قصة مريم بنت عمران عليها السلام … سيدة نساء العالمين

قصة مريم بنت عمران عليها السلام … سيدة نساء العالمين

مَريَم بنت عِمْرَانَ هي مريم «العذراء»، «الصدّيقة» الطاهرة العفيفة. اصطفاها الله على نساء العالمين. أم المسيح عيسى بن مريم، ذكرها لنا القرآن الكريم في عدّة مواضع: آل عمران، والأنبياء، والتحريم. وسميت سورة باسمها. ذُكرت أيضًا في السنة النبوية الصحيحة.

(ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه)، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (آل عمران:36)، رواه مسلم.

ميزها الله تعالى عن نساء العالمين بمعجزة إلهية عظيمة أن حملت بعيسى دون ما رجل يمسها. شهد الله لها بالعفة وطهّرها. روي في كمالها عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمُل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (رواه البخاري ومسلم).

لنتعرف على قصة مريم بنت عمران الطاهرة العذراء ولم اصطفاها الله عزوجل دون غيرها … من كفلها؟ وما صلة قرابتها بزكريا ويحيى عليهما السلام. وكيف أنجبت عيسى من دون أب وكيف كانت ردة فعل ما حولها من الناس عندما علموا بخبرها.

أحداث كثيرة نتناولها في قصة سيدة نساء العالمين مريم عليها السلام. راجين من المولى أن تمشي بناتنا ونساءنا على خطاها وتتعلم منها الحياء والعفة …

قصة مريم بنت عمران عليها السلام

ولادة مريم عليها السلام

اصطفى الله آل عمران من بني إسرائيل وكانوا قومًا صالحون وسلالة صالحة.”إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ“. عمران – والد مريم – رجل صالح يصل سلالته إلى داوود عليه السلام. وزوجته كانت لا تلد. فإذا بيوم من الأيام ترى طير تطعمه أمه. فاشتهت أن يكون لها طفل تطعمه وتربيه تربية صالحة، وكانت كبيرة في السن، فدعت ربها أن يرزقها الولد. ونذرت إذا جاءها ولد أن تجعله خادمًا في بيت المقدس.

هكذا كانت عادتهم إذا نذروا. يتعبدون الله ويخدمون بيت المقدس. وفعلًا تمر الايام فإذا هي تحمل “إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”. ثم ما إن ولدت إلا ورأت طفلة وليس طفل فقالت لربها “قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ”.

الذكر له خصائص يتميز بها عن الأنثى. فلكل واحد له ميزات وخصائص. توقعت أن يأتي ذكر ليخدم بيت المقدس لكن رغم هذا وهبتها لتخدم بيت المقدس. وتكون من الزهاد والعباد. سمتها مريم وأعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم. وقبل الله دعاءها “وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ”.

ما من مولود إلا والشيطان ينكثه إلا مريم وابنها عليهما السلام لأن أمها أعاذتها. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

من تكفل مريم؟

بعد أن شبت البنت أرادت الأم أن تتعبد بالمسجد فلما عرفوا الناس ذلك أراد الكل أن يتكفلها ويرعاها لأنها بنت وتحتاج إلى رعاية من طعام وشراب وكل شيء. فجاء العباد والصالحون لأن الأسرة معروفة بصلاحها وتقواها ومن بين الرجال الذين أرادوا أن يرعوها زكريا عليه السلام وهو زوج أخت مريم.

فجاء زكريا وقال أريد أن أتكفل بها. لكن العباد والكهنة أرادوا أيضًا أن يتكفلوا بها. لأن النبت صالح وطيب فكل منهم أراد أن يتشرف في رعايتها. فقالوا نعمل قرعة بأ نضع أقلامنا أمام طفل ونجعل الطفل هو الذي يختار القلم والقلم الذي يختاره تقع عليه القرعة ويتكفل مريم. وإذا بالطفل يختار قلم زكريا.

“ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ”

في رواية أخرى قالوا أن يضعوا الأقلام في النهر والذي يجري عكس اتجاه النهر تقع عليه القرعة. وإذ بقلم زكريا يعود بعكس مجرى النهر وكرروا العملية ثلاث مرات وقلم زكريا يعود بعكس المجرى، فعلموا أن المختار هو زكريا فتكفلها، وقبلوا بذلك.

كرامات أعطاها الله لمريم عليها السلام

جاء زكريا عليه السلام بمريم، فوضعها في محراب مرتفع تتعبد الله عزوجل وتخدم بيت المقدس. وزكريا يأتيها بالطعام والشراب. وبعد أن كبرت رأوا كرامات عجيبة فقد تميزت هذه الشابة بالعفة والتقوى والعبادة ليست كغيرها من الفتيات.

في يوم من الأيام أراد أن يحضر زكريا لها الطعام وإذ يرى عندها طعام وفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فتعجب زكريا! وسألها من أين لك هذا الطعام؟ من يأتيك به؟ قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

“كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.”وما زالت مريم العذراء تكثر من الدعاء تحيي ليلها بالذكر والعبادة والصلاة والصوم والله يثني عليها.

ذات مرة بشرتها الملائكة وهي تسبح ربها نادتها وقالت لها يا مريم إن الله فضلك واختارك على بقية نساء العالمين. “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ”. ثم أمرتها الملائكة بالسجود والشكر لله والركوع والقنوت لله عزوجل.

حمل مريم بعيسى عليه السلام

 كانت مريم تتعبد الله ولا تخرج إلا لحاجة فذات مرة خرجت وابتعدت عن بيت المقدس فرأت رجل وقالت إن كنت تتق الله أن تبتعد عني ولا تمسني. تمثل لها على شكل بشر إنه جبريل عليه السلام فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا.

