قصة آدم عليه السلام … نبي خلقه الله بيديه

قصة آدم عليه السلام … نبي خلقه الله بيديه

أول خلق الله من البشر آدم عليه السلام، لذا يدعى أبو البشر. من أحداث قصة آدم عليه السلام أن كرمه الله تعالى بأن خلقه بيديه وأمر الملائكة وإبليس بالسجود له، سجود تشريف وتقدير، وليس سجود عبودية. والهدف من خلق آدم عليه السلام نقرأه جليًا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

بداية الخلق أوله العرش ثم القلم. فتكلم القلم. قال له الله: اكتب. قال: مالذي أكتبه يا رب؟ قال اكتب ما كان وما سيكون إلى أن تقوم الساعة. “إنا كل شيء خلقناه بقدر“. ثم بعد خمسين ألف عام أذن الله أن تخلق السموات والأرض والجبال والأنهار وما فيها في ستة أيام …

خلق الله بعدهم الجن وكانوا قومًا مفسدون في الأرض. حتى الملائكة تأتي وتعاقبهم وتحبسهم في الجزر. ثم أذن الله أن يخلق خلقًا جديدًا، وأخبر الله ملائكته أنه يريد أنْ يجعل له خليفة في الأرض بشرًا. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فعبادة الله تعالى هي الهدف الأسمى من خلق البشر.

لم استعظمت الملائكة أن خلق الله تعالى بشرًا وأراد أن يجعله خليفة في الأرض؟ وهل عصى آدم ربه؟ وماذا كانت النهاية؟ وما هي ردت فعل إبليس اللعين وما قصته مع آدم وحواء؟ وكيف نجح في إخراج آدم وزوجته حواء من الجنة؟ وما هي أول عملية قتل حصلت على وجه الأرض؟

أسئلة كثيرة تدور حول قصة آدم عليه السلام حاولنا أن نجمع ما هو صحيح من القرآن والسنة ومن كتب التفسير والرجال الثقات لنتعرف على قصته بالتفصيل ولنتعلم منها الكثير. نفعنا الله وإياكم  …   

قصة آدم عليه السلام

ذكر لنا القرآن الكريم في سورة البقرة قصة آدم عليه السلام وما جرى معه من أحداث بدءًا من الجنة، وبعد أن أخرج من الجنة وهبط إلى الأرض. وماذا فعلت ذريته من بعده…

كيف خلق الله آدم عليه السلام

لما أراد الله خلق آدم أرسل الملائكة إلى الأرض، فقبضوا قبضة من كل أرجاء الأرض، قيل بعد العصر وقبل المغرب يوم الجمعة. جاء في الحديث: «إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ مِن قبضةٍ قبضَها مِن جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قدرِ الأرضِ، فجاءَ منُهمُ الأحمرُ والأبيضُ والأسودُ وبينَ ذلِك والسَّهلُ والحَزْنُ والخبيثُ والطِّيبُ».

من أجل هذا كان التنوع في ألوان البشر والاختلاف في طبائعهم، فكما أنّ الأرض فيها الطيب وفيها الخبيث، فيها السهل وفيها الصعب، كذلك البشر فيهم الطيب وفيهم الخبيث، منهم السهل ومنهم الصعب، منهم الكريم ومنهم اللئيم، بحسب اختلاف طبيعة الأرض التي خلقوا منها.

ابتدأ تشريف البشر بخلق الله آدم بيده، يقول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فكرم اللهُ الإنسان ورفع منزلته وقدره، وخلقه على أحسن صورة، بدأ من تراب، بُلِّل فأصبح طينًا، ثم بُلِّل فأصبح طينًا لازباً متلاصق، ثم تُرِك هذا الطين حتى جفّ فصار صلصال، ثم ترك فترة طويلة ما يقارب 40 سنة كما يقول ابن عباس رضي الله عنه، والضحاك قال أربعين يوم، والله أعلم، ثم نفخت فيه الروح.

طول آدم عليه السلام

جعل الملائكة ينظرون إلى هذا التمثال العجيب، وكان كبيرًا ستون ذراعًا في السماء، والذراع: هو نصف متر تقريبًا يعني ثلاثون مترًا.

