الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز … الزاهد العادل، خامس الخلفاء الراشدين

الخليفة عمر بن عبد العزيز

عمر بن عبد العزيز الخليفة الذي لُقب بالعمر الثاني نسبة لجده الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، بسبب أفعاله ومواقفه ووقفته القوية كدرعٍ حصين ضد أحداث الفترة التي عاش فيها، والفترة التي تولى فيها زمام أمور الحكم في العهد الأموي.

هو خامس الخلفاء الراشدين، حيث وصلت الدولة الإسلامية في عهده لأقصى درجات العدل بين الناس، فتعالوا معنا لنتعرف على هذه الشخصية الإسلامية المميزة وانتعرف على فترة حكمه للمسلمين وحياته في أيام حكم الدولة الأموية وأكثر من ذلك في هذا المقال:

عمر بن عبد العزيز

العدل… هذه الصفة النبيلة اقترنت باسم الخليفة عمر بن عبد العزيز في كل فترة حياته، إنه يسير على خطى جده لأمه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

خامس الخلفاء

لقد حرص طوال حياته على البعد عن أمور الحكم خاصةً في فترة حكم عمه عبد الملك بن مروان بن الحكم، وفترة حكم أولاد عمه الخليفة عبد الملك الذين استلموا الخلافة من بني أمية، كان زاهدًا في الدنيا مقتنعًا بالعيش القليل حتى يُخفف عن نفسه الذنوب والخطايا.

خلال خلافته قام بإنجازات عظيمة، وحمل مسؤولية الخلافة رغم عدم رغبته في استلامها وتحمل أوزارها، فقد كان يخاف أن يسأله الله يوم القيامة عما فعله عندما تولى حكم المسلمين كأميرًا للمؤمنين، حيث قال جملة شهيرة عندما بايعوه أميرًا للمؤمنين:

“لو أنَّ سَخلةً هلكت على شاطئ الفرات، لأُخذ بها عُمر يوم القيامة” وهي نفس الجملة التي قالها جده عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما أصبح أميرًا للمؤمنين.

اسم ونسب الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز

نسب الخليفة عمر بن عبد العزيز هو: أبو حفص، عمر بن عبد العزيز، بن مروان، بن الحَكَم، بن أبي العاص، بن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف، بن قُصي، بن كلاب، وحتى يصل نسبه إلى بني عدنان الأموي القرشي المدني المصري.

  • أبوه هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم، والذي كان وليًا للعهد بعد أخوه عبد الملك، وكان أميرًا على مصر لأكثر من 20 سنة.
  • والدته: أم عاصم ليلى بنت عاصم بن الخطاب (رضي الله عنه).

نسبه لجده عمر بن الخطاب

روت جدته لأمه قصة زواج جدة عمر بن عبد العزيز من عاصم بن عمر بن الخطاب، كما رواها: عبد الله بن الزبير بن أسلم، عن أبيه، عن جده أسلم:

أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يقوم في الليل ويتحرى رعيته وعن أوضاعهم وأحوالهم، فسمع في إحدى المرات امرأة تُخاطب ابنتها في جوف الليل، طالبة منها أن تمزج الحليب الذي ستبيعه في الصباح بالماء حتى تكثر كميته، لكن الابنة قالت لأمها بأن الخليفة عمر بن الخطاب قد أمر ألا يُشاب اللبن بالماء.

فطلبت الأم من ابنتها أن تقوم وتخلط اللبن بالماء لأنها في مكان بعيد عن عين عمر بن الخطاب، فقالت الصبية لأمها: “يا أمتاه، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء”، فلما سمع عمر بن الخطاب هذا الكلام طلب من مرافقه (أسلم) أن يضع علامة على هذا البيت، وفي الصباح تحروا عن هذه العائلة وفيما إن كان لها معيل، فعرفوا أن لا معيل للأم وابنتها.

فدعا عمر أولاده وجمعهم وقال لهم: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟”، فقال ابنه عاصم: “يا أبتاه، لا زوجة لي فزوجني”، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنت (ليلى)، وولدت هذه البنت الخليفة عمر بن عبد العزيز.

