ذو القرنين … أحد أعلام القرآن المشاهير

ورد ذو القرنين اسمه في القرآن الكريم في سورة الكهف وتكلم عن قصته وما حدث معه على ثلاث مراحل، وكان ملكًا عادلًا وعبدًا صالحًا من عباد الله، قد بنى ردماً يدفع به أذى يأجوج ومأجوج عن أحد الأقوام. وغير ذلك من الأحداث التي سنوردها بإذن الله…

لم يرد في  القرآن الكريم والسنة النبوية أصله أو نسبه أو تاريخه أو ممن هو، ولو كانت في ذلك فائدة لنا لأخبرنا الله تعالى بها في محكم كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. حتى أنه لم يعرف لم سمي ذو القرنين. لكن سنورد ما قاله العلماء من آراء مختلفة بخصوص تسميته بهذا الاسم. والله أعلم.

عن بريدة بن الحصيب الأسلمي: ستكونُ بعدي بعوثٌ كثيرةٌ فكُن في بعثِ خُراسانَ ثمَّ انزلْ مدينةَ مَرْوٍ بناها ذو القرنينِ. هذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث حسن. (1)

الآيات التي ذكر فيها ذو القرنين في القرآن

ذُكر ذو القرنين في القرآن الكريم في سورة الكهف بدءاً من الآية 83 حتى الآية 98: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا).

سبب ذكر قصة ذو القرنين في القرآن

سبب نزول قصة ذي القرنين، جاء في تفسير القرآن الكريم: أن مشركي قريش أرسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود في يثرب وقالوا لهم: “سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمُ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ”، فقالت أحبار اليهود: “سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّل، ِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَمَا كَانَ نبأه، وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ. فلما سألت قريش النبي الأسئلة الثلاثة، قال لهم: “أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا”، لكن ظل النبي 15 ليلة لا يأتيه الوحي حتى أحزن النبي، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكةَ، ثم جاءه جبريل من الله بسورة الكهف، وذكرت الآية التي تتحدث عن ذي القرنين.

من هو ذو القرنين ولم سمي بهذا الاسم؟

ذو القرنين المذكور في سورة الكهف في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) الكهف/ 83. كان ملكًا من ملوك الأرض وعبدًا صالحًا مسلمًا، طاف الأرض يدعو إلى الإسلام ويقاتل عليه من خالف شرع الله، فنشر الإسلام وقمع الكفر وأهله وأعان المظلوم وأقام العدل.

صح عن مجاهد أنه قال: “ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود بن كنعان، لم يملكها غيرهم” رواه الطبري في “التفسير”.

قال ابن كثير رحمه الله:

“ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وملك الأقاليم وقهر أهلها، وسار فيهم بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط. والصحيح: أنه كان ملكًا من الملوك العادلين” من “البداية والنهاية”.

اختلف المفسرون في سبب تسمية ذي القرنين بهذا الاسم

بعضهم قال أنه سمي بهذا الاسم لأنه اجتاز مشرق الأرض ومغربها، حيث يعبر العرب عن ذلك بقرني الشمس، وقيل لأنه كان له ضفيرتان من الشعر والضفائر تسمى قروناً، وقيل كان له قرنان تحت عمامته، وقيل غير ذلك … والله أعلم.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

“وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقِيلَ كَانَ نَبِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَة، وقيل لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا, وَقِيلَ: كَانَ مِنْ الْمُلُوك. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر”.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

“هو ملك صالح كان على عهد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ويقال إنه طاف معه بالبيت، فالله أعلم.

قصة ذي القرنين في القرآن

يحكي القرآن الكريم قصة ذي القرنين وأنه بدأ التجوال بجيشه في الأرض، داعياً إلى الله، الله عزوجل أعطاه قدرات ملك. وعنده جيش وقوة، وأعطاه الله أسباب الملك والقوة والسيطرة. لكنه لم يستخدمها إلا في طاعة الله ولم يستعبد البشر.

استعملها فقط في الحث على طاعة الله. على الرغم من أن عنده كل أسباب القوة إلا أنه لم يتقاعس “فأتبع سببا” لم يجلس كما يجلس بعض أصحاب الملك وغيرهم من ذوي القوة والجبروت … اتخذ كل الأسباب لينشر دين الله عز وجل في الأرض.

ذكر لنا القرآن الكريم بعض من رحلاته والله أعلم كم رحلة ذهب إليها. لكن الذي ذكر في القرآن الكريم ثلاث رحل: رحلة في المغرب ورحلة في المشرق وذهب إلى قوم لا يفقهون قولاً. ما قصة هذه الرحلات الثلاث؟

الرحلة الأولى

اتجه غرباً، حتى وصل منتهى الأرض المعروفة آنذاك، “حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ” وجاء في تفسير ابن كثير: «أَيْ رَأَى الشَّمْس فِي مَنْظَره تَغْرُب فِي الْبَحْر الْمُحِيط وَهَذَا شَأْن كُلّ مَنْ اِنْتَهَى إِلَى سَاحِله يَرَاهَا كَأَنَّهَا تَغْرُب فِيهِ».

