من الذي بنى الكعبة … قبلة المسلمين في أصقاع الأرض كلها

من الذي بنى الكعبة … قبلة المسلمين في أصقاع الأرض كلها

من الذي بنى الكعبة، بيت الله، أو كما هو معروف البيت الحرام، الذي يمثله مبنىً يقع وسط المسجد الحرام فى مدينة مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية. وتكمن أهميتها كونها ترتبط ارتباطاً مباشرًا بأركان الإسلام، ولا سيما فريضة الحج، بالإضافة إلى أنها قبلة المسلمين عند أداء الصلاة. وقد ذُكرت الكعبة في القرآن الكريم في سورة آل عمران (96): { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين}.

من الذي بنى الكعبة؟

اختلفت آراء علماء المسلمين حول من الذي بنى الكعبة ؟ و لكن يمكن تلخيص ما أجمعوا عليه فيما يلي:

  • أجمع بعض علماء المسلمين على أن الله سبحانه وتعالى، وضع الكعبة الشريفة لآدم دون أن يبنيها أحد، وقيل  وضعتها الملائكة بأمره سبحانه في المكان الذي أراد الله لبيته أن يوضع فيه، قبل آدم .
  • بينما أجمع فريق آخر، على أن الكعبة شيدها سيدنا آدم عليه السلام في مكانها المحدد، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو قال: لمّا أهبطَ اللهُ آدمَ منَ الجنَّةِ قالَ: إنِّي مُهبطٌ معكَ بَيتًا أو مَنزلًا يُطافُ حَولَه كما يُطافُ حَولَ عَرشي ويصلّى عندَه كما يصلّى حَولَ عَرشي (الهيتمي المكي (ت ٨٠٧)، مجمع الزوائد ٣‏/٢٩١). لكن دمرها طوفان نوح بعد ذلك.
  • كما ذُكر في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى حدد لسيدنا ابراهيم عليه السلام، موقع بناء الكعبة في قوله تبارك وتعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً}، فالكعبة هي التي تدلنا على مكان البيت، وليست هي البيت، فالبيت كان موجودًا قبل سيدنا إبراهيم عليه السلام، و قد اقتصرت مهمته على رفع القواعد لإظهار مكان البيت للناس. مما يعني أن البيت كان موجودًا مذ كان سيدنا إسماعيل طفل رضيع. { رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة} إبراهيم (37). حيث تركه مع أمه حجر بأمر من الله سبحانه في وادٍ بمكة المكرمة، بجانب بيت الله المحرم، حيث لا ماء ولا غذاء، حتى رزقهما الله بماء نبع زمزم والطعام، ولكن قواعد البيت أقيمت بعد أن أصبح إسماعيل شابًا يافعًا قادرًا على أن يساعد أباه في بناء الكعبة. إذن فمكان بيت الله الحرام كان موجودًا قبل أن يبني سيدنا إبراهيم عليه السلام الكعبة الشريفة. لذا يعد أول من بنى الكعبة الشريفة، كأول بيت يؤسس لإرشاد الناس إلى التوحيد وعبادة الله سبحانه وتعالى، وبحسب القرآن الكريم وعد الله تعالى أن يبارك لإبراهيم وأن يرزقه في ذريته من الأنبياء، وبالفعل فقد كان سيدنا اسماعيل عليه السلام، الابن الأول للنبي إبراهيم عليه السلام ومن نسله جاء آخر الأنبياء النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

قصة بناء الكعبة بيد سيدنا ابراهيم عن أهل السنّة

عن خالد بن عرعرة:  سَألَ رَجلٌ عَليًّا، كرم الله وجهه، عنْ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ للنّاسِ للَّذي ببَكَّةَ مُباركًا، أهو أوَّلُ بيتٍ بُنِيَ في الأرضِ؟ قالَ: لا، ولكنَّه أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ فيه البَركةُ والهُدى، ومَقامُ إبراهيمَ، ومَنْ دَخَلهُ كان آمِنًا، وإنْ شئتَ أنبأتُكَ كيف بناهُ؛ إنَّ اللهَ أَوْحى إلى إبراهيمَ أنَّ لي بيتًا في الأرضِ فضاقَ به ذَرْعًا، فأَرسَلَ اللهُ إليه السَّكينةَ، وهي ريحٌ خَجوجٌ، لها رأسٌ، فاتَّبعَ أحدُهُما صاحِبَهُ حتّى انتهتْ، ثُمَّ تَطوَّقتْ إلى موضعِ البيتِ تَطوُّقَ الحيَّةِ، فبَنى إبراهيمُ، فكان يَبْني هو ساقًا كُلَّ يومٍ، حتّى إذا بَلَغَ مكانَ الحجَرِ قالَ لابنِهِ: أبْغِني حجَرًا، فالتمسَ، ثُمَّ حجَرًا حتّى أتاهُ به، فوجَدَ الحجَرَ الأسودَ قد رُكِّبَ، فقالَ له ابنُهُ: مِن أين لكَ هذا؟ قالَ: جاءَ به مَنْ لمْ يَتَّكلْ على بِنائكَ، جاءَ به جِبريلُ عليه السَّلامُ مِنَ المسجدِ، فأتمَّهُ.) ( كتاب – المستدرك على الصحيحين ٣١٩٥ – صحيح على شرط مسلم)

