قصة يوسف عليه السلام … أحسن القصص

قصة يوسف عليه السلام … أحسن القصص

قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين). يخبر الله تعالى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عن قصة يوسف عليه السلام وما جرى معه من أحداث وابتلاءات كثيرة منذ صغره إلى أن كبر …

كانت من أحسن القصص التي رويت على الإطلاق، لأنها لم تكن مجرد قصة للتسلية، وإنما هي قصة حقيقة واقعية حصلت لنبي عظيم، تستفيد منه كل البشرية عندما يسمعون عن قصته. فيها تأكيد للإيمان واليقين والثقة برب العالمين.

قصة يوسف عليه السلام … فيها مشاهد الألم والأمل ومرارة الفراق وحلاوة اللقاء. فيها حكاية اليأس واليقين والظلم والقهر والابتلاء والصبر ثم النجاح والنصر. فيها الانتقام والعفو والصفح. فيها الرجاء والدعاء والتمكين بعد الدعاء والعاقبة الحسنى للمتقين.

لنتعرف على قصة يوسف عليه السلام، والرؤيا التي رآها في المنام، والأحداث التي جرت معه بالتفصيل وبالتسلسل … والعبر المستخلصة منها.

سيرة يوسف عليه السلام

نسبه

يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم.

نبي من أنبياء الله لبني إسرائيل، وسميت سورة كاملة باسمه وذكرت كامل قصته وما جرى معه بالتفصيل. إنها سورة يوسف ترتيبها في القرآن الكريم اثنا عشر. آياتها 111. وهي سورة مكية. 

سبب نزول سورة يوسف

بعد عام الحزن لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومفارقة أحبابه وزوجته وعمه ومطاردة كفار قريش له وتكذيبهم له في رحلة الإسراء والمعراج_ كانت فتره هم وحزن وأسى _ أنزل الله عليه هذه السورة.

سورة يوسف أرسلها الله عزوجل دفعة واحدة ليربط الله على قلب نبينا وتكون تعزية له، وتلميحًا له بأن يهاجر من مكة بلده الحبيب الذي ولد فيه، ليصبر ويعلم أن النهاية هي نصر وفتح قريب …

وكان يبكي نبينا صلى الله عليه وسلم عندما يقرأ سورة يوسف ويتأثر بقصته، لأن ما مر على يوسف عليه السلام من المواقف والابتلاءات لم تمر على إنسان آخر.

صفات يوسف عليه السلام

  • كان عالم بتأويل الأحلام
  • أوتي شطر الحسن
  • من عائلة شرفها الله بالنبوة
  • أكرم الناس

قصة يوسف عليه السلام

تزوج يعقوب عليه السلام وكان له أولاد من زوجتين، وقد ذكرنا ذلك سابقًا في قصة يعقوب عليه السلام. أنجبت الزوجة الصغرى طفلًا جميلًا، سماه أبوه يوسف. وكان يحبه ويهتم به كثيرًا لحسن خلقه ولحسن معاملته، كيف لا! والله الذي يربيه ليكون نبيًا من أنبياءه.

الرؤيا التي رآها في المنام

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”

رأى يوسف في المنام وهو ما زال صغيرًا أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له. كيف يرى غلام كواكب يسجدون له … كيف وصفها … وكيف علم أنها تسجد له … منام عجيب وغريب!

 وعندما قصها على والده يعقوب عليه السلام فرح واستبشر خيرًا وعلم أن هذه الرؤيا ستتحقق وأن يوسف سيكون له شأن عظيم. وطلب من ابنه يوسف أن لا يقصص هذه الرؤيا على إخوته، وأن يجعلها سر بينه وبينه.