ففزعت منه، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. مع هذا عندما سمعت بالبشارة لم تفرح قالت ماذا يقول الناس عني؟ – اليوم بعض النساء لا تبالي إن ضاعت عفتها للأسف. نسأل الله السلامة – .

فرد عليها جبريل قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا”.

الأمر انتهى نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة في فرجها فحملت بالطفل. بعد أن حملت مريم، وبدأ الحمل يظهر عليها، خرجت من محرابها في بيت المقدس إلى مكان تتوارى فيه عن أعين الناس حتى لا تلفت الأنظار صارت لا ترى الناس ولا الناس يرونها.

وجدت أختها قد حملت بيحيى قالت أم يحيى إني أرى ما في بطني يسجد لما بطنك تعظيمًا وتشريفًا. فضمتها وعانقتها وأخذت تبكيان أما زكريا تعجب! مريم العذراء حملت! العفيفة الطاهرة. جلس عندها وأخذ يلمح لها قال لها هل يمكن أن يكون هناك زرع من غير بذر؟

 قالت نعم فمن خلق الزرع الأول؟ كأنها فهمت ماذا يقصد بسؤاله. فسألها هل يكون ذكر من غير أب فقالت نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. قال أخبريني بخبرك قالت إن الله بشرني بكلمة اسمه المسيح عيسى.

ولادة مريم عليها السلام

“فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا” وتمر الأيام فيأتي المخاض. جاء وقت الولادة! فذهبت وابتعدت إلى بيت لحم وهو قريب من بيت المقدس. وجلست عند جذع النخل وتبكي وتقول ياليتي لم أولد. قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا.

فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ( يا ليتني مت قبل هذا ) أي قبل هذا الحال، ( وكنت نسيًا منسيًا ) أي لم أخلق ولم أك شيئًا.

بدأت الولادة يقال جبريل ويقال عيسى نفسه ناداها من تحتها ألا تحزني. يوجد نهر يجري تحتك تستطعين أن تشربي ما تشائين من الماء. وشجرة نخيل تستطعين أن تأكلي منها الرطب بعد أن تهزي جذعها.

إمراة تهز الشجرة! الرجال لا يستطيعون فكيف بامرأة أثناء المخاض تهزها! القضية فقط سبب. أنت ابذلي جهدك فقط والله سيعينك. وفعلًا سقطت الرطب وأكلت منها. ثم قالت ماذا أقول للناس إذا رأوا معي طفلًا قال لها فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا” لن تتكلم فهي صائمة عن الكلام.

فإذا بها تمشي فوجدوا معها طفل والناس يتعجبون مريم معها طفل ولم تتزوج والناس يلومونها وذكروها بأن إخوانها وأهلها من العباد. كيف فعلتي هذا الفعل؟ فأشارت بالطفل. قالوا تشيرين إلى طفل رضيع وجئت بشيء عظيم!

معجزة عيسى وهو طفل رضيع

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا”. فإذا بالطفل الرضيع يتكلم! يقول عيسى بن مريم قال إني عبد الله. هذه أول كلمة قالها إنه عبد لله أي لا ترفعوني أكثر من ذلك فأنا أتشرف بهذا.

أنطق الله تعالى بقدرته المسيح. “قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا”. فَعَلَتِ الدهشةُ وجوهَ القوم، وظهرت براءة مريم، فانشرح صدرها، وحمدت الله على نعمته.

“مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ”.

سبب هجرة مريم عليها السلام

اليهود كما عرفناهم لم ولن تتغير طبيعتهم وهي كرههم للأنبياء والتخطيط لقتلهم. خافت مريم عليها السلام على ابنها المسيح من اليهود، فهاجرت به إلى مصر إلى أن قتل الطاغية ثم عادت بعيسى عليه السلام إلى فلسطين وعاشت مع ابنها ثلاثاً وخمسين سنة، عاشت مجتمعه معه ثلاثاً وثلاثين سنة، وبقيت بعد رفعه ست سنين.

وفاتها

توفيت مريم بعد رفع عيسى بخمس سنوات، وقيل ست سنوات. وكان عمرها حينئذ ثلاثًا وخمسين سنة، ويقال: إن قبرها في أرض دمشق. ولم تنجب مريم إلا عيسى عليه السلام ولم يتزوج عيسى فانقطعت الذرية.

تمييزها عن نساء العالمين

هي الوحيدة التي حملت وولدت وهي عذراء وهذه معجزتها من الله للعالمين تذكيراً بأن الله هو الخالق. وأنه القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء سبحانه! وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ. هي الوحيدة التي سميت سورة باسمها، وذكرها الله باسمها في القرآن الكريم، وهي سيدة نساء العالمين.

فضل مريم أم عيسى عليهما السلام في السنة النبوية

عن علي بن أبي طالب: خيرُ نسائِها خديجةُ وخيرُ نسائِها مريمُ.

عن عبد الله بن عباس: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ خطَّ أربعةَ خطوطٍ ثمَّ قالَ: أتدرونَ لمَ خططتُ هذِهِ الخطوطَ قالوا: لا قالَ: أفضلُ نساءِ الجنَّةِ أربعٌ مريمُ بنتُ عمرانَ وخديجةُ بنتُ خوَيْلدٍ وفاطمةُ ابنةُ محمَّدٍ وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ.

المصادر

97 مشاهدة