القلق من السيارات المسرعة في الشارع، أو القلق من السقوط عند الصعود على مكان مرتفع.

القلق المقبول

هذا القلق طبيعي لدى جميع الناس مثل القلق على صديق مسافر أو ولد مريض والقلق من الامتحانات وقلق الفتاة من عدم حصولها على زوج والتاجر يقلق على تجارته وغيرها.

القلق المرفوض

 ويكون على شكل هم من الأحداث الحاضرة والتشاؤم والأفكار السوداوية بشأن الأحداث المستقبلية فهذا النوع من القلق مضر ومرفوض.

أعراض القلق النفسي

للقلق أعراض متنوعة وعديدة منها ما يكون في الجانب النفسي أو الجسدي أو الاجتماعي ومن هذه الأعراض:

الأعراض الجسمية

  • آلام صدرية.
  • نقص الطاقة والحيوية.
  • اضطرابات في المعدة.
  • تسارع ضربات القلب.
  • ارتفاع ضغط الدم.
  • ارتفاع درجة حرارة الجسم.
  • اضطرابات في عملية الهضم.
  • الإمساك أو الإسهال.
  • القيء والغثيان.
  • ضيق في التنفس.
  • تنميل وبرودة الأطراف.
  • تقلص العضلات.
  • اتساع حدقة العين.
  • ارتجاف الأطراف.
  • الصداع والدوار.
  • فقدان توازن الجسم.
  • الرغبة الدائمة بالتبول.
  • اضطرابات في الدورة الشهرية لدى النساء.
  • فقدان القدرة الجنسية.
  • آلام عضلية في الأطراف والظهر وفوق الصدر.
  • مشكلات جلدية مثل: ظهور حب الشباب والبهاق والأكزيما وتساقط الشعر.

الأعراض النفسية

  • الخوف: قد يكون دون مبرر أو لا يعلم صاحبه ما سببه، أو الخوف من المستقبل أو من أمور وأحداث عادية لا تثير الخوف مثل الخوف من الإصابة بالأمراض وخاصة السرطان والإيدز وغيرها من الأمراض الخطيرة.
  • التوتر: يشعر الشخص بالتوتر الداخلي والحساسية الشديدة وعدم القدرة على الاسترخاء ويكون ذلك مثلًا عند سماع جرس الباب مثلًا فيفقد أعصابه لأتفه الأسباب.
  • اضطراب الانتباه والتركيز: يشعر الشخص بتشتت الانتباه وضعف التركيز وسرعة النسيان وعدم القدرة على التفكير وفقدان الثقة بالنفس.
  • الشعور بانعدام الأمل وعدم الاستقرار والحساسية المفرطة وسرعة الإثارة.
  • العصبية والإرهاق النفسي.
  • التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرارات.
  • الهروب من مواجهة المواقف التي يتعرض لها.
  • ضعف الشهية للطعام: ويرافقه فقدان كبير في الوزن واضطراب في النوم.
  • تناول المهدئات وشرب الخمر لتخفيف أعراض القلق مما يؤدي إلى الإدمان عليها.

أسباب القلق النفسي

تشير نتائج الاحصاءات والدراسات والبحوث إلى أن أسباب القلق النفسي يمكن تصنيفها على الشكل التالي:

عوامل وراثية

فمن الممكن أن يرث الشخص الجينات المسؤولة عن الاضطراب الكيميائي الذي يسبب القلق، وهي المسؤولة أيضًا عن ظهور أعراض القلق.

وتشير الدراسات إلى أن نسبة القلق في التوائم المتشابهة تصل إلى 50 %، وبين الآباء والأبناء، أو بين الأخوة تصل النسبة إلى 15 %.

أسباب عادية أو حضارية

حيث يكون سبب القلق هنا هو التغيرات الكبيرة والتقدم الحضاري والتطور السريع في المجتمع ونمط الحياة الحديثة والبيئة القلقة المشبعة بعوامل الخوف والهم والتوتر والضغط النفسي والحرمان وعدم الأمان وعدم الاستقرار.