ولادة الخليفة عمر بن عبد العزيز

ولد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز سنة (61) للهجرة، الموافق لسنة (681) للميلاد في المدينة المنورة، وقد نشأ خلال فترة طفولته في كنف أخواله من آل (عمر بن الخطاب)، وقد كان شديد الرغبة في التعلم فتأثر بأخواله كثيرًا، وبما علموه من مجتمع صحابة الرسول ﷺ في المدينة.

في الفترة التي سبقت توليه الخلافة كان من أمراء بني أمية، حيث كان رغم صلاحه وحبه للعلم والدين مُحبًا للتنعم الذي أسبله عليه كونه أميرًا من بني مروان، فقد كان يلبس أفخر الثياب من الحرير، ويتعطر بأفخر أنواع العطور ويختال في مشيته حتى أن جميع من يحسدونه كانوا يعيبون عليه ذلك.

ألقاب الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز

لُقب الخليفة عمر بن عبد العزيز بـ:

  • خامس الخلفاء الراشدين.
  • أبي حفص نسبة لجده عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وهو ثامن الخلفاء الأمويين.
  • كما كان يدعوه جده لأمه (عاصم بن عمر بن الخطاب) بـ الأشَجّ، أو أشَجّ بني أمية، أو أشَجّ بني مروان، وهذا يعود إلى أنه في صغره ضربه حصان في اسطبل للخيل، فترك على جبينه ندبة تميزه، وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: “من ولدي رجل بوجهه شجّة يملأ الأرض عدلًا” أخرجه الترمذي.
  • لُقب أيضًا بالخليفة العادل.
  • ويُلقب أيضًا بالخليفة الصالح.

نشأته وطلبه للعلم

الخليفة عمر بن عبد العزيز 2

لقد كان عمر بن عبد العزيز مُحبًا لطلب العلم من صغره، وبالإضافة لتأثره بأخواله الذين نشأ في كنفهم في المدينة المنورة، جالس الكثير من كبار الصحابة والتابعين والعلماء والمحدثين حيث بلغ عدد الشيوخ الذين علّموه (23) شيخًا.

وقد كانت المدينة المنورة في زمانه منارة للصلاح والعلم، يكثر فيها العلماء والصالحين والمشايخ والفقهاء، وفي هذه الفترة تعلم القرآن وحفظه وهو صغير، وهذا يعود لذكائه وقدرته على الاستيعاب والحفظ، بالإضافة إلى كونه متفرغًا للعلم، وكان متأثرًا بالقرآن الكريم وتُبكيه الآيات التي يُذكر فيها الموت رغم صغره.

كانت أيضًا الفترة التي عاش ونشأ فيها في المدينة المنورة من الفترات التي كان يسودها حب التعلم والإقبال عليه، ومازال في هذه المدينة المقدسة بعض صحابة الرسول ﷺ فهُم في هذه الفترة غير بعيدين عن فترة النبوة.

ومن بعض القصص التي ذكرت خلال هذه الفترة أن سهل بن معاذ وهبه قدحًا كان يشرب منه الرسول ﷺ، كما أنه صلى إمامًا بحضرة أنس بن مالك فقال فيه: “ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى”.

ومن شدة حبه للرسول ﷺ كان يحرص أن تكون صلاته مشابهة لصلاة الرسول ﷺ في الركوع والسجود وبقية الأحكام، فكان يطيل أو يقصر في الركوع والسجود تشبُهًا بما كان يفعله الرسول ﷺ.

الشيوخ والفقهاء والصحابة الذين تأدب عمر بن عبد العزيز على أيديهم

لقد اختار والده عبد العزيز بن مروان المربي (صالح بن كيسان) ليتولى تعليمه وتأديبه، فألزمه بأداء الصلاة على وقتها في المسجد، وقد قال (صالح بن كيسان) عن عمر بن عبد العزيز: “ما خبرت أحدًا الله أعظم في صدره من هذا الغلام”.