رد فعل الملائكة عند خلق آدم

تعجبت الملائكة من هذا المخلوق العجيب، فهم لم يروا مثله من قبل. وكان جوابهم بعدما أخبرهم الله تعالى أنه يريد أن يخلق بشرًا، استفسرت وخافت إن هي قصرت في العبادة وأراد الله أن يستبدلهم بما هو خير منهم.

والسبب الآخر أنهم عاينوا سابقًا ما فعله الجن في الأرض من إفساد ودمار. ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، يا رب تريد أن تخلق من يفسد كما فعلت الجن سابقًا؟

فقد كان خوفهم من قبيل الاستفهام حول تقديسهم لله، هل قصروا في التسبيح والتحميد فأراد الله استبدالهم؟ فأجابهم الله بقوله ﴿إني أعلم مالا تعلمون﴾. سيكون هذا المخلوق مختلف عن الجن، أما عن تقديسكم لله وتسبيحكم فيعلمه الله.

لكن أراد أن يخلق بشرًا لهدف آخر … يعلم الله أن من بني آدم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين … فأصبح الملائكة يتهامسون فيما بينهم: (فليخلق الله ما أراد أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أكرم عند الله منهم وأعلم). والملائكة مسيرون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

رد فعل إبليس لعنه الله

كان ممن فزع من آدم، بل كان شديد الفزع إبليس، فأخذ يطوف حول تمثال آدم ويرفسه برجله ويضربه، ويقول: (لأمر ما خُلقت)، ثم دخل في جوفه وخرج منه وقال للملائكة: لا تخافوا هذا أجوف، دخل من فمه وخرج من دبره وقال: هذا أجوف، هذا خلق لا يتماسك، إنه ضعيف.

ثم إن الله عزوجل أمر الملائكة وإبليس أنه بعد نفخه للروح أن يسجدوا لهذا المخلوق الجديد احترامًا له وخاصة أنه مخلوق خلقه الله بيديه سبحانه! ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾.

بدء الروح

وبدأت الروح تدخل لآدم من رأسه فلما وصلت إلى أنفه عطس والملائكة تنظر، مالذي سيحصل فقالت يا آدم قل الحمد لله فقال: الحمد لله، ردت عليه الملائكة يرحمك ربك. فلما وصلت الروح إلى جوفه أراد أن يقفز إلى ثمار الجنة، ولم تصل الروح بعد إلى رجليه، أراد أن يأكل من ثمار الجنة “خلق الإنسان من عجل“. هكذا طبع البشر. سبحان الله!

قال الله تعالى لآدم أن يذهب ويقول للملائكة السلام عليكم، فقال لهم السلام عليكم، فردت الملائكة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته … زادته بالتسليم والدعاء. فقال الله له هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك. ومسح الله على ظهره وبدأت ذريته تخرج. وإذا بآدم ينظر إليهم.

وخاطب الله الذرية وسألهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا يا رب أنك خالقنا. “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ“.لذا لا عذر للإنسان أن يقول لا أعلم أن الله خالقي.

سجود الملائكة لآدم عليه السلام

من أعظم مشاهد الخلق منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، بلايين البلايين من الملائكة، تسجد لآدم سجود تكريم، وكان هذا السجود جائز في الشرائع السابقة، كما في قصة يوسف عليه السلام لكن في ديننا حتى سجود التكريم لا يجوز.

الملائكة الكرام يسجدون لآدم عليه السلام ما أعظم هذا التكريم! ولم يبق واقفاً إلا إبليس الرجيم فهو الوحيد الذي عصى ربه، وكانت أول معصية للخلق ابتدأت من إبليس.

تعليم آدم عليه السلام الأسماء

علم الله تعالى آدم عليه السلام كل شيء. علمه كل الأسماء ( هذا جبل، هذا طير، هذا ماء)، كل اللغات … أصلها أسماء، ثم تأتي الأفعال والحروف. لا يوجد إنسان أو عالم يعرف كل شيء.

لكن سيدنا آدم عرف كل الأسماء، ثم عرض الله هذه المخلوقات من طيور وجبال … على الملائكة ثم قال: ﴿أنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، لم تعرف الملائكة جواب أي شيء ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ماذا أراد الله من هذا السؤال؟

هو رد من الله سبحانه وتعالى على كلمتهم (لن يخلق الله خلقًا، إلا كنا أكرم منه وأعلم)، فبين لهم عمليًا بأن آدم أكرم منهم، فجعلهم يسجدون له وبين لهم عمليًا أن آدم أعلم منهم، بأنهم لا يعرفون أسماء كل شيء وآدم يعرف.