أسباب تربوية

ويكون سبب القلق هو الأساليب التربوية ومعاملة الوالدية الخاطئة مثل: الكبت والإهمال أو الرعاية الزائدة أو العقاب والحرمان والنبذ والرفض، كما أن الصراعات والمناوشات بين الوالدين تؤثر على الأبناء ومن الممكن أن تسبب القلق لديهم خوفًا من انفصال الوالدين وتفكك الأسرة.

أسباب نفسية

وتُصنف الأسباب النفسية كما يلي:

الشعور بالنقص

وذلك عندما يقارن الشخص نفسه بالآخرين، أو بسبب جوانب القصور والعيوب التي يوجهها له المجتمع والأخطاء التي ينسبها المجتمع إليه.

الشعور بالذنب

ويكون بسبب شعور الفرد بإرتكاب الذنب والإثم فيشعر بالندم واللوم وعدم الغفران لنفسه وتتراوده أفكار أنه إنسان سيئ وشرير فتقل ثقته بنفسه وتتكون لديه مشاعر الدونية والاحتقار لذاته والتوقع الدائم للعقاب من الله أو من المجتمع والآخرين.

الإحباط المستمر

ويكون هنا الإحباط هو المسبب للقلق، والإحباط قد يكون ناتجًا عن ارتفاع مستوى الأهداف والطموحات أو تدني مستوى التقييم الذاتي.

التفكير في المستقبل

فالتفكير في المستقبل عامل يسبب القلق للإنسان، كونه أمر مجهول، فالفرد دائمًا يسعى إلى التقدم إلى الأمام لكي يحقق طموحه ولكن تفكيره في ضغوطات الحياة تجعله في صراع دائم ينتج عنه حالة من القلق.

أسباب فسيولوجية

مثل معاناة الشخص من بعض الأمراض الجسدية والعصبية مثل الفشل الكلوي والحساسية والالتهاب الكلوي والقولون العصبي بالإضافة إلى الأمراض الخبيثة (السرطان، الإيدز … إلخ) التي تلعب دورًا مهمًا في تشكل القلق عند المريض.

مستويات القلق النفسي

هناك ثلاثة مستويات للقلق نذكرها هنا:

المستوى المنخفض للقلق النفسي

ويكون على شكل تنبيه وإنذار الفرد لخطر على وشك الحدوث.

المستوى المتوسط للقلق النفسي

وفي هذا المستوى يصبح الفرد أقل قدرة على السيطرة على استجاباته ويحتاج إلى بذل الجهد للحفاظ على السلوك الصحيح.

المستوى المرتفع للقلق النفسي

تصبح درجة القلق مرتفعة فيتأثر التنظيم السلوكي للفرد، ويقوم بسلوكيات غير ملائمة في المواقف التي يواجهها ويظهر ذلك أيضًا في عدم القدرة على التركيز والانتباه والتفكير وردود الفعل السريعة والعشوائية.

طرق قياس القلق النفسي

يعد القلق سمة من سمات الشخصية التي يمكن قياسها كغيرها من السمات، وهناك طريقتان لقياس القلق النفسي:

الطرق الإسقاطية

حيث يعرض الفاحص على المفحوص مثير غامض ويطلب منه الاستجابة له بعد إعطائه التعليمات اللازمة، ومن أشهر الاختبارات الإسقاطية هنا:

اختبار رورشاخ Rorchach))

وهو عبارة عن بقع حبر مختلفة الأشكال في عشرة ألواح تقدم للمفحوص الواحدة بعد الأخرى، مع تقديم تعليمة الاختبار للإدلاء بأحاسيسه ومخاوفه من خلال هذه الألواح.

اختبار تفهم الموضوع ((TAT

ويتكون هذا الاختبار من 31 لوحة تشمل مشاهد في وضعيات مختلفة، وعلى ظهر كل لوحة رقم يشير إلى ترتيبها ضمن اللوحات الأخرى للرائز، وأحرف باللغة الإنكليزية تشير إلى الفئة التي تقدم لها اللوحة، وتقدم للمفحوص الواحدة بعد الأخرى مع إعطاء التعليمة اللازمة، ومن خلال هذه اللوحات يروي المفحوص قصته التي يسقط من خلالها أحاسيسه ومخاوفه.