 مكيدة إخوة يوسف له

كان إخوة يوسف يحسدونه وأخاه الصغير بنيامين الذين كانا من أم واحدة، بينما بقية الإخوة كانوا من أم ثانية، وكانوا يضمرون الشر لأخويهما، ويتعجبون من أبيهم كيف يحبهما أكثر منهم رغم أن عددهم أكثر. لكن فاتتهم القضية الأعمق وهي أن يوسف وأخاه كانا على حسن خلق وأدب رفيعين، وكانا مطيعين جدًا لوالدهما. فالقضية ليست قضية عدد …

ازداد الحقد والكراهية عندهم يومًا بعد يوم إلى أن قرر الإخوة أن يتخلصوا من يوسف إما أن يقتلوه أو يتركوه في الغابة تأكله الذئاب، ظانين بذلك أنه سيكون لهم الفرصة الأكبر لمحبة أبيهم لهم، وستخل لهم الساحة دونًا عن يوسف.

قال رابيل الأخ الأكبر وربما الأفضل بينهم لا تقتلوه بل ارموه في البئر. لربما أحد المارة يأخذوه معهم. ثم تعاهدوا أن يتوبوا بعدما يتخلصوا من يوسف عليه السلام. ظانين أن بفعلتهم هذه سيغفر لهم الله تعالى.

لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ، إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ، اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ، قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ”.

وبدأ مكرهم … تجمعوا عند أبيهم واقترحوا على أبيهم أن يأخذوه معهم إلى اللعب لأنه ما زال صغيرًا. لكن يعقوب عليه السلام كان لديه شعور بالخوف على ابنه وقال لهم أخشى أن تغفلوا عنه ويأكله الذئب. فردوا عليه بكل مكر، كيف يأكله الذئب ونحن معه نحميه ونلعب معه، فاقتنع وأرسله معهم.

“قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ”.

أخذوه مع وعدهم لأبيهم بأنه سيعود إليه سالمًا سعيدًا. وهذه المرة الأولى التي يخرج يوسف عليه السلام مع إخوانه _ يحبهم لكنهم لا يحبونه _ كانوا يضحكون مع يوسف أمام أعين أبيهم ولما غابوا عنه تغيرت نظراتهم وبدؤوا يتكلمون معه بفحش الكلام ويهينونه.

تخيلوا موقف يوسف هذا الغلام الصغير الذي ذهب معهم كأمانة لديهم ليعتنوا به ويفرحونه! تغير كل شيء … واستنكر الأمر يوسف، لم يفعلون هذا؟ فلما وصلوا إلى بئر عميق وضعوا يوسف على حافة البئر وهم يتضاحكون ثم وضعوه في الدلو الذي يستخدمه الناس ليرفعوا به الماء وأنزلوه فيه.

وسقط عليه السلام في الماء وهو لا يعرف السباحة. لكنه وجد صخرة وتعلق بها ونادى إخوانه بأن يخرجوه لكنهم تركوه، وفي هذه الأثناء أوحى الله إلى يوسف بأنه سينجو وسيخبر إخوانه يومًا ما بما كانوا يصنعون وهم لا يعلمون بأنه يوسف. لكن ما عليه إلا الصبر الآن ريثما يأتي الوقت الذي يريده الله لينجيه.

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ”.

أما يعقوب عليه السلام فكان في انتظار ابنه وحبيبه. فسمع صوت بكاء من بعيد، لقد أتوا إخوة يوسف ومعهم قميص يوسف ملطخ بالدماء. لقد ذبحوا شاة ولطخوا القميص بدماء الشاة وقالوا لأباهم إن الذئب قد أكله، وأنساهم الله أن يمزقوا القميص ليكشف الحقيقة لأبيهم. “وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ، قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ”.

فعندما رآى يعقوب عليه السلام القميص غير ممزق عرف أنهم كاذبين، فكيف للذئب أن ينهش لحم ابنه وقميصه ما زال سليمًا! أراد الله تعالى أن يكشف لعبتهم وحيلتهم ومكرهم. “قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ”.

حزن يعقوب عليه السلام كثيرًا على ابنه، ولكن ماذا يفعل؟ ليس بإمكانه إلا التحلي بالصبر، وتفويض الأمر لله. وهذا إشعار لنا جميعًا بالتحلي بالصبر عند وقوع المصيبة إذ لا حيلة لنا إلا الصبر والاستسلام لقضاء الله وقدره.

