متلازمة توريت تاريخ المرض وانتشاره .. معلومات هامة

متلازمة توريت اضطراب في الجهاز العصبي تجعل الأشخاص المصابين بها يعانون من “التشنج اللاإرادي” عبر إحداث حركات أو أقوال خارجة عن إرادتهم.

ومن المعروف أن لكل مرض منشأ معين، شُخص لأول مرة من خلال أحد الأطباء أو المعالجين، لذلك في هذا المقال رأينا أن نتعرف معكم على نشأة المرض وانتشاره، وكيف توصل الباحثون في دراسته على تعريفه وربطه مع أسباب معينة للإصابة به وتشخيصه للوصول إلى علاجات مختلفة له.

متلازمة توريت تاريخ المرض وانتشاره

فترة القرن التاسع عشر كانت من أهم الفترات التي تم خلالها اكتشاف الكثير من الأمراض التي تتعلق باضطرابات الدماغ أو المتعلقة بعلم الأعصاب، ومن خلال هذه الأبحاث تم التعرف على أمراض جديدة وتم توثيقها لأول مرة وبشكل واضح في العلوم الطبية.

جان مارتن شاركو

وقد ساهم في هذه الإنجازات الكثير من الأطباء والعلماء والباحثين المتخصصين الذين كان لهم الفضل في ذلك، ومن بين هؤلاء الطبيب الفرنسي المشهور بعلم الأعصاب جان مارتن شاركو (Jean-Martin Charcot) ‏(1825-1893)، وهو من أشهر أطباء الأعصاب في فرنسا وله باع طويل في علم الأعصاب.

اقرأ أيضًا: متلازمة توريت (Tourette syndrome) … دليلك الشامل

أول ظهور لمتلازمة توريت

وللحديث على أول ظهور لمتلازمة توريت يمكن القول أنه أثناء عمل الطبيب الفرنسي المشهور (شاركو) في مستشفى Salpêtrière بباريس، اهتم كثيرًا بالحالات التي كانت تأتي لهذه المشفى وتتعلق باضطرابات الجهاز العصبي، فاهتم بنفسه بكل ما يتعلق الأمراض العصبية، وعُين على أثرها مديرًا لهذه المستشفى والتي كانت تجتذب الكثير من طلاب الطب للتدريب فيها والأخذ بتوجيهاته وتعليماته، وكان من بين هؤلاء المتدربين عدة أطباء منهم (سيغموند فرويد) المشهور بأنه رائد في مجال الطب النفسي وعلم النفس، وهناك أيضًا (جورج ألبرت إدوارد بروتوس جيل دي لا توريت) الذي نُسب إليه لاحقًا وصفه وتشخيصه لأعراض الاضطراب العصبي المعروف بمتلازمة توريت.

من هو جيل دو لا توريت؟

الطبيب الفرنسي توريت

بدأ دراساته الطبية في الفترة (1873-1876) في منطقة بواتييه بباريس، حيث بدأ تدريبه على يد الطبيب الفرنسي شاركو في مستشفى Salpêtrière وتدرب على دراسة العديد من الحالات الطبية التي تأتي للمشفى كالتنويم المغناطيسي، والهستيريا، والرنح والذي هو (اضطراب عصبي يتسبب في ضعف التنسيق الحركي) تحت اشراف شاركو.

وقد طلب منه الطبيب شاركو الاهتمام بحالات الاضطرابات الحركة الانتيابية، وهي أمراض عصبية ما يميزها أنها عبارة عن نوبات مفاجئة من الفعل أو العاطفة، وبالفعل قام توريت بذلك.

في مقال نشره الطبيب (جيل دو لا توريت) في المجلة الطبية (Archives de Neurologie3) في عام 1885 وكان في الـ 28 من عمره، أنه خلال دراساته في هذه المشفى أحيل إليه حالة عصبية غريبة أسماها “maladie des tics” وقد أفاد فيها أنه لاحظ أن هناك 9 من الأفراد الذين عاينهم، إضافة للحالة الأولى، كانوا يُعانون من حالة لها سمات مختلفة، تبدأ معهم من الطفولة وتتعلق بالوراثة، وانها عبارة عن حركات نمطية، واحساس مبكر، وأصوات غريبة، وفي اعتقاد توريت آنذاك أنه شخصها بأن سبب هذه الاضطرابات هو تنكسي حيث ورث المصاب جهازًا عصبيًا أضعف بسبب السلوكيات اللاأخلاقية للأجيال السابقة، (حيث كان الاعتقاد الخاطئ في هذه الفترة لتشخيص العديد من الاضطرابات العصبية أو العقلية على أنها ناجمة عن أفعال خاطئة، أو أرواح شريرة).     

