الجمرة الخبيثة مرض نادر وسلاح بيولوجي خطير!

الجمرة الخبيثة مرض نادر وسلاح بيولوجي خطير!

الجمرة الخبيثة Anthrax أو ما يعرف بداء فارزي الصوف Woolsorters’ disease، هو مرض نادر لكن شديد الخطورة يصاب به البشر عن طريق الاتصال المباشر أو الغير مباشر بالحيوانات المصابة.

يمكن أن يسبب المرض عدّة أعراض ومؤشرات تبعًا لنوعه ولطريقة العدوى، ورغم وجود علاجات عديدة وطرق وقاية ولقاح إلا أنّ بعض الحالات قد تكون قاتلة.

وسنتحدث في هذا المقال بشكل شامل عن الجمرة الخبيثة وخطورتها كسلاح بيولوجي بالإضافة لأنواعها وأعراضها وطرق الوقاية منها.

ما هي الجمرة الخبيثة وما هو العامل الممرض المسبب لها؟

الجمرة الخبيثة مرض خطير تسببه أحد أنواع البكتيريا تسمى عصيّات الجمرة الخبيثة نسبة لشكلها العصوي تحت المجهر، تتميّز هذه العصيات بقدرتها على تشكيل أبواغ وهو شكل خامل من البكتيريا أكثر مقاومة للعوامل الخارجية، مما يسمح لها بالعيش لمدة طويلة تصل لعدّة سنوات في التربة إلى أن تجد المضيف المناسب.

الجمرة الخبيثة مرض نادر وسلاح بيولوجي خطير! - 2
شكل عصيّات الجمرة الخبيثة تحت المجهر الضوئي

ما مدى انتشار وشيوع الجمرة الخبيثة حول العالم؟

تمّ العثور على حالات إصابة بالجمرة الخبيثة في كل أنحاء العالم، إلا أنّها نادرة في الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان المتقدّمة، ومنتشرة في البلدان النامية خاصة في تلك التي لا تقوم بتلقيح الماشية ضد العدوى مثل أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، وسط وجنوب غرب آسيا، جنوب أوروبا وأوروبا الشرقيّة، منطقة البحر الكاريبي، وفي أفريقيا جنوب الصحراء.

هل يمكن استخدام الجمرة الخبيثة كسلاح بيولوجي؟

من الممكن استخدام عصيّات الجمرة الخبيثة كسلاح بيولوجي، وفي الواقع قد تمّ استخدامها في عام 2001 عندما قام باحث عسكري أمريكي بإرسال مغلّفات حاوية على العصيّات إلى أعضاء الكونجرس ووسائل الإعلام، وقد أصيب على إثر هذه الحادثة 22 شخص بالجمرة الخبيثة الجلدية و الجمرة الناتجة عن الاستنشاق وتوفّي 5 منهم، وتواصل الوكالات الفدرالية عملها على منع حدوث هجوم مشابه في المستقبل حتى الآن.

ما هي أسباب الإصابة بالجمرة الخبيثة وطرق العدوى؟

باعتبار أنّ أبواغ الجمرة الخبيثة الخاملة (الشكل الغير نشط) تعيش كامنة في التربة لفترات طويلة ستصاب الحيوانات الداجنة والبريّة مثل الغزلان والماشية والأغنام والماعز والخيول عن طريق ابتلاع هذه الأبواغ أو استنشاقها أثناء الرعي، وبعد دخولها الجسم والاختلاط بسوائله ستنشط البكتيريا وتتكاثر وتنتشر محدثةً تفاعلًا سامًا ومميتًا، ولا يقتصر الأمر على الحيوانات فقط بل من الممكن أن يصاب بها الإنسان بنفس الطريقة.