وماذا عن يوسف الغلام الصغير لوحده، ينادي هل من أحد يخرجني. وهذه المرة الأولى التي يكون بعيدًا عن أبيه. ولا أحد يعلم ما هي المدة التي قضاها يوسف في البئر. ربما يوم وربما أكثر …

مرور قافلة إلى البئر والأحداث التي جرت

جاءت قافلة تبحث عن ماء فوجدت البئر فأرسلوا الدلو ليخرجوا الماء فإذا بيوسف عليه السلام يتعلق بالدلو فإذا بالرجل يستبشر خيرًا! وجد طفلًا جميلًا معلقًا بالدلو. وأخذوه معهم إلى مصر وابتاعوه بدراهم معدودة، الله أعلم كم المبلغ. وهم لا يعلمون أن هذا الغلام سيكون نبيًا من أنبياء الله. “وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ”.

قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز

اشترى عزيز مصر يوسف وكان بمثابة وزير في يومنا هذا. فجعل يوسف بمثابة الابن والخادم بفس الوقت، ولم يكن عند الوزير أبناء، فأحب يوسف كثيرًا. وهذا مخرج ليوسف وفرج له أن يعيش في قصر إلى أن كبر وأعطاه الله الفطنة والحكمة والعقل الراجح. وأحبه كل من في القصر. إلى أن تعلقت به امرأة العزيز لحسن خلقه وجماله وأدبه. أعطاه الله شطر الحسن.

يوسف عليه السلام يغض بصره يبتعد عنها. وهي تحاول معه بين الحين والآخر … والله أعلم كم حاولت معه ولم تنجح … إلى أن أتى اليوم التي لم تستطع أن تصبر أكثر من ذلك وطلبت منه أن يقترب منها، وغلقت الأبواب، واستغلت الفرصة بغياب زوجها عن البيت.

ماذا يصنع يوسف ؟ كل شيء مهيأ أمامه، جمال … مال … حسب … ونسب … وهو شاب يافع في ريعان شبابه. هذا النبي العظيم إيمانه قوي كالجبل تتحطم أمامه كل مغريات الحياة كل مغريات الشهوات “قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”.

أرادت أن تهم به لكنه لم يهم بها بل ركض إلى الباب ليفتحه فأمسكت بقميصه فمزقته عن غير قصد لكن ليوقعها الله في شر عملها. فلما تفاجأت بدخول سيدها والوضع مربك بالنسبة لها أسرعت بكلامها واتهمته … 

وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”.

فرد عليها يوسف قال هي راودتني عن نفسي، ولم يتكلم بعدها. فجاء رجل من أقربائها ليحكم بالقضية. والزوج محتار من الصادق؟ قال ائتني بالقميص الممزق فإن كان ممزق من الأمام فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه ممزق من الخلف فهي الكاذبة وهو الصادق. فلما عرفوا الحقيقة ماذا فعلوا؟

ماذا كان رد العزيز؟ لم يطردها ولم يعاقبها ولم يطلقها ماذا فعل؟ “يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ”. فقط ولم يفعل شيء آخر. هكذا عند بعض الأسر الكبرى العليا ليس عندهم غيرة والعياذ بالله!

مكر النساء

انتشر الخبر ربما من الخادمات أو من أحد آخر. ووصل الخبر والكلام للنساء وبدأ يزداد يومًا بعد يوم … كيف لامرأة العزيز أن تقع في هيام خادم لها إلى ما هنالك من الأقوال عنها بسوء … فلما سمعت بما يقولونه عنها جمعتهن في قصرها وأعطت كل واحدة منهن سكين وأمرت يوسف أن يخرج عليهن.

“فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ”.