عصيان إبليس أوامر الله تعالى

كان أمر السجود لآدم مخصوص لإبليس لأن الله يعلم أنه لن يسجد له. تكبر إبليس وأبى أن يسجد لآدم عليه السلام. ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾.

فردّ برد قبيح ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، تكبّر إبليس ورفض أوامر الله عز وجل، وناقش وجادل فغضب الله عليه غضبًا عظيمًا فأنزل عليه اللعنة.

وأمره أن يخرج من الجنة (فاخرج منها مذؤومًا مدحورًا). وطرد إبليس من الجنة. إن كثيرًا من الناس الآن يرد على أمر الله تكبرًا وعنادًا وأول معصية هي الكبر. لهذا الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال حبة من كبر.

عن عبد الله بن مسعود: لا يدخلُ الجنَّةَ مَن كانَ في قلبِهِ مثقالُ حبَّةٍ مِن خردلٍ مِن كِبرٍ، ولا يدخلُ النّارَ مَن كانَ في قلبِهِ مثقالُ خردلةٍ مِن إيمانٍ. (1)

لم وكيف خلق الله تعالى حواء؟

آدم عليه السلام أسكنه الله الجنة فاستلذ بأنهارها وظلالها وجمالها. واذ بيوم من الأيام استوحش أن لا جليس معه. هكذا طبع الانسان يحب اللفة والصحبة والمجالسة واللقاء بالناس. فخلق الله حوّاء من ضلع آدم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.

والقصة في الحديث: «أنًّ آدم كان نائماً، فأخذ الله سبحانه وتعالى ضلعًا من جنبه الأيسر، فخلق منه حواء، فلما استيقظ آدم من النوم فإذا بهذا المخلوق العجيب الجميل قربه، فقال: من أنت؟ فقالت: امرأة، فقال: لم خلقتي؟ قالت: لتسكن إلي. وذلك لأن آدم أصيب بالضجر والوحدة.

خلق الله له حواء لتبدأ البشرية هذه العلاقة، عاطفة السكن والمودة بين الرجل والمرأة، هذه العلاقة الطاهرة بدأت هناك في الجنة. لما رأت الملائكة هذا المخلوق الجديد، توجهوا لآدم يختبروه قالوا: يا آدم ما هذه؟ قال: امرأة، قالوا: ما اسمها؟، فأوحى الله له باسمها فقال: حوّاء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت منْ حَيّ.

بداية الصراع بين إبليس والبشر

كان إبليس يرى نفسه من أفضل المخلوقات؛ لأنه أعطي حرية الاختيار فأطاع الله، فكيف يخلق الله خلقًا ويعطيه حرية الاختيار، وقد يكون أفضل منه، وقد يكون هذا المخلوق هو الحاكم عليه. فاغتاظ منه.

فالله خلقه بيديه ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾، ويريد أن يجعله خليفة في الأرض ويعمرها، وقال إبليس للملائكة قولته والتي تدل على حسده لآدم على مكانته: (لئن سلطت عليه لأهلكنه، ولئن سلط علي لأعصينه)، إذًا بدأت عداوة إبليس لآدم قبل نفخ الروح، حسداً لمكانة آدم عليه السلام العظيمة.

وطلب طلباً من ربه أن يؤخره إلى يوم القيامة ليحاول إغراء البشر وإبعادهم عن طريق الحق. ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ* قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. لكن لم يقل من فوقهم لأنه يعلم أن الله فوق كل شيء وسيهزم بحول الله وقوته.

انظروا الآن إلى إبليس اللعين ماذا يفعل بالناس، يحبب إليهم المعاصي ويكره لهم الطاعات. ولديه جيش كبير من الشياطين وليس لوحده. قال له تعالى: “وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا”.