كما تأثر عمر بن عبد العزيز ببعض الشيوخ ومنهم:

  • عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد تأثر به كثيرًا حيث قال في شيخه: “لَمجلسٌ من الأعمى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحب إليّ من ألف دينار”، حيث كان شيخه عبيد الله مفتي المدينة المنورة، ومن الفقهاء السبعة، وقد قال الزهري فيه: “كان عبيد الله بن عبد الله بحرًا من بحور العلم”.
  • كما تأدب على يد سعيد بن المسيب، وهو سيد التابعين وفقيه وعالم من أهم علماء أهل المدينة، ومن رواة الحديث النبوي الشريف.
  • ومن الصحابة الذين أسند عنهم: أنس بم مالك، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمر بن سلمى المخزومي، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
  • كما روى عن كبار التابعين منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث، عروة بن الزبير، عامر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم.

قال ميمون بن مهران: “كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة”.

صفاته الشخصية وزواجه

كان نحيلًا أبيض الوجه، ويُقال بأنه كان أسمرًا، ضعيفًا ورقيق الوجه، وغائر العينين، وله لحية جميلة، وقد كان شخصًا جميلًا لكنه كان نحيلًا.

يُقال أيضًا أنه كان أصلعًا حيث قال الثعالبي في لطائف المعارف: “كان عمر بن الخطاب أصلع، وعثمان، وعلي، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز، ثم انقطع الصلع عن الخلفاء”.

ومن صفاته أن إمامته كانت تشبه إلى حد كبير إمامة سيدنا رسول الله ﷺ.

زواجه:

عندما توفي والده عبد العزيز، أرسل عمه عبد الملك بن مروان إليه (وكان في دمشق) وزوجّه ابنته فاطمة لكثرة حبه بهذا الشاب العالم.

لقد كانت ابنة عمه فاطمة تحمل لقب لم تحمله قبلها أي امرأة فهي فاطمة بنت الخليفة عبد الملك بن مروان، وجدها الخليفة مروان بن الحكم، وزوجها الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأخوتها خلفاء، ولم توجد أي امرأة تحمل هذا اللقب بعدها أيضًا إلى يومنا هذا.

كما أن عمر بن عبد العزيز له زوجات أخرى وهن:

  • لميس بنت علي بن الحارث التي ولدت له كلًا من عبد الله وبكر وأم عمار.
  • أم عثمان بنت شعيب بن زيان والتي ولدت له ابنه إبراهيم.

وأما أولاده:

هناك اختلاف في عدد الأولاد من ذكور وإناث: فيُقال بأنهم (14) ذكرًا، ومنهم عبد الملك، والوليد، وعاصم، ويزيد، وعبد الله، وعبد العزيز، وزيان، وإبراهيم، وبكر، واسحق، ويعقوب، وموسى. وأما عدد البنات فكان له ثلاثة بنات هن: أم عمار وأمينة وأم عبد الله.

حياته في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك

لعمر بن عبد العزيز كبير الأثر في نصحه لأبناء عمه الخليفة عبد الملك بن مروان، والذين استلموا الخلافة بعد والدهم، وتولوا الخلافة قبل عمر بن عبد العزيز، فهو أميرًا بينهم لأنه ابن ولي العهد عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فكان لا يتأخر في إبداء المشورة والرأي حيث كان له مكانة مميزة في البيت الأموي وخاصة أن عمه الخليفة عبد الملك بن مروان كان يُحبه ويُقدره ومعجب بذكائه ونباهته، وكان يأخذ برأيه أكثر مما يأخذ برأي أبنائه، حتى أنه عمل بمشورته في صك النقود العربية بدلًا من الأعجمية، وجعل الكتابة في الديوان باللغة العربية بعد أن كانت باللغة الرومية. 

وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك ولاه الأمارة على (خناصره) حتى يتدرب على أعمال الإمارة والقيادة، وفي عام (87) للهجرة ولاّه أمارة (المدينة المنورة) ثم ضم إليها (الطائف) في عام91 للهجرة، فصار في هذه الفترة والي على (الحجاز) كلها ولكنه اشترط 3 أمور حتى يتولى ولاية الحجاز وهذه الشروط هي:

  • أن يقلل من إرسال مال الولاية للخليفة، وأن يعمل بالحق والعدل.
  • أن يسمح له الخليفة بالحج وخاصة أنه لم يحج بعد.
  • أن يسمح له بالعطاء بأن يُخرجه للناس في المدينة.

