هل قبل النجاشي هدايا قريش لإخراج المسلمين وردهم إلى مكة؟

ضاقت على المسلمين مكة، فقد لقى أصحاب الرسول فيها من الأذى ما لا يمكن أن تطيقه نفس وعانوا الكثير مما يصيبهم في دينهم من فتنة وبلاء، وهم لا يستطيعون أن يدفعوا ذلك عنهم.

فقال الرسول ﷺ لأصحابه: ” إنَّ بِأرْضِ الحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظْلَمُ أحَدٌ عِنْدَهُ، فالحَقُوا بِبِلادِهِ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا ومَخْرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ

فخرج المسلمون على دفعات حتى اجتمعوا في الحبشة فكانت لهم خير الدار والمستقر وجدوا فيها الأمان والأمن، على أنفسهم ودينهم ولم يخشوا فيها الظلم أو الظالمين.

فلما علمت قريش ذلك اجتمعوا واتفقوا على أن يبعثوا إلى النجاشي ملك الحبشة يطلبون منه إخراج المسلمين من بلاده وردهم إلى مكة.

اختارت قريش رجلين جلدين هما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وجمعوا ما استطاعوا من هدايا للنجاشي وبطارقته واختاروا أفضل ما يمكن أن يتم إرساله من مكة إلى الحبشة، وقد كان من بين هذه الهدايا الأدم، كذلك أرسلوا فرسا وجبة وديباج…  وذلك وفقًا لما ذكره موسى بن عقبة.

قدّما لملك الحبشة هذه الهدايا، وأيضًا لكل بطريق هديته، وطلبا رد المسلمين قبل حتى أن يتكلموا معهم.

فقالوا للنجاشي حديثًا واختاروا عباراتهم بكل عناية بهدف التأثير عليه ودفعه لإخراج المسلمين من دياره: “إنَّما قَدِمَنا عَلى هَذا المَلِكِ فِي سُفَهائِنا، فارَقُوا أقْوامَهُمْ فِي دِينِهِمْ، ولَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ. فَبَعَثَنا قَوْمُهُمْ لِيَرُدَّهُمُ المَلِكُ عَلَيْهِمْ، فَإذا نَحْنُ كَلَّمْناهُ فَأشِيرُوا عَلَيْهِ بِأنْ يَفْعَلَ

فقالت بَطارِقَتُهُ: “صَدَقُوا أيُّها المَلِكُ، لَوْ رَدَدْتَهُمْ عَلَيْهِمْ، كانُوا هُمْ أعْلى بِهِمْ عَيْنًا، فَإنَّهُمْ لَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ فَتَمْنَعَهُمْ لِذَلِكَ

ما كان من النجاشي إلا أن اشتعل غضبًا فكيف له أن يخرج من دياره من التجأ إليه، وخاصة وأن طلبهم كان إخراج المسلمين دون الاستماع إليهم، ولا بد من وجود سبب لهذا الشرط.

فقال: “لا، لَعَمْرُ اللَّهِ لا أرُدُّهُمْ عَلَيْهِمْ حَتّى أدْعُوَهُمْ، فَأُكَلِّمَهُمْ وأنْظُرَ ما أمْرُهُمْ، قَوْمٌ لَجَؤُوا إلى بِلادِي، واخْتارُوا جِوارِي عَلى جِوارِ غَيْرِي، فَإنْ كانُوا كَما يَقُولُونَ رَدَدْتُهُمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ، ولَمْ أدْخُلْ بَيْنَهُمْ وبَيْنَهُمْ، ولَمْ أُنْعِمْهُمْ عَيْنًا”

أي رفض أن يخرج المسلمين قبل أن يراهم ويسمعهم وأن يعرف أي دين هذا الذي هم عليه. ودخل المسلمون على النجاشي ولكنهم لم يسجدوا له.

فقال لهم: “أيُّها الرَّهْطُ ألا تُحَدِّثُونِي ما لَكُمْ لا تُحَيُّونِي كَما يُحَيِّينِي مَن أتانا مِن قَوْمِكُمْ؟ وأخْبِرُونِي ماذا تَقُولُونَ فِي عِيسى، وما دِينُكُمْ؟ أنَصارى أنْتُمْ؟

قالُوا: لا

قالَ النجاشي: أفَيَهُودٌ أنْتُمْ؟

قالُوا: لا

قالَ النجاشي: فَعَلى دِينِ قَوْمِكُمْ؟

قالُوا: لا

قالَ النجاشي: فَما دِينُكُمْ؟

قالُوا: الإسْلامُ

قالَ النجاشي: وما الإسْلامُ؟

قالُوا: نَعْبُدُ اللَّهَ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا

قالَ: مَن جاءَكُمْ بِهَذا؟

قالُوا: جاءَنا بِهِ رَجُلٌ مِن أنْفُسِنا، قَدْ عَرَفْنا وجْهَهُ ونَسَبَهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْنا كَما بَعَثَ الرُّسُلَ إلى مَن قَبْلَنا، فَأمَرَنا بِالبَرِّ والصَّدَقَةِ والوَفاءِ وأداءِ الأمانَةِ، ونَهانا أنْ نَعْبُدَ الأوْثانَ، وأمَرَنا بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَصَدَّقْناهُ وعَرَفْنا كَلامَ اللَّهِ، وعَلِمْنا أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا فَعَلْنا ذَلِكَ عادانا قَوْمُنا، وعادَوُا النَّبِيَّ الصّادِقَ وكَذَّبُوهُ، وأرادُوا قَتْلَهُ، وأرادُونا عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ، فَفَرَرْنا إلَيْكَ بِدِينِنا ودِمائِنا مِن قَوْمِنا.

قالَ: واللَّهِ إنَّ هَذا لَمِنَ المِشْكاةِ الَّتِي خَرَجَ مِنها أمْرُ مُوسى

وأشاروا إلى تحيته وعدم سجودهم له، وبأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأن تحية أهل الجنة هي السلام وأمرهم بتحيته بذلك.

رد النجاشي: “اذْهَبُوا فَأنْتُمْ سُيُومٌ فِي الأرْضِ والسُّيُومُ: الآمِنُونَ فِي الأرْضِ مَن سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَن سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَن سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثَلاثًا، ما أُحِبُّ أنَّ لِي دَبْرًا، وأنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنكُمْ. والدَّبْرُ بِلِسانِهِمُ: الذَّهَبُ”

ثُمَّ قالَ: “فَواللَّهِ ما أخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، ولا أطاعَ النّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النّاسَ فِيهِ، رُدُّوا عَلَيْهِما هَداياهُما فَلا حاجَةَ لِي بِها، واخْرُجا مِن بِلادِي

فلم يقبل هدايا قريش وأخرجهم من دياره مقبوحين مردودي المراد وهكذا نصر المسلمين، وهكذا كانت قريش خائبة وبسبب فعلتها عرف النجاشي على أي دين هم المسلمين، وعزم على تركهم في بلاده آمنين.

إذا استفدت من المقال، فساعدنا بمشاركته مع من تحب