الطرق الموضوعية

يتبع مصمم الاختبار في هذه الطريقة أسلوب الاستعانة بتقارير عن سلوك الفرد فيقوم بوضع أسئلة أو عبارات تمثل الموضوع أو المظاهر المختلفة للسمة المراد قياسها منها (الاستبيان).

وتعد هذه الطريقة من أهم الطرق التي تقيس القلق.

القلق النفسي في الدين الإسلامي

القلق حالة نفسية انفعالية موجودة لدى الإنسان منذ القدم، ويصف القرآن الكريم القلق الذي اعترى آدم عليه السلام وزوجته حواء عندما أكلا من الشجرة الملعونة، فقال تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين) [البقرة: 35].

 (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِين* وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ* قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الأعراف: 23:20].

حيث يصف الله تعالى القلق الذي أصاب آدم عليه السلام عندما أكل من الشجرة من خلال توضيح مظاهر القلق من خوفٍ من شرٍ متوقع في المستقبل وشعورٍ بالذنب وتوقعٍ للعقاب.

ويلاحظ أن القلق لم يذكر في القرآن الكريم بكلمة قلق وإنما دلت عليه كلمات أخرى مرادفة له مثل الخوف والجزع والهلع والفزع والضيق وغيرها وذلك في قوله تعالى:

(إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج: 19:18].

(سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) [إبراهيم:21]. (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النحل:112] (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ)[ص:22].

 {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:125].

 (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) [الأحزاب:26]

ويرى الإمام الغزلي أن القلق المفرط صفة لا يتصف بها المؤمن الحقيقي لأن الله تعالى وعد عباده المؤمنين الذاكرين بنفس آمنة مطمئنة.

ولقد اهتم الإسلام بالصحة النفسية للفرد، ويعتبر القرآن الكريم علاج للأزمات النفسية التي تصيب الفرد في حياته، بدليل قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]

وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 157:155].

ويرى ابن تيمية أن السعادة الحقيقية للإنسان تكمن في عبادة الله تعالى ومحبته والقرب منه ويقول في ذلك: فالقلب لا يصلح ولا يعلم ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده والإنابة إليه وبذلك يحصل الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.

كما يرى ابن القيم أن طمأنينة النفس تكون بذكر الله تعالى فيقول في ذلك: “فالطمأنينة إلى الله سبحانه وتعالى حقيقة ترد منه سبحانه على قلب عبده تجمعه عليه، وترد قلبه الشارد إليه”.

علاج القلق النفسي

العلاج النفسي

ويكون العلاج النفسي بالاستماع إلى الشخص الذي يعاني من القلق وتوجيهه وتشجيعه ومساعدته لتعديل سلوكه والتخلص من القلق.

العلاج الكيميائي

ويكون في حالات القلق الشديد، حيث يتم إعطاء الشخص أدوية وعقاقير طبية مهدئة حتى يتخلص من أعراض القلق ثم يتم إخضاعه للعلاج النفسي، ومن هذه الأدوية: مجموعة البنزوديازيين مثل الفاليوم وتمستا والليبريم وأتيفان وزاناكس وترانكسين، بالإضافة إلى مضادات الاكتئاب مثل بارنيت وديرينيل وتوفرانيل وأنفرانيل وبروزك وأسترال.

العلاج البيئي

يعتمد هذا العلاج على تعديل العوامل البيئية التي تؤثر في المريض وتسبب له القلق مثل تغيير نوع العمل وتخفيض الضغوط البيئية ومثيرات التوتر، بالإضافة إلى تعديل البيئة الأسرية من حيث اتجاهاتها نحو المريض، فإرشاد أفراد الأسرة لتغيير أنماطها السلوكية والعلاج الاجتماعي والرياضي والرحلات مما يساعد المريض على الشفاء والتخلص من مرض القلق.