وافق الخليفة الوليد على شروطه، واستلم عمر بن عبد العزيز ولاية الحجاز، وفي هذه الفترة من ولايته على الحجاز قام بالأعمال التالية:

  • كوّن مجلس للشورى بالمدينة سماه (مجلس فقهاء المدينة العشرة) حيث كان لا يقطع أمرًا إلا بعد أخذ مشورة (10) من فقهاء المدينة المنورة ومن بينهم: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وغيرهم.
  • كان محبًا لسعيد بن المسيب ويأخذ برأيه الذي حيث كان يأتي لمجلس عمر بن عبد العزيز دون الخلفاء أو أمراء بني أمية.
  • وسّع المسجد النبوي الشريف بأمر من الخليفة الوليد مع زخرفته.
  • قام بإصلاحات كثيرة في المدينة المنورة شهد عليها الخليفة الوليد.

ولكنه طلب من الخليفة أن يعفيه من إمارة المدينة ويعزله وذلك عندما قرر الخليفة الوليد أن يعقد لواء الحج للحجاج بن يوسف الثقفي كأمير على الحج، وخاصة أن عمر بن عبد العزيز كان يكره الحجاج لظلمه للناس وجوره في الحكم، فوافق الوليد على تنحي عمر عن الولاية، فقال الإمام مالك في ذلك: “أنه عندما عزل الخليفة الوليد عمر بن عبد العزيز عن ولاية المدينة، خرج منها وهو باكيًا وقال لمولاه (مزاحم): “يا مزاحم، نخشى أن نكون ممن نَفَتْ المدينة”.

انتقاله إلى دمشق

عندما خرج من المدينة حزينًا على فراق مدينة رسول الله ﷺ، عاش في مزرعة في السويداء، ثم رأى أنه من الواجب أن يكون مع الخليفة في دمشق، إلا أن وجوده في دمشق لم يخلو من المشاكل، وخاصة أنه لم يكن على وفاق تام مع الخليفة الوليد الذي كان يستند في حكمه على ولاة قساة من بينهم الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق، وأخو الحجاج في اليمن.

إلا أن الأحوال تغيرت عندما استلم الخليفة سليمان بن عبد الملك الخلافة، فقرَّب عمر إليه وعينه وزير ومستشار له في الإقامة والسفر، فقد كان يُحبه ويُفضله على غيره من الذين حوله حتى قال مرة: “يا أبا حفص، ما اغتممت بأمر ولا أكربني أمر إلا خطرت فيه على بالي”.

وبقي عمر بن عبد العزيز قريبًا من ابن عمه الخليفة سليمان طيلة مدة خلافته، ينصحه ويتشارك معه مسؤولية الحكم.

تولي عمر بن عبد العزيز الخلافة

وبعد أن مات سليمان بن عبد الملك سنة (99) للهجرة، قام وهو في مرض الموت بمبايعة عمر بن عبد العزيز من بعده، ومن بعده لأخيه يزيد بن عبد الملك، واستلم عمر الخلافة رغم عدم رغبته بها.

عن عمرو بن مهاجر قال: عندما استلم عمر الخلافة قام إلى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم خطب بالناس قائلًا:

“أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﷺ، ألا وإني لست بفارض ولكني مُنفذ، ولستُ بمُبتدع ولكني مُتَّبَعْ، ولست بخيرٍ من أحدكم ولكني أثقلكم حِملًا، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.

ثم تابع:

“أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خَلعتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم”، فصاح الناس بمبايعته ورضاهم به كأميرًا للمؤمنين.

وأكمل خطبته بالمسلمين يحثهم على تقوى الله وأن يدلوه على الخير، ويُعينوه على هذا الحمل الثقيل بقوله: “ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملًا”.

  • لقد كانت الفترة القصيرة التي حكم فيها عمر بن عبد العزيز المسلمين متميزة بالعدل والمساواة، كما قام برد المظالم لأهلها.
  • كان عمر بن عبد العزيز شديد الحزم في أخذ الحق وكان يدافع عن الحق بشدة.
  • أنقذ الأمة الإسلامية من الانحراف الذي قاده معاوية وابنه يزيد.