آدم وحواء في الجنة

بقي آدم عليه السلام في الجنة يتنعم من ثمارها، يلبس من أحلى ثيابها، وعاش آدم وحواء في الجنة في سعادة عظيمة، عاشوا سنين في الجنة، يأنسان ببعضهما، وكانا يعيشان بطعام وشراب وبركة من الله عز وجل، وكانا كاسيين، ما كانا عاريين، أما إبليس، فكان يحاول كل هذه المدة أن يدخل إلى الجنة، ليوسوس لهما فما وجد طريقًا.

يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا* وإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ* فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى* إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ* وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ﴾.

تنويه هام

لم يكن آدم عليه السلام عرياناً كما يصوره بعض البشر اليوم، بأن الانسان منذ نشأته لا يفهم شيئًا، ولا يعرف شيئًا، ونزل عاريًا، ثم بدأ يتعلم قليلًا قليلًا، وبدأ يرتدي الملابس…

لكن الحقيقة أنّ آدم عليه السلام نزل عالمًا، يعرف كل شيء، فلم تبدأ البشرية في جهل، ولم تبدأ عارية، بل على العكس تمامًا، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. إلى أن أتى اليوم الذي حاول فيه إبليس غواية آدم وزوجه.

قصة الشجرة

﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، عش في الجنة سعيدًا، عش في رغد، كل ما تشاء واشرب ما تشاء، البس ما تشاء، إلا هذه الشجرة لا تلمسها!!

كل شيء في الجنة يا آدم مباح ما عدا شجرة واحدة لا تقرب منها أنت وزوجك، لم يقل تعالى لا تأكلا بل لا تقتربا! لأن الإنسان إذا اقترب منها كاد أن يوقع فيها. ونبههما من شر إبليس أن لا يسمعا كلامه.

فإذا بآدم يتنعم بالجنة وثمارها وأنهارها، ويلبس وزوجته من أجمل اللباس، لكن الشيطان يريد أن يخرجهما كما خرج هو. قال له يا آدم أتريد أن تبقى خالدًا في هذه الجنة ويصير لك ملكًا لا ينتهي، وهما يبتعدان عنه. والله أعلم كم مرة حاول أن يوسوس لهما …

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ“. أول قسم بالله زورًا وبهتانًا. حلف لهما وقسم بأنه ناصح لهم.

لم يظن آدم عليه السلام أن أحدًا يقسم بالله العظيم ويكون كاذبًا، وإذا به يحلف ويقسم فإذا بحواء تأكل ثم آدم واذا بسوءاتهما تنكشف فخجلا من بعضهما. لأن الإنسان مفطور على الحياء مجبول عليها. تساقطت الثياب! ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ “.

واذا بهما يقطعان من ورق الجنة ليسترا أنفسهما. ونادى الله آدم، أتفر مني يا آدم؟ فيقول: لا يارب، ولكني استحييت منك سيدي. “وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ“.

وإذا بآدم عليه السلام يبكي ويبكي … وإذا بجبريل ينزع عنه التاج، وميكائيل ينزع الاكليل عن جبينه. فيظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، ويقول العفو يارب، ألم تخلقني بيدك قال: بلى، ألم تنفخ في من روحك؟ قال الله عزوجل: بلى، قال: وعطست فقلت يرحمك الله، ورحمتك سبقت غضبك. قال: بلى، وكتبت علي أن أفعل هذا. قال: بلى، قال: رب أفريت إن كنت تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: يا آدم نعم. “فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ“.

شرط التوبة

تاب الله على آدم وحواء لأنهما ندما واعترفا بالذنب وأنابا إلى الله تعالى، ليعلم بنو آدم أن كلهم  خطاؤون. وهذا نبي وأخطأ، فالناس من بعده تخطئ حتمًا. لكن نصنع كما فعل أبونا. نعترف بالمعصية ونستغفر ونتوب توبه صادقة، ولا نعود إلى الذنب مرة أخرى.

خلق الحياء من أخلاق أهل الجنة

أهم صفة من صفات الإنسان هو الحياء، أما الرجل والمرأة الذين يتعريان أمام الآخرين فقد فقدوا حياءهم. التعري ليس من طبيعة البشر، بل إن من فطرة الإنسان الحياء.

لم يرضى آدم وحواء من شدة حيائهما أن يمشيا عاريين ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ ٌ﴾، وهرب آدم لا يعرف إلى أين؟ فناداه ربه يا آدم: أتفر مني؟ فرد آدم قال: (لا يا رب ولكن استحياءً منك أن تراني عاصيًا عاريًا).