اندهشن وانبهرن بجمال يوسف وقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، من كثرة الدهشة والجمال الذي أعطاه الله إياه. وقالت لهن أن يوسف بريء ولم يقترب مني لكني ما زلت أحاول معه ولم أيأس. وإن لم يستجب لي فسأسجنه. فلما سمع يوسف ما قالته امرأة العزيز دعا ربه وقال:

“قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ”.

دخول يوسف السجن وما جرى معه من أحداث

استجاب الله لدعاء يوسف عليه السلام “فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”.

فعلًا دخل يوسف السجن وهو مظلوم واتهموه بأنه أراد أن يختلي بامرأة العزيز وأثبتوا التهمة عليه. حتى أنهم لم يتركوه يدافع عن نفسه. المذنب هو المظلوم والمظلوم هو المذنب. انقلبت الموازين. كما في حالنا اليوم حدث ولا حرج، بل وربما أكثر في زماننا للأسف. نسأل الله السلامة.

كلما دخل أناس مظلومين إلى السجن بدأ يوسف يواسيهم وينصحهم بالصبر ويدعوهم إلى التوحيد وعبادة الله. سبحان الله حتى في السجن لم يتوقف عن الدعوة إلى الله. وكانت أخلاقة رائعة. كان كل من في السجن يحبه ويثق به، حتى أن هناك سجينان رأيا رؤيا فأخبروه بها لما عرفوا عن صدقه وتميزه عن الآخرين …

قال أحدهما أنه رأى بالحلم أنه يحمل خبزًا تأكل الطير منه، أما الثاني فقد رأى أنه يعصر خمرًا. ما هذه الرؤيا العجيبة! بدأ يوسف في الحوار معهم فأخذ يدعوهم إلى الله تعالى أولًا، لأن الناس آنذاك على ضلال، وأكد لهم أنه متبع في دعوته دعوة آباءه وأجداده يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام.

وهم كانوا يسمعون عنهم وما كانوا يدعون. فذكرهم بقوله: ” وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ،يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ”.

بعد أن علمهم دين الله وقضية التوحيد بدأ يفسر لهم المنام فأما الأول فيسقي سيده خمرًا وسيخرج من السجن بعد فترة وأما الثاني فستأكل الطير من رأسه لكنه لم يخبره بأنه سيموت لطفًا به ورحمة وشفقة عليه. ومرت الأيام … فإذا بالذي أخبره يوسف بأنه سيسقي سيده خمرًا قد آن له الأوان أن يخرج من السجن.

فطلب يوسف منه أن يخبر الملك عن براءته، فلربما تفتح القضية مرة ثانية ويخرج من السجن، وكان هدفه نشر الرسالة والدعوة إلى التوحيد. لكن الذي خرج نسي يوسف من شدة فرحه بالخروج من السجن. وبقي يوسف بضع سنين في السجن لحكمة يقتضيها الله تعالى.

تفسير المنام الذي رآه الملك

“وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ”.

بعد فترة من الزمن رأى الملك رؤيا غريبة، فجمع الناس حوله وطلب منهم أن يفسروا منامه. قالوا أحلام مختلطة لا نعرف ما تفسيرها ولسنا بعالمين بها. فتذكر الشخص وهو يسقي سيده الخمر يوسف عليه السلام فأخبر سيده عنه.

“يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ”.

فإذا بيوسف عليه السلام يفسر الرؤيا دون أن يلوم الشخص الذي نسي ما وعده به، وفسر لهم الرؤيا بأن أول سبع سنين لا يخرجوا القمح من سنابله، وهذه معجزة إلهية لأن القمح لا يظل بالسنبلة فترة طويلة.