عدل الخليفة عمر بن عبد العزيز وزهده

تمثل العدل عند عمر من خلال تطبيقه على الناس وحقوقهم وفق الشرع،

خلال فترة ولاية عمر للخلافة كانت خزانة الدولة ممتلئة للغاية بأموال المسلمين، ووصل شعبها إلى الازدهار الكبير لدرجة أن الأشخاص الذين كانوا يدفعون زكاة أموالهم لا يجدون أي شخص بحاجة لها من كثرة العدل في ذلك الوقت.

  • بدأ عمر بن عبد العزيز برد المظالم من نفسه، حيث تنازل عن كل ما يملك من أراض ومتاع لبيت مال المسلمين، حتى فص خاتم كان الوليد قد أعطاه إياه قام ووهبه لبيت مال المسلمين، وجرّد سيفه مما كان فيه من حلي وجواهر وفضة، وتخلى عن أغلى ثيابه الفاخرة وعطوره وأشياء كانت ثمينة لديه ووهبها لبيت مال المسلمين.  
  • كما أمر ببيع كل ما آل إليه من هدايا وأشياء وثياب وعطور فاخرة ودهن من الخليفة سليمان وضم ثمنها لبيت مال المسلمين.
  • إضافة إلى أنه طلب من أبناء البيت الأموي بعد استلامه الخلافة، بأن يُخرجوا ما لديهم من أموال وبيوت كانوا قد أخذوها بغير حق، ويردوها إلى بيت مال المسلمين، وترك لهم حقوقهم الشرعية فقط، حتى أنه سمى أموال أمراء بني أمية (مظالم).
  • ومن شدة عدله أنه خيّر زوجته فاطمة بنت عبد الملك أن تتخلى عن كل ما تملك من حلي وجواهر (كانت قد ملكته في عهد أبيها) وترده إلى بيت المال أو أن تفارقه، إلا أنها اختارت أن تتخلى عما تملكه من مال وتهبه لبيت مال المسلمين، حتى أنه عندما مات عمر وخلفه يزيد (وهو أخيها) أراد أن يعيد لها المال فأبت قائلة: “لا والله، ما أطيب به نفسًا في حياته وأرجع فيه بعد موته”.
  • وقد تحدث أبو أمية الخصي غلام عمر بأنه دخل يومًا على فاطمة زوجة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فقدمت له عدسًا، فقال لها: كل يوم عدس؟ قالت: “يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين”.
  • وعن خوفه من الله قال عطاء بن أبي رباح، أن فاطمة (زوجة عمر) قالت له أنها دخلت عليه مرة وهو في مكان صلاته فرأته يبكي، حتى كان الدمع يسيل من لحيته، فسألته أهو لأمر حدث معه؟ لكنه قال لها: “يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد ﷺ أسودها وأحمرها، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة، فخشيت ألا تثبت لي حجة، فبكيت”.
  • وقد كانت نفقة عمر بن عبد العزيز بعد توليه الخلافة درهمين في اليوم.
  • كما كان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين، حتى أنه كان يُشعل الشمعة لقضاء حوائج المسلمين وعندما ينتهي من أمورهم يُطفؤها.

وقال ابن موسى: “ما زال عمر بن عبد العزيز يردّ المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات”.

أعماله خلال فترة خلافته  

قام عمر بن عبد العزيز بتنفيذ الكثير من القرارات الجيدة عندما استلم خلافة الأمويين بعد سليمان بن عبد الملك ومنها:

  • عزل الولاة والحكّام الظالمين، وخاصة الذين كان الحَجّاج قد عيّنهم وبعض الولاة الآخرين، وعزلهم من مناصبهم مثل: والي المدينة المنورة عثمان بن حيان، ووالي مكة خالد القسري البجلي.
  • عزل حارس سليمان بن عبد الملك (خالد بن الريان) الذي كان يضرب أعناق الأشخاص الذين يأمر الخليفة سليمان بضربها، وعيّن بدلًا عنه (عمرو بن مهاجر الأنصاري) الذي كان يرى فيه شخصًا مستقيمًا ويخاف الله.
  • عزل أسامة بن يزيد التنوخي الذي كان على خِراج مصر، لأنه كان كثير الظلم ويعتدي في فرض العقوبات بغير شرع الله، ويقطع اليد دون أن يتحقق من شروط قطعها، فأمر عمر بأن يُحبس ولا يفك قيده إلا في أوقات الصلاة ولمدة سنة كاملة.
  • أمر بإقامة الصلاة على وقتها بعد أن كان الخليفة الوليد قد أمر بتأخير صلاة الظهر والعصر.
  • حرص خلال فترة حكمه على نشر العلم، وتثقيف الناس بالدين والتعريف بالسنة، حتى أمر جميع الولاة أن ينشروا العلم في ولاياتهم والأقاليم، وأمر برواتب للعلماء حتى يتفرغوا لنشر العلم والدين،
  • قام بتنظيم الولايات وأمر ولاتها أن يقوموا بالعدل بين الناس.
  • اهتم بالعلوم الشرعية.
  • اشترى ملاطية من الإغريق مقابل مائة ألف أسير بادلهم بها.

العمل بالشورى:

أعاد العمل بالشورى بين الناس، ولهذا لقبه العلماء بخامس الخلفاء الراشدين لما كان يتبعه من أمور مشابهة لما قاموا بها أيام ولايتهم أمور المسلمين، وكان في الكثير من أموره يستشير العلماء والفقهاء ويطلب منهم النصيحة.

كما اهتم بتفعيل مبدأ الشورى في خلافته، ومن أقواله في الشورى: “إن المشورة والمناظرة باب رحمة، ومفتاح بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يُفقد معهما حزم”.

تدوين الحديث النبوي:

أمر بتدوين أحاديث الرسول ﷺ خوفًا من ضياعها ونسيانها على مر الزمان، وحتى لا يختلط أي شيء بالقرآن، فأمر بكتابة الحديث وتدوينه والاهتمام بالعلم بقوله: “أيها الناس، قيّدوا النعم بالشكر، وقيّدوا العلم بالكتابة”.

فقد خشي عمر أن تضيع الأحاديث التي في صدور رواتها وحفظتها، مع اختلاطها بالأحاديث المكذوبة وغير الصحيحة، وأمر الأئمة من العلماء في أرجاء البلاد وحثهم على جمع سنن وأحاديث الرسول ﷺ، وأرسل كتبًا إلى جميع الولاة والعلماء والفقهاء بذلك، ومن بينهم أنه أرسل كتاب إلى أمير المدينة الإمام أبي بكر بن حزم يقول فيه: “انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ، ولتُفشوا العلم، ولتُجلسوا حتى يعلم ما لم يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا”.

قال ابن حجر العسقلاني في ذلك: “وأول من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد”.

مدة خلافة عمر بن عبد العزيز ووفاته

خلافة عمر كانت قصيرة فقد كان أميرًا للمؤمنين لمدة: سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، حتى قُتل مسمومًا سنة 101هـ، فتولى يزيد بن عبد الملك خلافة بني أمية من بعده.

وقد قال ابن عمر بن عبد العزيز (عبد العزيز) حين سأله أبو جعفر المنصور عما تركه عمر بن عبد العزيز من مال بعد وفاته؟ فقال: أربعمائة دينار، ولو بقي لنقصت” مع أنه حين استلم الخلافة كان ما يملكه ما يُقارب أربعين ألف دينار.

وفي رواية أخرى يُقال بأن ما تركه عمر بن عبد العزيز من تركة بعد وفاته وكان عنده 11 ابنًا، حيث بلغت تركته (17) دينارًا، كفنوه بقسم منها، وقسموا الباقي على ورثته.

وفاته:

وحين أتاه الموت وكان يحتضر قال للذين من حوله: “اخرجوا عني” لكن فاطمة ومسلمة جلسا أمام الباب يستمعون لما يقوله فقال وهو على فراش الموت:

“مرحبًا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان” ثم تلا قوله تعالى من سورة القصص الآية (83): تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَثم هدأ صوته فلما دخلوا عليه وجدوه قد فارق الحياة (رضي الله عنه).