والله أعلم أين مغربه في ذلك الزمان والله أعلم أين كان؟ في أي بلد وجد؟ كان هناك قومًا في مكان يسمى العين الحمئة أي في مكان تغرب فيه الشمس كأنها تدخل في ماء حار مختلط بالطين وهو طين البحر. وجد أمة من الأمم فأوحى إليه الله تعالى بأنك ملك وعندك كل أنواع القوة والجبروت ماذا ستفعل مع هؤلاء القوم؟

قال أما من استمر على شركه بعد أن ندعوه إلى الله تعالى واستمر على عناده وكفره فسنعذبه في الدنيا وسيرد إلى العذاب الأكبر ألا وهو يوم القيامة والعياذ بالله.

أما الذي يؤمن سنكرمه ونعامله أحسن معاملة لأنه آمن بالله تعالى. وهذا تمام العدل والإنصاف. فهو رجل صالح عادل يريد الإصلاح في الأرض ويقوّم البشر ويدعوهم إلى الله تعالى. بعد أن انتهى من جهة المغرب انتقل إلى جهة المشرق. والله أعلم أين كان مشرقه…

الرحلة الثانية

بعد ان انتقل إلى جهة المشرق وجد قوم لهم شأن غريب يعيشون من طلوع الشمس إلى غروب الشمس وبيوتهم لا تمنعهم من الشمس أبدًا ولا يلبسون لباسًا يسترهم. وعمل مثل ما عمل في الرحلة الأولى من كلمة “كذلك” في القرآن. أي فعل مثل ما فعل بالرحلة الأولى نصحهم وأرشدهم للطريق الصحيح.

الرحلة الثالثة

انتقل للرحلة الثالثة عندما وصل الى جبلين عظيمين وبينهما شق دخل مع جيشه العظيم و إلى قوم يعيشون بين الجبلين. لما رأوا ذا القرنين بدؤوا يشتكون إليه على الرغم من اللغة المختلفة ورغم ذلك فهم لغتهم وهذا من فضل الله عليه.

قالوا أنقذنا يا ذا القرنين من شر القوم وهم يأجوج ومأجوج. وهو معروف بعدله وقوته. أخبروه بأن هنالك قوم سموا يأجوج ومأجوج من كثرة فسادهم وجبروتهم وكأنهم نار تتأجج. وعرضوا عليه أموال وقالوا له خذ ما تشاء. المهم أن تخلصنا من شرورهم.

أجابهم بأنه لا يريد أموالًا ولا شيئًا دنيويًا. وهذه سنة الأنبياء. لا يأخذون من الناس شيئًا. فأجرهم على الله تعالى. وهذا أيضًا يندرج على الدعاة لأن قدواتهم الأنبياء. لا يبحثون عن الأموال. ولا على الشهرة. لأن الداعية دعوته إلى الله تعالى فقط خالصة لوجهه الكريم. “قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ”.

لكن طلب منهم أن يعتمدوا على أنفسهم أيضًا وأن يأخذوا بالأسباب. فقال لهم: أطلب منكم أن يكونوا رجالكم معي. أراد منهم أن يبذلوا شيئًا لوطنهم. لأن الأمة التي لا تعمل لأجل نفسها وتستعين من خارجها فقط من خبرات وأيدي عاملة توشك أن تهلك.

سأبني سدًا بينكم وبينهم ولن يستطعيوا الوصول إليكم. فطلب منهم أن يحضروا الحديد. أخذوا يبحثون ويكسرون الصخر ليحضروا الحديد. أراد أن يجعل السد كله معادن. وهذا ليس بالعمل السهل. ثم يضع بين الحديد خشب ليحرقها حتى إذا ارتفع الحديد للمكان لمستوى الجبلين أمرهم أن يحرقوا الخشب وبدأ ينصهر الحديد.

ثم طلب منهم أن يحضروا النحاس ليخلطه مع الحديد وذلك من خلال سكب النحاس المذاب على الحديد؛ حتى يصبح أكثر صلابة وقوة ويكون أقوى السدود. واكتمل السد وهنأ ذو القرنين القوم بأن هناك حاجز لن يستطيع قوم يأجوج ومأجوج أن يصعدوا فوقه أو يثقبوه.  إلا ما شالله تعالى.

الخاتمة

وبهذا نكون قد تحدثنا عن هذا الرجل الصالح ذو القرنين الذي ذكره لنا القرآن الكريم في سورة الكهف، ليكون عبرة للناس أجمعين وقدوة رائعة يقتدي بها الدعاة والملوك وتعلمنا من خلال قصته بأن يكون هدفنا الأسمى هو نشر الدين والدعوة إلى الله واحتساب الأجر على الله تعالى.  

المصادر

إذا استفدت من المقال، فساعدنا بمشاركته مع من تحب