قال اتركوها في مكانها عدا التي تأكلونها، لأنه سيأتي بعد ذلك سبع سنين قحط لا خير فيها، وستعوضون عن هذه السنوات القحط بما خزنتموه من السنوات السابقة. وبعد ذلك يأتي عام فيه الخير والبركة للجميع …

براءة يوسف عليه السلام

لما سمع الملك تفسير ما سيحدث … بهر بكلام يوسف عليه السلام، لأنه يتكلم بشؤون الأمة وبالاقتصاد. فطلب من الرعية أن يخرجوه، لكن يوسف عليه السلام رفض أن يخرج حتى تثبت براءته. لا يريد أن يقول الناس خرج يوسف لتفسيره الرؤيا للملك مع أنه مجرم. هكذا يكون المؤمن القوي لا يسكت حتى يظهر الحق.

فجمع الملك النسوة _ وهذا الملك أعلى سلطة من الوزير الذي ظلمه _ وسأل النسوة ما قصة يوسف؟ فاعترفت امرأة العزيز بأن يوسف عليه السلام بريء وليس عليه أي لوم وأنها هي المخطئة المذنبة. “قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ”.

تمكين يوسف عليه السلام في الأرض

خرج يوسف عليه السلام بعز وفخرمن السجن، والناس يتناقلون براءته … فلما رأه الملك وكلمه أعجب به كثيرًا، وأحس بأنه ليس رجل عادي وإنما رجل ذو حكمة ورجاحة عقل، فقال له اطلب ما تشاء. فطلب منه أن يجعله وزيرًا على شؤون الدولة. لأنه يريد أن تكون الدولة موحدة مسلمة قائمة على شرع الله تعالى.

وصار يوسف عليه السلام وزيرًا بدل العزيز ثم ملكًا يحكم بلاد مصر، وأتت السبع سنين الخير وبدأ يوسف عليه السلام يخزن الطعام بمحاصيلها ويوزع على الناس ما يكفيهم من قوت عيشهم دون ما تبذير. إلى أن أتت السبع السنين الأخريات … وبدأ القحط والجوع على كل البلاد ما عدا مصر التي كان يديرها يوسف عليه السلام، والذي كان يحكم بشريعة الله تعالى.

ما حدث مع إخوة يوسف …

انتشر القحط في فلسطين فأرسل يعقوب عليه السلام أولاده إلى مصر لأنهم علموا أن هناك شخص يوزع الطعام على الناس مقابل بضاعة أو مال يعطونه، فدخل إخوة يوسف على يوسف عليه السلام.

فعرفهم وهم لا يعرفونه لأنهم عندما تركوه كانوا كبارًا في العمر، والكبير لا تتغير ملامحه، أما يوسف فقد كان صغيرًا فعندما كبر تغير شكله فلم يعرفوه.” وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ”.

لما سألهم عن عددهم قالوا أن هناك أخ صغير تركوه عند أبيهم قال لهم لا بد لكم أن ترجعوا وتأتوا بأخيكم وإلا لن أعطيكم من الطعام شيئًا. فرصة رائعة ليوسف حتى يعيد أخاه إليه. كم اشتاق لأخيه الصغير بنيامين.

فقالوا له نحاول مع أبينا أن نأخذه معنا في المرة القادمة. وقال لخدمه أرجعوا البضاعة وأدخلوها داخل طعامهم لعلهم إذا رجعوا إلى بلادهم أن يعودوا مرة ثانية، فعندما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا أرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون وقد منع منا الكيل لأننا لم نأخذ أخانا معنا.

وفي تلك الحظات التي طلبوا من أبيهم أن يأخذوا أخاهم الصغير معهم، تذكر يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عليه السلام ولم ينسه أبدًا وماذا فعلوا فيه إخوانه. فرفض أن يرسل معهم بنيامين.

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”.

وعندما بدؤوا يفتحون الأمتعة وجدوا بضاعتهم عادت إليهم مع الطعام. ففرحوا كثيرًا، وطلبوا من أبيهم أن يرجعوا البضاعة إلى الحاكم العادل المنصف، ويزداد طعامهم. “وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ”، لأن يوسف كان يعطي طعام لكل شخص فقط فإذا ذهب أخوهم معهم سيزداد الطعام ويكون ذلك أفضل للجميع.

“قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ”. أي أرسله معكم لكن بشرط، أن تعاهدوني أن ترجعوه معكم إلا إذا حصل شيء خارج إرادتكم. قال أتقسمون؟ قالوا: نقسم. فأجابهم: والله على ما نقول وكيل.

ونصحهم أن لا يدخلوا من باب واحد خشية أن يجتمعوا على الباطل كما فعلوا سابقًا مع يوسف عليه السلام، والله أعلم. “وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ”.

عودة بنيامين إلى أخيه يوسف عليه السلام

“وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ”.

عاد الإخوة إلى يوسف ورأى يوسف عليه السلام أخاه الصغير بنيامين بعد فترة طويلة وسنوات عديدة … وأخذ يوسف أخاه لوحده دون أن يسمع البقية وعرّف عن نفسه قال إني أنا أخوك وستبقى معي.

تخيلوا منظر العناق والشوق والحنين وسأله عن أهله وأحوالهم … ثم طلب من أحد الخدم أن يضع كيل الملك في حقيبة أخيه بنيامين، وأثناء رحيل إخوانه، نادى مناد أيتها القافلة عودوا فإنكم سارقون فرجعوا وتعجبوا لم نسرق؟

أجابوهم: إذا كنتم كاذبين ماذا نفعل بكم؟ قالوا علّمنا أبونا يعقوب على أن عقوبة السارق أن يصبح عبيدًا عند الذين سرق من عندهم. فبدؤوا بأمتعة الكبار إلى أن وصلوا إلى بنيامين ووجدوا كيل السقاية معه.

فتعجب إخوة يوسف وخجلوا من حالهم فقالوا ليوسف “قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ”. كظم غيظه ولم يتكلم، قال في نفسه: “قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ”.

تشاوروا فيما بينهم وتحاوروا … ماذا نفعل لقد أخذ أبونا منا العهود والمواثيق على أن نرجعه معنا ثم رجعوا إلى يوسف وطلبوا منه أن يأخذ أحدًا مكان بنيامين لكنه رفض. “قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ”.

قال الكبير وهو أحكمهم يقال أنه رابيل، وهو نفسه الذي رفض قتل يوسف، “قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ”. ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ”.

 وذكرهم أخوهم الكبير بما فعلوه بيوسف، وقرر عدم الرجوع إلى أبيه من دون أخيه الصغير، وطلب من إخوته أن يخبروه بما حصل. لكن عندما رجعوا وأخبروه بما حصل لم يصدقهم وبكى وقال “بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”. ولم ييأس فعنده شعور وإحساس ويقين بالله بأن يوسف وبنيامين ورابيل سيعودون، وجلس لوحده يبكي وفقد بصره من كثرة بكاءه وحزنه على يوسف عليه السلام.

قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ”.

 قال أنا لا أشتكي لكم، بل أشكو همي وحزني إلى الله. _ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي عندما يقرأ هذه الآية _. وطلب منهم أن يعودوا إلى الملك لعل الله يرد يوسف إليه.

 كشف الحقيقة وتحقق الرؤيا!

“فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ”. كان يوسف فرحًا جدًا بأخيه وعندما رأى إخوانه بهذا الحالة من فقر ومسكنة وذل لم يتحمل هذا الموقف وأخبرهم الحقيقة …

استغربوا وانصدموا وقالوا له: هل أنت يوسف أيها العزيز … فإذا بهم يبكون ويقولون أن الله فضلك علينا واعتذروا منه وندموا كثيرًا “قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”.

فلما تجمعوا وفرحوا بلقاء أخيهم سألهم عن أبيهم قالوا له بأنه عمي من كثرة البكاء والحزن الشديد على فراقك وفراق بنيامين. قال لهم خذوا قميصي وألقوه على وجهه وسيعود بصره بإذن الله. وطلب منهم أن يعودوا جميعًا إلى مصر.

“فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”. رجعوا جميعًا إلى أبيهم وأخبروه بما حدث وعاد بصره، وطلبوا منه أن يستغفر لهم واعترفوا بخطئهم. لكن أباهم لم يستطع أن يغفر لهم مباشرة من كثرة معاناته التي عاناها بسببهم وأخّرها. أما يوسف عليه السلام فقد سامحهم مباشرة.

عاد الأبوان إلى مصر، واستقبل يوسف عليه السلام أهله جميعًا. وأخيرًا وبعد عشرات السنين تحققت الرؤيا، وهو الآن له الكلمة الأولى في مصر، هو الحاكم في كل شيء. أعزه الله جل وعلا بعد صبر وتقوى … 

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”.

وتحقق حلم يوسف وخرّ إخوته سجدًا له تكريمًا وتشريفًا، وكان هذا مألوف عندهم. ونسب عودة أهله إليه إلى الله تعالى، أي لم تأتوا إلي عالة تريدون الطعام لا …  إن الله الذي جاء بكم والله الذي أخرجني من السجن. ولم يعنّف على إخوانه ولم يذكّرهم بما حصل من حقدهم وشرورهم، بل نسبه إلى الشيطان … ما أحلمك يا يوسف!

دعوة يوسف ربه

لما شعر بأن رسالته قد انتهت دعا ربه عزوجل، “رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”.

أولا ذكر نعم الله عليه ثم أثني على الله وبعدها طلب أن يتوفاه مسلمًا، وأن يلحقه بالصالحين ما هذا التواضع! رغم أنه نبي من أنبياء الله إلا أنه طلب اللحاق بالصالحين. هكذا نتعلم من يوسف عليه السلام، أدب الدعاء.

نهاية القصة

“لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون”.

في قصة يوسف عليه السلام العبر الكثيرة … كيف صبر وكيف امتنع عن الشهوة … وهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ومن هذه السبعة: “ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ فقال: إني أخافُ اللهَ”(1). صبر على البلاء وعلى طاعة الله وفي النهاية مكنه الله جل وعلا في الأرض، إلى أن توفاه على الاسلام.

 العبر والعظات من قصة يوسف عليه السلام

هناك العديد من العبر والعظات من قصة يوسف عليه السلام التي لا يمكن تناولها في مقال واحد. لما فيها من الكنوز والقيم الرائعة التي مرت بحياة هذا النبي العظيم. سنذكر بعض منها راجين من المولى أن يتقبل منا ومنكم.

