قصة ماشطة ابنة فرعون .. والرائحة الطيبة التي شمها النبي عليه الصلاة والسلام في السماء السابعة

الصورة البارزة

لم يحفظ التاريخ اسمها ولكنه حفظ فعلها، امرأةً صالحة مؤمنة تحدت فرعون وجبروته، ما ضعفت ولا استكانت، بل قدّمت أرواح صغارها الخمسة في سبيل الله وما اكتفت، بل قدّمت روحها أيضًا لتبقى رمزًا للثبات والتضحية إلى يومنا هذا.

إنها ماشطة ابنة فرعون التي سنروي لكم أحداث قصتها صحيحةً كاملةً عبر مقالنا هذا، لذا ابقوا معنا.

كيف بدأت قصة ماشطة ابنة فرعون؟

لقد حدث في قصر فرعون كثير من الأحداث والقصص، بدأت بقتل زوجته التي صبرت على إيذاءِ فرعون لها، وتحملت عذابه بعدما علم أنها تعبد الله ولا تعبده، وتليها قصة الخادمة التي جاءت إلى قصر فرعون مع زوجها ليعملوا على خدمته هو وبناته.

زوجها كان مقرب من فرعون وهي امرأة صالحة عملت خادمة وماشطة لبنات فرعون لذلك سميت (ماشطة ابنة فرعون)، فمن حسن أخلاقهما وصلاحهما منَّ الله عليهما بالإيمان فلم يلبث زوجها أن علم فرعون بإيمانه فقتله، مما اضطر ماشطة ابنة فرعون إلى إخفاء إسلامها وإيمانها بالله عن الجميع، واستمرت في العمل في قصر فرعون لتنفق على أطفالها الخمسة، وتطعمهم كما تطعم الطير أفراخها الصغار.

كيف علم فرعون بإسلام ماشطة ابنته؟

كيف علم فرعون بالقصة

ذات يوم بينما كانت الماشطة تمشط ابنة فرعون وقع المشط من يدها، فانحنت لكي تتناوله من على الأرض وقالت: (بسم الله)، فقالت ابنة فرعون، الله! هل تقصدين أبي؟

فصاحت الماشطة بابنة فرعون كلا.. بل الله ربي وربك ورب أبيكِ وربّ العالمين أجمعين، فتعجبت الفتاة أن يعبد غير أبيها وغضبت غضبًا شديدًا وقالت لها: سأخبر أبي بما قلتي، فقالت الماشطة: أخبريه.. إلى متى سنظل نخفي إيماننا، فسوف يأتي يوم على الناس يعلمون أن ربنا هو الله وحده لا شريك له.

فذهبت الابنة إلى أبيها لتخبره بأمر ماشطتها، فغضب فرعون غضبًا لم يشهد له ذلك من قبل لوجود من يعبد غيره في قصره، فنادى بإحضارها على الفور، دخلت الماشطة على فرعون وفي قلبها قوةٌ من الإيمان وثقتها بالله تعالى لا يعادلها شيء، فسألها هل حقاً أنك تؤمنين بأحدٍ غيري، قالت: نعم، إني أعبد الله ربي وربك. ازداد غضب فرعون، وطالبها بالرجوع عن دينها، وهددّها بحبسها وتعذيبها، إلا أن المشاطة أبت أن ترتد عن دين الحق.

عذاب ماشطة ابنة فرعون وثباتها على دينها

عذاب ماشطة ابنة فرعون

بعد رفض الماشطة لأمر فرعون بالرجوع عن دينها، أمر فرعون بقدرٍ من نحاس مملوء بالزيت المغلي، أوقف فرعون الماشطة أمام القِدْر، فتقدمت نحوه مُسَلِّمَةً أمرها لله تعالى، متمنية الشهادة في سبيل الله، وأيقنت إنما هي نفس واحدة تخرج وتلقى الله، ولكن قبل نزولها بالقِدْر أراد فرعون زيادة عذابها.