اختلفت الروايات حول سبب وفاة عمر بن عبد العزيز ومنها:

  • يُقال بأنه توفي بسبب السم الذي شربه، وذلك بمؤامرة من بني أمية الذين ضاقوا ذرعًا من سياسته وعدله وحرمانهم من ملذاتهم وأموالهم، حيث رُوي أنهم أعطوا لغلام له ألف دينار مع عتقه من العبودية ليضع له السم في الشراب، ويُقال بأن عمر بن عبد العزيز لما أحس بالسم يسري في بطنه طلب الغلام الذي وضع له السم وقال له: “ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟”، فأجابه الغلام بأنهم وعدوه بالعتق وبألف دينار، فطلب منه عمر الألف دينار ووهبها لبيت مال المسلمين، ثم قال للغلام: “اذهب حيث لا يراك أحد”.
  • وتذكر بعض الروايات أن السبب في وفاته هو خوفه الشديد من الله عز وجل لما حمّله من أمور الناس، فكان دائم الخوف من هذه المسؤولية التي على عاتقه.
  • وفي رواية أخرى يُقال بأنه مات بسبب إصابته بالسل.

وقد كانت وفاته في العشر الأواخر من رجب لسنة (101) للهجرة الموافق لسنة (720) للميلاد بعد أن كتب إلى يزيد بن عبد الملك الذي استلم الخلافة من بعده.

ورُوي أنه مات وعمره أربعون سنة، وفي بعض الروايات يُقال إن عمره كان 39 عامًا وبضعة أشهر.

ضريح الخليفة عمر بن عبد العزيز:

ضريح الخليفة عمر

الضريح الذي يضم جسد هذا الخليفة العادل يقع في قرية تسمى (دير شرقي)، والتي توجد في الشرق من معرة النعمان التابعة لمحافظة ادلب السورية، وهو بناء من العهد المملوكي قديم وقد جُدد في تسعينيات القرن الماضي، مع بناء قبة فوق الضريح وحديقة حوله، وصار الضريح مَعْلَمًا سياحيًا ومكانًا يشهد على عظمة من يضمه وما كان يحمله من تقوى وعدل وزهد وورع.

مكانة عمر بن عبد العزيز

كان لعمر بن عبد العزيز مكانة مرموقة بين أئمة العصر الذي عاش فيه حيث أطلق عليه لقب (الإمام) من قبل الإمام مالك والإمام سفيان بن عيينة.

وقد قال مجاهد في عمر بن عبد العزيز: “أتيناه نعلمه فما برحنا حتى تعلمَّنا منه”.

أما الذهبي فقد قال فيه: “كان إمامًا فقيهًا مجتهدًا، عارفًا بالسنن، كبير الشأن، حافظًا وقانتًا لله، أوَّاهًا مُنيبًا، يُعَدُّ في حُسن السّيرة والقيامِ بالقِسطِ مع جدّه لأمه عُمر، وفي الزُهد مع الحَسَنْ البَصْري، وفي العِلم مع الزَهري».

وقال فيه ميمون بن مهران: “كان عمر بن عبد العزيز معلمَّ العلماء”،

وقد أخذ الأئمة الأربعة عنه من الحنفاء والشافعية والمالكية والحنابلة، حيث ذكره الإمام مالك في (الموطأ) بأكثر من موضع محتجًا بأقواله وفتواه.

كما قال الإمام أحمد في عمر بن عبد العزيز: “لا أدري قول أحد من التابعين حُجّة إلا قول عمر بن عبد العزيز”.

كتاب عمر بن عبد العزيز لعبد الحميد السحار

ومن الكتب التي كتبت عن عمر بن عبد العزيز: كتاب (عمر بن عبد العزيز) للكاتب عبد الحميد جودة السحار.