هل تم وصف متلازمة توريت سابقًا؟

من الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن جيل دي لا توريت يُنسب إليه اكتشاف الاضطراب الذي يحمل اسمه (متلازمة توريت)، إلا أن هناك أدلة تشير إلى أن هذه الحالة سبق وصفها من قبل أطباء آخرين.

ففي كتاب يسمى (Malleus Maleficarum)، أو (مطرقة الساحرات) والذي نُشر في عام 1498، وصف الكاتب كاهنًا مصابًا بعرّات حركية وصوتية يُعتقد أنها نتيجة لاستحواذ الشيطان عليه أو السحر أو الأرواح الشريرة التي سيطرت على المصاب.

لكن في عام 1825 أفاد الطبيب الفرنسي جان مارك غاسبار إيتارد (1775-1838) أن (ماركيز دي دامبيير) وهي امرأة مهمة من الطبقة الأرستقراطية الباريسية النبيلة، عانت من اضطراب تميز بحركات لا إرادية مرتبطة بالألفاظ المفاجئة وغير المرغوب بها، وهي واحدة من هؤلاء المرضى الـ 9 الذين عاينهم توريت وتم تشخيص إصابتهم لأول مرة بمتلازمة توريت.

كما وصفت إحدى المنشورات التي نشرها الطبيب الفرنسي الشهير أرماند تروسو (1801-1867) في عام 1873 العديد من المرضى الذين يعانون من التشنجات اللاإرادية الحركية والصوتية.

 لكن من المثير للاهتمام، أن الطبيب الفرنسي (جيل دو لا توريت) هو الذي أبلغ بوضوح الميزات العديدة للحالة، وبالتالي فهو الذي مهد الطريق للاعتراف بمتلازمة توريت باعتبارها اضطرابًا عصبيًا متميزًا.

دراسات عن متلازمة توريت بعد الطبيب (جيل دو لا توريت)

بعد وفاة الطبيب الفرنسي (جيل دي لا توريت) وحتى أوائل الستينيات، كان هناك اهتمام ضئيل نسبيًا بدراسة متلازمة توريت مقارنة بالحالات العصبية الأخرى مثل مرض باركنسون ومرض الزهايمر، والتي تم التعرف عليها كحالات طبية خلال نفس الفترة.

بدأ هذا يتغير في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي عندما أثبت شابيرو وزملاؤه أن عقار (هالوبيريدول) المضاد للذهان يمكن أن يكون مفيدًا في علاج أعراض متلازمة توريت وتخفيف شدة التشنجات اللاإرادية التي يُعاني منها المصاب.

وبدأت هذه الملاحظة في إثارة التساؤل حول وجهة النظر النفسية والاجتماعية والتحليل النفسي (على سبيل المثال وجود التشنجات اللاإرادية تتعلق بالمشاعر والتعبيرات الجنسية) ونهج علاج الاضطراب الذي اقترحه المحلل النفسي المجري ساندور فيرينزي (1873-1933) في عام 1921 والذي كان سائدًا خلال العقود السابقة.

تزامن هذا مع إنشاء الرابطة الوطنية لمتلازمة توريت في الولايات المتحدة في عام 1972، مع الاهتمام الكبير بهذا الاضطراب وحفزه خلال السبعينيات والعقود اللاحقة، وقد تم تقديم جوائز المنح البحثية من قبل جمعية توريت (بدءًا من عام 1984)، ولاحقًا المنظمات الأخرى في جميع أنحاء العالم التي قامت على تشجيع العديد من علماء الأبحاث والأطباء على التحقيق في الأسباب والسعي للحصول على علاجات محسنة لاضطراب متلازمة توريت.

واليوم نحن نستفيد من فهم أفضل لمتلازمة توريت، وبالتالي نحن قادرون على تطبيق استراتيجيات علاجية مختلفة لعلاج الأفراد المصابين بهذه الحالة بشكل أفضل.

انتشار متلازمة توريت

تشير التقارير الأولى عن انتشار متلازمة توريت (TS) إلى أن الحالة كانت غامضة إلى حد ما أثناء وقبل القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أنه من غير المعروف ما إذا كان عدد الأفراد المصابين بمتلازمة توريت قد زاد بالفعل منذ ذلك الحين، فمن الواضح اليوم أن المهنيين الطبيين أكثر قدرة على تشخيص متلازمة توريت وأن عامة الناس أكثر وعيًا بالحالة.