إعادة بناء الكعبة في عهد سيدنا محمد

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا حين أرادت قريش هدم الكعبة لإعادة بنائها مرة أخرى، حيث تشققت جدرانها وأصبحت ضعيفة جدًا. علاوة على ذلك، أدى عدم وجود سقف إلى سرقة الكنوز المحفوظة بالداخل. اتفقت القبيلة على أن الأموال الخالصة فقط هي التي ستستخدم لإعادة البناء، وأن الأموال المكتسبة من الربا أو من اضطهاد الناس لن يتم استخدامها.

فهدمت قريش المبنى حتى وصلوا إلى الأساسات التي وضعها النبي إبراهيم عليه السلام. وأثناء البناء قاموا بتقسيم الكعبة إلى أجزاء، وأعطوا كل قبيلة جزءًا لبنائها، وعندما وصلوا إلى موقع الحجر الأسود، شبت الخلافات حول من سيضع الحجر الأسود في مكانه. وبعد اشتداد الخلاف واقتراب نزف الدماء اتفقوا على السماح لأول شخص بدخول حرم الكعبة حل الخلاف. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من دخل الحرم فصرخوا بفرح: “جاء الأمين.” وبالتالي، وافقوا جميعًا على الاستماع إليه.

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار قطعة قماش، ووضع الحجر الأسود في وسط القماش. ثم أمر صلى الله عليه وسلم كل قبيلة برفع حافة الملاءة في نفس الوقت وتقريبها من الكعبة. بعد ذلك، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود ووضعه في مكانه. كان هذا حلاً حكيماً للخلاف الذي أوضح حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نبذة عن تاريخ بناء الكعبة المشرفة

قبل فتح مكة المكرمة من قبل الرسول الكريم مع أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمه، وإخوانه الذين كانوا من نبلاء قريش الأثرياء، كان البناء مكانًا لحفظ الأصنام وعبادتها، وكان يأتي إليها أناس من دول ومدن أخرى كل عام لزيارة الأصنام وتقديم فروض الطاعة والإحترام لها بالإضافة إلى التجارة مع أهل مكة.

وقد كان سبب خلافاتهم وحروبهم مع سيدنا محمد عليه أفضل الصلاوة والسلام بعد أن أصبح نبيًا هو خوفهم من ركود أعمالهم وأرباحهم وتجارتهم. حيث كانت قريش قد وضعت أصنامًا مختلفة حول الكعبة المشرفة مثل: لوط، عوزي، أسافة، نائلة، منات… إلخ. إلا أن أكبر هذه الأصنام كانت هبل، التي قيل إنها ُحطمت بأمر سيدنا علي (عليه السلام) بعد فتح مكة، حين ذهب محمولًا على أكتاف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكسر هذه الأصنام.

في عصر ما بعد الإسلام، دمرت الكعبة بالكامل وأعيد بناؤها أربع مرات. المرّتان الأوليتان تعودان إلى القرن الأول الهجري، خلال الحروب بين الأمويين وعبد الله بن الزبير، أمير مكة في ذلك الوقت، حيث اشتعلت فيها النيران في المرة الأولى، أما في المرة الثانية فقد أمطرها جنود الحجاج بن يوسف الثقفي بالمنجنيق. و يعود التدمير الثالث لمكة المكرمة إلى عام 930 م عندما هاجم القرامطة مكة وذبحوا الحجاج وملأوا بئر زمزم بجثث الموتى. كما قاموا بسرقة الحجر الأسود وأخذوه معهم إلى منطقة الأحساء شرق شبه الجزيرة العربية. في حين أن الدمار الرابع للكعبة الشريفة كان نتيجة فيضان حدث عام 1629 م. بعد ذلك أعاد السلطان مراد الرابع بناء الكعبة بأحجار الجرانيت التي بقيت حتى يومنا هذا.

من أسماء الكعبة الشريفة

من الأسماء الأخرى للكعبة الشريفة التي ذكرت في القرآن الكريم: “البيت العتيق”، “البيت الحرام”، “البيت المعمور”.

في النهاية

إن تاريخ الكعبة ليس مجرد تاريخ مثير للاهتمام، ولكنه يشرح رمزًا حقيقيًا وحاضرًا يربط جميع المسلمين معًا أينما كانوا. كما أنه يربطنا بماضينا حتى نتمكن من استخلاص الدروس ونشعر بأننا جزء من مهمة واحدة أبدية. تذكرنا الكعبة بتراثنا المشترك وروابطنا. إنه رمز وحدة الأمة المسلمة والملائكة الذين خلقهم الخالق الواحد على حد سواء.

المصادر

208 مشاهدة