العلاج التحليلي

وهذا النوع من العلاج يحتاج إلى وقت طويل ومال وإعادة تأهيل المريض، ويستخدم في حالات القلق الشديد، حيث يتم تعليم المريض الاستبصار بصراعاته اللاشعورية مع محاولة التكيف وتعديل الأهداف وحل الصراعات المكبوتة عن طريق استعمال أساليب وأدوات التحليل النفسي كالتداعي الحر وتفسير الأحلام.

استراتيجيات التخلص من القلق النفسي

  • تعزيز ثقة الفرد بنفسه: ويكون ذلك من خلال معرفة كيف يدرك الفرد نفسه وما يعتقده عن نفسه وكيف يقيم نفسه، لمساعدته في تعديل نظرته عن نفسه وزيادة ثقته بذاته.
  • الاسترخاء.
  • التأمل.
  • استراتيجية اللعب وممارسة التمارين الرياضية.
  • التفاعل والتواصل الاجتماعي: من خلال التواجد مع أناس سعداء ومع الأصدقاء وافراد العائلة والدخول في مناقشات وحوارات مع الآخرين.
  • التفكير الإيجابي والتفاؤل بالمستقبل.
  • تنفس الهواء النقي المنعش.
  • الضحك والتبسم في وجه الآخرين.
  • مشاهدة المناظر الجميلة المريحة للنفس كالخروج إلى الطبيعة.
  • التعرض الكافي لأشعة الشمس.
  • التمتع بأوقات فراغ كافية وممارسة الهوايات المفيدة والهادفة.
  • الحصول على قسط كافي من النوم ليلًا وتجنب إطالة السهر.
  • الاستماع إلى الموسيقى الهادئة.
  • استشعار وجود الله تعالى وعظمته.
  • الخروج مع الأصدقاء في نزهات ورحلات.
  • استماع المريض إلى مديح الآخرين وثنائهم عليه لكي تتعزز ثقته بنفسه.

العلاج المعرفي السلوكي

يفترض العلاج المعرفي السلوكي أن القلق يحدث نتيجة اشتراط خبرة ماضية وأحداث أليمة حدثت للمريض تثير لديه القلق مثل شخص تعرض لعضة كلب في طفولته ليلًا، أو خبرات أخرى تثير القلق لديه.

ويمر هذا النوع من العلاج بعدة مراحل نذكرها هنا أبرزها:

  • التثقيف أو التعليم النفسي.
  • تحمل المجهول والتعريض السلوكي، من خلال البحث والتعرض للأحوال التي تحدث الغموض أو عدم اليقين.
  • تقييم نفعية القلق: من خلال مساعدة المريض على اكتشاف الاعتقادات والجوانب الإيجابية من القلق.
  • تمرين حل المشكلة: وذلك بتدريب المريض على طريقة حل المشكلة.
  • التعريض المتخيل: مساعدة المريض على اكتشاف الصور والأحوال التي يتجنبها كأن نقول للمريض تخيل ما أسوأ شيء يمكن أن يحدث.
  • الوقاية من الانتكاس: من خلال مساعدة المريض ليصبح معالجًا لنفسه.

كما أن هناك مجموعة من التقنيات المستخدمة في العلاج المعرفي السلوكي للقلق:

  • تقنية تحديد الأفكار التلقائية السلبية الخاطئة والعمل على تصحيحها وتعديلها.
  • تقنية المراقبة الذاتية.
  • تقنية صرف الانتباه: وتكون بالطلب من المريض بأن يقوم بصرف انتباهه عن الأعراض التي يشعر بها لأن التركيز عليها يزيد وضعه سوءًا.
  • تقنيات التعريض: ويكون بتعريض المريض للمواقف والأحداث والأشياء التي تسبب له القلق ليتعلم إطفاءها لديه.
  • تقنية التخيل: ويكون بالطلب من المريض أن يتخيل مشهدًا غير سار ويلاحظ المعالج استجاباته عندها، فإذا أظهر المريض استجابات انفعالية وعاطفية سالبة عندئذ يبحث عن محتوى أفكاره، ثم يطلب من المريض أن يتخيل مشهدًا سار يصف مشاعره حتى يستطيع المريض أن يدرك عن طريق التغيير في محتوى أفكاره التي أثرت في مشاعره وبالتالي يمكن أن يغير مشاعره إذا غير أفكاره.
  • تقنية الحوار الذاتي: فقد يكون حوار الشخص مع نفسه مسببًا للقلق لديه، فتصبح مهمة المعالج هي معرفة ما يدور في داخل المريض من أحاديث وأفكار وتخيلات، ومن الحوارات الداخلية المطمئنة التي يمكن للمريض استخدامها:

أنا أستطيع القيام بذلك، ولا بأس ببعض التوتر فقط واصل التنفس.

هذا الشعور غير مريح أو غير سار ولكن يمكن أن أتحمله.

بإمكاني معالجة هذه الأعراض والأحاسيس.

سوف ينتهي كل ما أشعر به بعد قليل.

سوف أجتاز ذلك ولا يجب أن أدعه ينال مني.

هذه فرصة لكي أتعلم السيطرة على أعصابي ومخاوفي.

أستحق أن أشعر بأنني على ما يرام.

لقد نجوت من ذلك وسوف أنجو منه هذه المرة أيضًا.

بإمكاني أن أفعل ما علي فعله بالرغم من مشاعر القلق.

هذا القلق لن يؤذيني إنه مجرد شعور بعدم الارتياح.

هذه مجرد شعور وأوهام وليست أفكار حقيقية ولن أجعلها تؤثر علي.

هذا ليس خطير.

ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك، ماذا أتوقع، ما أسوأ ما يمكن أن يحدث.

  • تقنية التدريب على الاسترخاء: مثل القيام بالتنفس البطني وتدريبات التأمل والتفكير وتدريبات تركز على التصور.

علاج القلق النفسي في الدين الإسلامي

إن المتتبع للسنة النبوية الشريفة والمتفهم للقرآن الكريم يلاحظ تطبيق العلاج المعرفي السلوكي في الشريعة الإسلامية، ونضرب مثالًا على ذلك الحديث التالي: ” روى أبو أمامة أن غلامًا شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ((ينبي الله أتأذن لي بالزنا؟)) فصاح الناس به، فقال: صلى الله عليه وسلم ” اُدنُ ” فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” أتحبه لأمك؟ ” قال: لا …. جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ ” قال: لا …. جعلني الله فداك، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: ” اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه ” فلم يكن شيء أبغض إليه منه “.

وفي هذا الحديث الشريف نلاحظ طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الشاب الاقتراب منه وهذا الاقتراب هو الذي يتحقق من خلال العلاقة الإرشادية.

كما أن النبي لم ينتقد الشاب أو يعنفه أو يغضب منه بل أتاه بالحكمة والمنطق في عملية تعليمية عظيمة وأسلوب مهذب ولطيف.

كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم حديثه بعبارة ” أتحبه؟ ” وهذه الصياغة للسؤال توجه الشاب إلى استحضار صورة عقلية فيها الحدث والانفعال والمشاعر وهذا جزء من العملية العلاجية.

وهذا النموذج من السنة النبوية الشريفة يعطينا أسس العلاقة الإرشادية من التقبل والمعرفة بطبيعة المريض وتقريبه ثم البدء بعلاجه.

وفي نهاية الحديث عن القلق لا بد من الإشارة والتذكير بأن القلق قد يكون طبيعيًا في حده الأدنى البسيط وبذلك يكون عامًا لدى معظم البشر، وقد يكون نافعًا منتجًا عندما يشكل حافزًا ودافعًا للفرد يوجهه نحو هدفه وينشطه لتحقيقه، وقد يكون القلق مرضًا حقيقيًا يستلزم العلاج عندما يبلغ درجة كبيرة من الحدة، والإنسان هو الذي يستطيع التحكم وضبط ذاته وتحقيق توازنه النفسي لتحديد أي نوع من أنواع القلق يملك.

قد يعجبك ايضا