انظروا الفرق إلى ما بعد معصية آدم وإبليس في التعامل مع الله، إبليس لما عصى الله ما اعتذر، وإنما أصر ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فرد برد قبيح ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، أما آدم عليه السلام لما سأله الله عز وجل أتفر مني؟ قال: لا يا رب، إنما حياء منك.

ثم إنّ الله عز وجل عاتب آدم وحواء {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، شجرة واحدة لم تصبرا عليها! أي طمع عند البشر تأتيه الأموال وما إلى ذلك من الترف، ومع هذا يسرق ويغش ويطلب المزيد … اقنع يابن آدم بما أعطاك الله عز وجل! ماذا كان رد آدم وحواء؟ ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. اعترفا بخطئهما وندما أشد الندم.

عقوبة آدم وحواء بعد الأكل من الشجرة

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، نزلوا من الجنة إلى الأرض، لكن أين نزل آدم وأين نزلت حواء؟

أصح الروايات تشير إلى أن حواء نزلت في جدة، ونزل آدم في الهند، فبدأ يبحث عنها، وفي رواية أنهما تلاقيا في عرفات فسميت عرفات، والله أعلم! وبدأت حياة جديدة للبشر، بعد أن كانوا في النعيم لا تعب ولا عمل، نزلوا إلى الأرض حيث الجهد والشقاء.

وأعطاه الله سبحانه وتعالى الأدوات، أعطاه العلم أهم الأدوات، فتعلم كل الصناعات الأساسية النجارة والحدادة وغيرها … وليس الأمر كما يقال الآن في زمننا أنهم نزلوا لا يفهمون شيء.

أولاد آدم عليه السلام

كانت حواء تنجب في كل بطن ذكر وأنثى. وآدم يزوج الذكر من أنثى من بطن آخر. وبدأ ينزل الوحي والشرع والدين  .. وبدأ الصراع … قال تعالى: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ”.

لا بد يا آدم أن كل من يولد من ذريتك أن يطيع الله عزوجل ويمشي على شرائعه وأما من لا يطيع فإن له معيشة ضنكًا، والعياذ بالله.

قصة قابيل وهابيل

بعد أن ولد لآدم عليه السلام أولاد وبنات كان من بينهم قابيل وهابيل. فأراد قابيل أن يتزوج من نفس البطن ولم يرضى بما قسمه الله له. وذهب هو وأخوه إلى أبيهما ليحكم بينهما فلم يوافق آدم على طلب قابيل.

لكن نصحهما وأراد أن يهون الأمر عليهما فطلب منهما أن يتقربا إلى الله بقربان. والقربان الذي يقبله الله تعالى يتزوج ممن يرغب. وكان في زمانهم أنهم إذا قربوا قربان يضعوه على قمة جبل فإذا أحرقته السماء دليل على أن الله قبل منهم. ولا يجوز لهم أن يأكلوا منها.

نحن في شريعتنا نأكل من الذبيحة ويقبل الله مننا ولله الحمد. هابيل كان راعيًا فاختار أسمن كبش من غنمه ليقربه لله تعالى، قدم أفضل شيء. أما قابيل فكان مزارعًا فقدم أسوء ما عنده من زرع لأنه يعلم أن الزرع سيحترق ولن يستفيد منه. وهذا يدل على ضعف الإيمان وقلة التقوى. القضية قضية تقوى!

ودعا الاثنان أن يتقبل الله منهما. وإذا بالسماء تحرق الكبش وهذا دليل على أن الله تقبله. أما الزرع لم يقبل. فإذا بقابيل يغضب. وبدأ يكره أخاه ويحسده … وقال والله لأقتلنك فرد عليه هابيل إنما يتقبل الله من المتقين.