ونستطيع تلخيص طرق إصابة الإنسان بما يلي:

  • استنشاق الأبواغ.
  • أكل أو شرب ما هو ملوّث بالأبواغ.
  • لمس ما هو مجرثم وعندها ستدخل الجراثيم عن طريق أحد جروح الجلد إلى الجسم.
  • بالحقن حيث إنّ حقن مواد كالهيروئين الملوّث قد تسبب بحدوث فاشية في شمال أوروبا عندما أصيب متعاطو المخدرات بالجمرة الخبيثة وتوفّي العديد منهم.
  • التعرّض لحيوانات المصابة أو لحومها أو جلودها.

وتبعًا لما سبق سنقوم بالإجابة عن السؤالين التاليين:

من هم أكثر الأشخاص عرضةً للإصابة بالجمرة الخبيثة؟

  • المزارعون ومربّو الماشية.
  • العساكر والجنود.
  • المسافرون إلى بلدان تنتشر فيها الجمرة الخبيثة.
  • الباحثون والمخبريون.
  • الأطباء البيطريون الذين يعملون مع الحيوانات المصابة.
  • عمال مصانع الصوف والدباغة والمجازر، بالإضافة لصانعي الطبول من جلود الحيوانات.
  • مستخدمي الهيروئين.

هل الجمرة الخبيثة مرض معدٍ؟

مرض الجمرة الخبيثة ليس مرض معدِ مثل جدري الماء أو الأنفلونزا، حيث إنّه من غير المرجح أن تنتقل الإصابة عن طريق التواجد حول شخص مصاب، لكنّه وفي بعض الحالات النادرة قد يصاب الأشخاص بالجمرة الخبيثة بعد الاتصال المباشر بآفة جلدية عند شخص مصاب.

ما هي أعراض وأنواع الجمرة الخبيثة؟

تختلف الأعراض الناجمة عن الإصابة بالجمرة الخبيثة تبعًا لنوعها، ويختلف النوع بدوره حسب طريقة دخول البكتيريا إلى الجسم.

وبالتالي يوجد لدينا 4 أنواع أساسية سنقوم بذكرها وذكر ما تسببه من أعراض.

الجمرة الخبيثة الجلدية

وهو النوع الأكثر شيوعًا والأقل خطورةً فهو نادرًا ما يكون قاتل، وتنجم الإصابة به نتيجة دخول البكتيريا عبر الجلد إما عن طريق جرح أو تقرّح أو التهاب، ويسبب الأعراض التالية:

  • بثور صغيرة مثيرة للحكّة أو نتوء مرتفع مشابه للدغة الحشرة.
  • تقرّح جلدي ذات مركز أسود تالي للبثور (يكون عادةً غير مؤلم ويظهر على الوجه أو الرقبة أو اليدين والذراعين).
  • تورّم حول التقرّح وتورّم في العقد اللمفاوية المجاورة.
  • أحيانًا يتصاحب هذا النوع مع أعراض مشابهة للأنفلونزا كالحمّى والصداع.

الجمرة الخبيثة المعدية المعوية

تحدث الإصابة بعد تناول أو شرب أطعمة ملوثة بالأبواغ مثل لحوم الحيوانات المصابة الغير مطبوخة بشكل جيد، ويتأثّر بها جهاز الهضم من الحلق للقولون وتشمل أعراض هذا النوع ما يلي:

  • حمّى وقشعريرة.
  • تورّم في الرقبة والغدد وألم عند البلع.
  • غثيان وقيء قد يكون مدمّى.
  • فقدان الشهية.
  • إسهال حاد قد يكون دمويًا خاصة في المراحل الأخيرة.
  • صداع الرأس.
  • ألم في المعدة.
  • احمرار العين والوجه.
  • ألم وتورّم في البطن.
  • إغماء.

الجمرة الخبيثة الاستنشاقية

تحدث عندما يتم استنشاق الأبواغ، وتعد هذه الحالة أخطر حالات الإصابة إذ أنّها غالبًا ما تكون قاتلة بالرغم من تلقّي العلاج، وتتمثّل الأعراض بما يلي:

  • أعراض مشابهة للأنفلونزا من حمّى وتعب وآلام في الجسم والتهاب في الحلق، وقد تستمر لساعات وحتى أيام.
  • ضيق في التنفس.
  • غثيان.
  • ألم عند البلع.
  • شعور غريب وغير مريح في الصدر.
  • دوار وارتباك.
  • تعرّق.