  • أرادوا قتل يوسف فلم يمت وتم بيعه ليكون عبدًا … فصار ملكًا …! هذا يعني أن لا تحزن من مكر وتدابير البشر لأن إرادة الله فوق إرادة الجميع.
  • قيل ليوسف وهو في السجن “إنا نراك من المحسنين”. وقيل له وهو على خزائن مصر: ” إنا نراك من المحسنين”. فالمعدن النقي لا يتغير بتغير الأحوال!
  • قد يطول البلاء ليعظم العطاء … لو فرج الله عن يوسف في أول ابتلائه لما وصل إلى ما وصل إليه من ملك وحكم على خزائن مصر …
  • قلنا حاش لله ما علمنا عليه من سوء … ماضيك يساعدك في مستقبلك فاحرص على أن تكون قدوة حسنة!
  • “قال أنا يوسف وهذا أخي”. لم يقل أنا عزيز مصر. الإنسان ذو الصفات الرفيعة لا تؤثر عليه المناصب مهما علت …
  • “فأرسل معنا أخانا” عندما كان لهم مصلحة مع أبيهم ذكروا أخانا وعندما وقع سوء قالوا إن ابنك سرق. يتغير الخطاب بتغير المصلحة عند الكثير!
  • “وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون” سمعوا كلمة “ذئب” واستخدموها لمكرهم … حاول أن لا تبين السهم القاتل في توجيهاتك التربوية.
  • تكرر القميص 3 مرات في قصة يوسف فكان سببًا للحزن ودليلًا للبراءة وبشارة فرج. فما قد يحزنك يومًا قد يسعدك في المستقبل.
  • “إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا” لم يحسدوه على المال لأن عطايا القلب أثمن من عطايا اليد.
  • “قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي”. العفة مطلوبة من الرجال أيضًا وليست مقتصرة على النساء.
  • “فأسرها يوسف في نفسه” أحيانًا قد تسمع كلمات جارحة من حولك فتجاهلها وأعرض عنها، ولا تستعجل الرد، ففي الكتمان خير عظيم …
  • ” اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه” فقده طفلًا منذ سنين ويطلب البحث عنه مرة أخرى …! إذا حدثوك عن الاحتمالات العقلية فحدثهم عن الثقة بالله …
  • بدأت سورة يوسف بحلم وانتهت بتحقيق هذا الحلم! لا تتوقف عن أحلامك بل استمر فيها لتتحقق …
  • تعلمنا من قصة يوسف عليه السلام أن بعض الناس يكرهوننا لمزايانا وليس لعيوبنا، فقد كرهوا يوسف لجماله وطيبة أخلاقه، وحسن معاملته. والناس لا يريدون من يذكرهم بنقصهم!
  • تعلمنا أن الطعنة يمكن أن تأتي من أقرب الناس إليك فكن على حذر!
  • “لاتقصص رؤياك على إخوتك” تعلمنا منها أن لا ضرورة بإخبار كل من حولنا ما يجري لنا من قصص … “استعينُوا على قضاءِ حوائجِكم بالكتمانِ فإنَّ كُلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ” (2)
  • ذكر إخوة يوسف “إنا له لناصحون”، “و إنا له لحافظون”. لا يعني أن هذا الكلام صحيح دائمًا. فكن على دراية بما يجري حولك! حتى إبليس قال لآدم “هل أدلك على شجرة الخلد”.

أحاديث صحيحة وردت عن يوسف عليه السلام

  • عن علقمة بن وقاص الليثي كان عُمرُ بنُ الخطّابِ – رضي اللهُ عنه – يَقرَأُ في العتمةِ سورةَ يوسفَ وأنا في آخرِ الصفوفِ حتى إذا جاء ذِكرُ يوسفَ، سمِعتُ نشيجًا
  • عن أبي هريرة: «إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلُ الرَّحمنِ، ولوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يوسفُ ثُمَّ جاءني الدّاعي لأَجَبْتُ إذ جاءهُ الرَّسولُ فقالَ: {ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: ٥٠]».
  • عن أنس بن مالك: أُعطِيَ يوسفُ شَطرَ الحُسنِ
  • عن علقمة: عن عَبدِ اللهِ قال: الفَتَيانُ اللَّذانِ أتَيا يُوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الرُّؤيا إنَّما كانا تَكاذَبا، فلمّا أوَّلَ رُؤياهما قال: إنّا كنّا نَلعَبُ، وقال يُوسُفُ: قُضِيَ الأمرُ الَّذي فيه تَسْتفتيانِ.
  • عن أبي هريرة وابن مسعود: أكرمُ الناسِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ
  • عن أبي سعيد الخدري: سمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ وهو يصِفُ يوسُفَ حينَ رَآه في السَّماءِ الثّالثةِ، قالَ: «رأيْتُ رجُلًا صورَتُه كصورةِ القَمرِ لَيلةَ البَدرِ، فقُلتُ: يا جِبريلُ، مَن هذا؟ قالَ: هذا أخوكَ يوسُفُ»، قالَ ابنُ إسْحاقَ: وكانَ اللهُ قد أعْطى يوسُفَ منَ الحُسنِ والهَيْبةِ ما لم يُعطِه أحَدًا منَ النّاسِ قبلَه، ولا بعدَه حتّى كان يُقالَ: واللهُ أعلَمُ إنَّه أُعْطيَ نِصفَ الحُسنِ وقُسِمَ النِّصفُ الآخَرُ بيْنَ النّاسِ.

المصادر

448 مشاهدة