أول جريمة على الأرض

كان قابيل يتحرى الفرصة المناسبة لقتل أخاه، وكل مرة يهدد أخاه بأنه سيقتله وأخوه ينصحه ويحذره من عذاب يوم القيامة وهو لا يكترث. إلى أن جاء الوقت المناسب وخلا قابيل لوحده مع أخيه هابيل، فوجد صخرة كبيرة فرماها على أخيه ففقأ رأسه ومات هابيل. وقيل خنقه وعضه كالحيوانات. والله أعلم كيف قتله …

مات هابيل! لأول مرة يرى قابيل رجلًا ميتًا على الأرض. إنه أخوه! ماذا يفعل؟ كيف يتخلص من جثته؟ فأرسل الله له غراب يتصارع مع الآخر فقتله. وحفر الغراب حفرة ودفن الغراب الآخر فيها. فتعلم قابيل من هذا الطائر كيف يدفن أخاه. وقال سبحان الله! غراب يعلمني ماذا أفعل؟

وإذا بقابيل يبكي ويندم على ما فعله. لكنه لم يندم على قتل أخيه وإلا لتقبل الله منه وعفا عنه. لكنه ندم فقط لأنه لم يعرف كيف يدفن أخاه. فعلمه الله كيف يدفن الإنسان. وكانت سنة الله إلى يوم القيامة.

كم الآن من مظلومين يقتلون بغير حق من نساء وأطفال وشباب … لذا القتل من السبع الموبقات أعظم الذنوب بعد الشرك هو القتل. فالذي يقتل شخصًا واحدًا كأنما قتل البشرية كلها. وجزاءه جهنم خالدًا فيها.

“مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا”.

قصة وعبرة نستقي منها الكثير

منها أن نتقي الله في إخواننا ولا نحسد أحدًا على خير آتاه الله إياه، ولنرضى بما قسمه الله لنا، ولا نعصي الله تعالى.

أول من سن جريمة القتل قابيل. كل ما يقتل إلى يوم القيامة سيعاقب عليها قابيل. علينا الحذر أيها الإخوة إيانا أن نخترع معصية، لأنها ستكون في ميزاننا إلى يوم القيامة والعياذ بالله.

في حديث صحيح: “مَن سَنَّ سُنَّةً سيئةً، فعُمِل بها بعدَه، كان عليه وِزْرُها، ومِثْلُ أوزارِهم، من غيرِ أن يَنْقُصَ من أوزارِهم شيءٌ“. (2)

وفاة آدم عليه السلام

لما شعر آدم باقتراب منيته، طلب أن يؤتى له بشيء من فواكه الجنة، _ طبعاً فواكه الأرض التي تشبه فواكه الجنة _ فخرج أولاده يطلبون هذه الفاكهة لأنها ليست عندهم، وإذا بهم بمجموعة من الشباب، وجوههم جميلة، يحملون معهم أدوات حفر، فسألوا أبناء آدم: إلى أين؟ قالوا: نبحث لأبينا عن فاكهة الجنة فقد اشتهاها، قالوا: ارجعوا إلى أبيكم فإن الأمر أعجل من ذلك، فرجعوا معهم.

فلما رأتهم حواء عرفتهم. إنها تعرف الملائكة، لأنها عاشت معهم في الجنة، وتعرف قدرة الملائكة على التشكل بأجساد البشر على هذه الصورة الجميلة، فعرفت أنهم ملائكة الموت. جاؤوا ليقبضوا روح آدم عليه السلام.

فتشبثت بآدم من محبتها له، وخافت عليه، فقال لها: دعيني وملائكة ربي، وجاء ملك الموت فقبض روح آدم عليه السلام، وجاءت الملائكة كفنته وحنطته بالطيب، وحفرت له قبرًا ودفنته.

أول استخلاف في الأرض

قبل أن يموت آدم عليه السلام أوكل قيادة البشرية إلى ابنه نبي الله “شيث”، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «أن الله أنزل (104) صحف سماوية، منها خمسون صحيفة على شيث»، لماذا كل هذا العدد الكبير من الصحف نزلت على “شيث” يا ترى؟

لأن البشرية كانت في بداياتها، وكانت بحاجة لمعرفة الحق والباطل، والخير والشر، وتولى شيث قيادة البشر وتلقى من أبو البشر آدم عليه السلام ما استطاع من علم، وظلت البشرية على التوحيد، وبقي هذا الصراع بين الحق والباطل.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • الباحث الحديثي
  • المكتبة الوقفية لابن كثير
  • اسلام ويب
  • طارق  سويدان
  • نبيل العوضي

171 مشاهدة