ومن الممكن أن تزداد الأعراض سوءًا وصولًا إلى الصدمة وصعوبة التنفس أو حتى التهاب سحايا وهي الأغشية المحيطة بالدماغ والنخاع الشوكي وتعد إصابة مهددة للحياة.

الجمرة الخبيثة عن طريق الحقن

تنجم الإصابة نتيجة حقن المخدرات غير المشروعة والملوثة مثل الهيروئين، وتسبب ما يلي:

  • بثور أو نتوءات مثيرة للحكّة، أو احمرار وتورّم في المكان الذي حُقِن فيه الدواء.
  • تقرّح غير مؤلم له مركز أسود تالي للبثور والنتوءات.
  • حمّى وقشعريرة.
  • جيوب مملوءة بالقيح تحت الجلد أو في العضلات حول مكان الحقن.

كما أنّه من الممكن أن تزداد الحالة سوءًا وتتسبب بصدمة أو التهاب سحايا، وقد تتوقف أعضاء المصاب عن العمل.

ما هي مضاعفات الإصابة بالجمرة الخبيثة؟

تشمل أخطر المضاعفات ما يلي:

  • تعفّن الدم نتيجة عدم قدرة الجسم على الاستجابة للعدوى بشكل طبيعي وبالتالي تلف في العديد من الأجهزة والأعضاء.
  • التهاب الأغشية المحيطة بالدماغ والنخاع الشوكي مما يؤدي إلى نزيف حاد فيما يدعى بالتهاب السحايا النزفي والموت.

ومن الممكن أن تكون الجمرة الخبيثة غير المعالجة مميتة تبعًا لنوعها ولسرعة التدخّل والعلاج، وبالتالي تختلف المضاعفات ونسب الوفاة كما يلي:

  • الجلدية: ينجو كل من يعالج من الجمرة الخبيثة تقريبًا، وحوالي 20% من المصابين الغير معالجين سيكون مصيرهم الموت.
  • المعدية المعوية: يعيش ما يقارب 60% من المرضى المعالجين، أما دون علاج سيموت أكثر من نصف المصابين.
  • الاستنشاقية: يعيش حوالي 55% من المرضى المعالجين، وينخفض ذلك الرقم إلى 15% عند المرضى غير المعالجين.

كيف يتم تشخيص الجمرة الخبيثة؟

في البداية يجب معرفة القصة السريرية ونوع عمل المريض لمعرفة فرص إصابته واحتمالية تعرّضه للعامل الممرض، وقد يقوم الطبيب باستبعاد بعض الحالات الشائعة المشتبه بها كالأنفلونزا والالتهاب الرئوي في البداية، واعتمادًا على الأعراض وعلى نوع الجمرة قد يقوم بإجراء اختبار أو أكثر مما يلي:

  • اختبار لرصد وجود أجسام مضادة للجمرة أو سموم خاصة بها في الدم.
  • خزعة للآفة الجلدية.
  • تحاليل دم.
  • أشعة سينية للصدر.
  • تصوير مقطعي محوسب CT scan.
  • اختبارات على البراز والمخاط.
  • البزل القطني (بزل السائل الدماغي الشوكي) حيث يدخل الطبيب إبرة في القناة الشوكية ويسحب كمية قليلة من السائل وهو شائع في حالة التهاب السحايا.

ما هو علاج الجمرة الخبيثة؟

يعتمد العلاج بشكل أساسي على المضادات الحيوية، وقد تعطى فمويًا أو وريديًا أو حقنًا مثل السيبروفلوكساسين (سيبرو)، والدوكسيسيكلين (فيبراميسين)، أو الليفوفلوكساسين، ويعتمد نوع المضاد الحيوي المختار على مدى الإصابة، والعمر والصحة العامة للمريض، وبكل تأكيد تعتبر سرعة العلاج عامل جوهري لتحقيق أفضل فعاليّة وتأثير.