من أقواله

من أشهر ما قاله الخليفة عمر بن عبد العزيز:

قول عمر بن عبد العزيز
  • “أنثروا القمحَ على رؤوسِ الجبال لكيلا يُقال: جاعَ طيرٌ في بلاد المسلمين”.
  • قال إبراهيم السكوني: قال عمر بن عبد العزيز: “ما كذبت منذ علمت أن الكذب شِين على أهله”.
  • وقال غسان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني، قال له عمر: “أوصيك بتقوى الله، وإيثاره، تخف عنك المئونة، وتُحسن لك من الله المعونة”.
  • وقال الحجاج بن عنبسة: أن بنو مروان أرادوا يومًا أن يُمازحوه ليعطف عليهم، ولما دخلوا عليه وأخذ أحدهم بالمزاح في الحديث، نظر عمر إليه وقال: “لهذا اجتمعتم؟ لأخس الحديث، ولما يورث الضغائن؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن النبي ﷺ، فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.

أقوال في الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز

لقد كانت حياة عمر بن عبد العزيز هذا الخليفة الأموي العادل زاخرة بأعمال أعادت العدل، وردت المظالم للناس رغم قصر هذه المدة: وقد قيل عنه:

  • قال قيس بن جبير في عمر بن عبد العزيز: “مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون”.
  • قال ميمون بن مهران: “إن الله كان يتعاهد الناس بنبّي بعد نبي، وإن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز”.
  • وقال حسن القصاب: “رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقلت: سبحان الله! ذئب في غَنَمٍ لا يضُرَها؟ فقال الراعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس”.
  • قال وهب بن منبه: “إن كان في هذه الأمة مَهْديّ فهو عمر بن عبد العزيز”.
  • وقال مالك بن دينار: “الناس يقولون: مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها”.  
  • وقال موسى بن أعين: “كنا نرعى الشاء بكِرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد، فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة قلت: ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك، فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة”.
  • وقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزة إزاره لغائبة في عكنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسك لفعلت”.

سيرة عمر بن عبد العزيز في التلفزيون

مسلسل عمر بن عبد العزيز

جُسدت شخصية هذا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في عدة مسلسلات ومن هذه المسلسلات:

مسلسل “عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء الراشدين” الذي بُدأ عرضه لأول مرة عام 1995، حيث جسّد الممثل نور الشريف شخصية الخليفة العادل خير تجسيد، ويعتبر هذا المسلسل من أقوى المسلسلات التي جسدت شخصية الخليفة عمر، وكان المسلسل من إخراج أحمد توفيق، ومن بطولة نور الشريف إلى جانب عمر الحريري وعبد الرحمن أبو زهرة، وأشرف عبد الغفور، وقد قامت بدور زوجته فاطمة الفنانة عبير الشرقاوي.

وقد بدأ المسلسل بتتر المقدمة من أشعار عبد السلام أمين، وألحان الموسيقار محمد الموجي، والغناء لعلي الحجار ومن الشعر الذي كان في مقدمة تتر المسلسل:

هذا الفتى العُمريُّ في تَقْواهُ           نورُ التُّقى والطُّهْرُ في سِيماهُ

غُصنٌ من الفاروقِ في أخلاقِهِ          شـَهِدَ الرَّعيةَ عَدْلُهُ وتُقـــــــاهُ

الراشدي العُمريُّ على الطغاةِ قويُّ وبالضعيفِ رحيمٌ ولليتيم حَفِيُّ

قَبَسٌ من الخُلفاءِ مـدَّ ضيائَـهُ            من بعدِ أنْ ضلَّ الولاةُ وتاهـوا

مَلَكَ القُلوبَ بعدلِهِ وبحَزْمِــهِ             وبزُهْدِهِ والمُلْكُ في يُمْنـــــاهُ

يا خامسًا للراشدين أولي ………… الهُدى والحاكمينَ بما أحـلَّ اللهُ

إن يَصْلُحْ الرَّاعي ويتّقي ربَهُ              تَخْشى الذِئابُ رُبوعَهُ وحِماهُ

المصادر:

كاتبة ومحررة سورية حاصلة على الإجازة الجامعية في الحقوق من جامعة دمشق، متخصصة في كتابة المقالات الطبية والصحية والمتعلقة بشؤون المرأة.