فقد علِم فرعون أن أحب الناس عليها هم أولادها الخمسة التي كانت تُربيهم بعد أن قتل أباهم، فأمر الجنود بإحضار الأبناء إلى غرفة التعذيب الفرعونية، وهم يرتجفون خوفاً لا يدرون إلى أين يُساقون، فلما رأوا أمهم تعلقوا بها وهم يبكون فهبت عليهم تقبلهم وتبكي، وأخذت أصغرهم وضمته إلى صدرها، وألقمته ثديها، فلما رأى فرعون هذا المنظر أمر بأكبرهم، فجره الجنود وهو يصيح ويستغيث بأمه، ويسترحم الجنود ويتوسل إلى فرعون ويحاول الفكاك والهرب، وينادي أخوته الصغار ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين وهم يصفعونه وأمه تنظر إليه وتودعه بعد أن عجز لسانها على الكلام.

فما هي إلا لحظات حتى ألقي الطفل في الزيت وأمه تبكي وتنظر إليه بحرقة وأخوته يغطون أعينهم بأيديهم من شدة خوفهم، وبعد أن ذاب لحمه من على جسمه النحيل وطافت عظامه البيضاء فوق الزيت نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله لكي يعفو عن البقية، فأبت وبقيت على دينها، فغضب فرعون وأمر بولدها الثاني ثم الثالث فالرابع، واختلطت عظام الأولاد في ذلك القدر والأم تبكي وتتقطع لفراقهم لكنها جاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك إلى أن حان دور طفلها الرضيع، التفت الجنود إليها وتدافعوا عليها وانتزعوا الطفل من بين يديها، بدأ الصغير بالبكاء والصراخ وانهارت المسكينة، وكادت أن تضعف وتغير رأيها من أجل طفلها الصغير.

كيف ثبّت الله سبحان وتعالى ماشطة ابنة فرعون على الإيمان؟

عندما رأى الله ذل ماشطة ابنة فرعون وانكسارها حدث شيء لم يُتوقّع حدوثه، فقد حصلت المعجزة وأنطق الله هذا الصغير، وقال لها: يا أماه أصبري فإنك على الحق. ثم انقطع صوته عنها وغيِّب في القدر مع إخوته وفي فمه بقايا من حليبها، وفي يدهِ شعرة من شعرها، وعلى ثوبه بقيةً من دموعها.

ما أقسى هذا الموقف، تنظر المسكينة إلى عظام أولادها الذين قُتلوا أمام ناظريها، كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب بكلمة كفر تُسمعها لفرعون، لكنها علمت أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

وعندما لم يبقى إلا هي أقبلوا الجنود عليها كالكلاب الضارية، وحملوها ليقذفوها في الزيت فالتفتت إلى فرعون وقالت له: لي عندك حاجة فصاح بها وقال: ما حاجتكِ؟ فقالت: أن تجمع عظامي وعظام أولادي وتدفنها في قبر واحد، فوافق فرعون على طلبها، ثم أغمضت عينيها وألقيت في القدر وأحترق جسدها وطافت عظامها، فما أعظم ثباتها وما أكثر ثوابها.

هل قصة ماشطة ابنة فرعون صحيحة؟ ومن هو الراوي؟

تبين أن قصة ماشطة ابنة فرعون صحيحة وثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد جاءت الرواية على لسان جبريل عليه السلام وليست مأخوذة من مصادر مجهولة أو روايات متداولة، وقد وردت القصة كالتالي:

عَنِ ‏‏ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ‏‏قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (‏ ‏لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي ‏‏أُسْرِيَ ‏‏بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ : يَا ‏جِبْرِيلُ‏،‏ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ ‏‏مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ ‏‏وَأَوْلادِهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟ قَالَ: بَيْنَما هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ ‏‏فِرْعَوْنَ ‏‏ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتْ ‏‏الْمِدْرَى ‏‏مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ ‏ ‏فِرْعَوْنَ:‏ ‏أَبِي؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أُخْبِرُهُ ‏‏بِذَلِكَ! قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَاهَا فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ‏ ‏تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ أَولادي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ، قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا ‏‏أُمَّهْ،‏ ‏اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ).

و‏‏قَالَ ‏‏ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريح، وشاهد يوسف، وابن ماشطة فرعون. أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/309)، والطبراني (12280)، وابن حبان (2903)، والحاكم (2/496)، وقال الذهبي في العلو (84) عن هذا أنه حديث حسن الإسناد، وقال ابن كثير في التفسير (3/15) أن إسناده لا بأس به، وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (4/295)، وقال الأرناؤوط في تخريج المسند (5/30 – 31 رقم 2821) أن إسناده حسن.

المصادر:

انتقل إلى أعلى