كما طوّر الباحثون علاج مضاد للسموم وهو راكسيباكوماب، وأوبيلتوكساكسيمب من أجل الجمرة الخبيثة الاستنشاقية بالتحديد نظرًا إلى أنّ الحالات المتقدمة منها لا تستجيب للمضادات الحيوية لأنّ البكتيريا قد أنتجت كمية كبيرة من السموم، وتعمل مضادات السموم هذه على استهداف السموم الناجمة عن العدوى وتحييدها بدلًا من البكتيريا ذاتها، وتعطى إلى جانب المضادات الحيوية.

وقد تمّ علاج بعض حالات الإصابة بالجمرة الخبيثة الناجمة عن الحقن بالاستئصال الجراحي للأنسجة المصابة، كما يمكن تقديم رعاية داعمة للمصابين عبر استخدام أجهزة التنفس الاصطناعي والسوائل والأدوية لرفع ضغط الدم.

ما هي سبل الوقاية ضد الجمرة الخبيثة؟

من أجل الوقاية توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ببعض الإجراءات وهي:

  • اتباع علاج بالمضادات الحيوية لمدة 60 يومًا للبالغين والأطفال.
  • في حال السفر إلى منطقة معروفة بمعاناتها من الجمرة يجب عدم تناول اللحوم النيّئة أو الغير مطبوخة جيدًا.
  • تجنّب الحيوانات والماشية خاصة في المناطق التي لا يتم تحصين الحيوانات فيها بشكل روتيني.
  • تجنّب التعامل مع الصوف المستورد أو الجلود أو الفراء.

لقاح الجمرة الخبيثة

لقاح الجمرة الخبيثة فعّال بنسبة 90% في الوقاية من العدوى، لا يحتوي اللقاح على بكتيريا حيّة ولا يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالجمرة، إلا أنّه قد يسبب بعض الآثار الجانبية من ألم في موقع الحقن إلى تفاعلات حساسية أكثر خطورة.

يعطى اللقاح للأشخاص ما بين 18 عامًا و65 عامًا على خمس جرعات على مدار 18 شهرًا مع جرعة تقوية سنويّة، وهو غير متاح للعامّة، بل مخصص للعساكر والعلماء وغيرهم من المعرّضين للإصابة.

يستخدم اللقاح في العلاج أيضًا لاسيّما في حالات الطوارئ كالهجوم الإرهابي، حيث يعطى المصابين ثلاث جرعات على مدى أربع أسابيع بالإضافة للمضادات الحيوية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية تتلقّى الماشية التي ترعى في مناطق معرّضة للجمرة مثل تكساس لقاحًا مختلفًا خاصًا بالحيوانات.

متى يجب زيارة الطبيب وطلب المساعدة؟

يجب الاتصال بالطبيب عند الشّك في التعرّض للجمرة الخبيثة مع وجود بعض الأعراض من:

  • دم في القيء أو البراز.
  • ألم في الصدر.
  • إسهال.
  • حمّى.
  • صعوبة في التنفس.
  • ألم شديد في البطن.

وأخيرًا رغم أنّ الجمرة الخبيثة مرض نادر إلا أنّه يشكّل تهديدًا محتملًا للإرهاب البيولوجي لاسيّما أنّ الجمرة الاستنشاقية صعبة العلاج وشديدة الخطورة، مع ذلك تذكّر أنّ معظم الحالات تشفى بعد تلقّي العلاج الفوري والملائم، مما يؤكّد على ضرورة السرعة في التشخيص وتقديم العلاج لمنع الوصول لمرحلة الأعراض المهددة للحياة وتحسين احتمالات الشفاء التام.

المصادر

170 مشاهدة