على الرغم من الإبلاغ عن انتشار متلازمة توريت في جميع أنحاء العالم من (0.3٪ إلى 0.8٪) من جميع الأطفال، تشير بعض الدراسات الوبائية إلى أن ما يصل إلى 24٪ من الأطفال قد يعانون من التشنجات اللاإرادية في وقت ما أثناء طفولتهم، وما يصل إلى (2-3٪) من جميع الأطفال قد يطور الأطفال بعض الميزات في هذا المرض.

لا يزال سبب متلازمة توريت بعيد المنال، حيث لاحظ (جيل دو لا توريت والطبيب تروسو) أن الحالة حدثت في العائلات، واقترحوا أنها ربما تكون قد انتقلت من جيل إلى جيل نتيجة “لسلوكياتهم غير الأخلاقية”، أما اليوم من الواضح أن متلازمة توريت هو مرض وراثي، حيث كانت هناك جهود دولية مكثفة تهدف إلى اكتشاف العيوب الجينية التي تسبب الاضطراب أو تساهم فيه، لكن تظل هذه غير معروفة، باستثناء نتائج الطفرات النادرة جدًا في عدد قليل من العائلات المصابة بهذه الحالة.

هناك اقتراحات بأن العوامل الأخرى مثل العوامل البيئية والعدوى، قد تلعب دورًا في تطوير متلازمة توريت، لكن هذه النظريات لا تزال غير مثبتة وتتطلب مزيدًا من الدراسة.

خلاصة القول

لقد مضى حتى الآن ما يقارب مئة عام أو أكثر منذ أن وصف وشخص الطبيب الفرنسي (جيل دو لا توريت) بوضوح الاضطراب الذي يحمل اسمه (متلازمة توريت)، وقد تأخر البحث في هذه الحالة لعدة عقود، لكن الاهتمام بدأ في الازدياد منذ الستينيات وحتى يومنا، حيث يدرس العديد من العلماء والأطباء في جميع أنحاء العالم هذا الاضطراب.

وعلى الرغم من إحراز تقدم في العديد من المجالات، مثل التشخيص الصحيح وفصله عن الاضطرابات الأخرى، وزيادة الوعي وتوافر العلاجات لبعض الحالات، إلا أنه لا يزال هناك العديد من الألغاز والاحتياجات غير الواضحة تمامًا حول متلازمة توريت، على سبيل المثال:

  • يظل السبب وراء الإصابة بمتلازمة توريت، وتغيرات الدماغ الدقيقة الكامنة وراء هذا الاضطراب غير معروف.
  • ولا يزال هناك نقص في الأدوية عالية الفعالية، والآمنة للعديد من المصابين بهذه الحالة.

لكن عامة في السنوات القادمة نتوقع أن يستمر البحث في معالجة العديد من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها، وبالتالي كشف الألغاز العديدة المحيطة بهذا الاضطراب، كما نتطلع إلى تطوير علاجات أكثر فاعلية، آملين في وجود علاج نهائي لمتلازمة توريت.

أخيرًا …

من خلال نشأة المرض وانتشاره والمتعلق بمتلازمة توريت نجد:

  • يتمتع الأشخاص المصابون بمتلازمة توريت بمستوى طبيعي من الذكاء، بمعنى لا يؤثر هذا المرض على درجة الذكاء لديهم.
  • لا يتأثر متوسط ​​العمر المتوقع للمرضى بمتلازمة توريت.
  • متلازمة توريت مرض مزمن يستمر لسنوات عديدة.
  • متلازمة توريت مزعجة للغاية بالنسبة للشخص، ونتيجة للتشنجات اللاإرادية التي تحدث له تتضاءل ثقته بنفسه وتتأثر حياته الاجتماعية سلبًا، كما يمكن أن يؤدي التعايش مع متلازمة توريت إلى الشعور بالوحدة والعزلة، مما يجعل المصاب يفشل في إدارة نوبات التوتر والتشنجات الخاصة، ويتردد في الانخراط في الأنشطة التي يستمتع بها الآخرون، لذلك من الضروري:

اعلام المصاب بطبيعة مرضه، والاستماع لتجارب الآخرين المصابين بنفس المرض، وكيفية تخطيهم الظروف الصعبة، إضافة لضرورة تثقيف الأشخاص المقربين منه من الأهل، والأصدقاء، والمعلمين، وأقرانه في المدرسة، لتخطي الأعراض وتخفيف حدتها، بالإضافة لمساندة ومساعدة المصاب في التغلب على المرض.

المصادر:

إذا استفدت من المقال، فساعدنا بمشاركته مع من تحب