تاريخ الاتحاد السوفيتي من التأسيس حتى الانهيار

الاتحاد السوفيتي

كان الاتحاد السوفيتي (الاسم الرسمي اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية) أكبر دولة في العالم. تأسست هذه الدولة عام 1922 عندما استولى العمال والجنود الشيوعيون على السلطة بعد الحرب العالمية الأولى.

بعد الحرب العالمية الثانية، واجه الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها فيما عرف باسم الحرب الباردة، والتي تميزت بسباق تسلح متبادل جعل العالم على شفا حرب نووية في عدة مناسبات.

تعرّف في السطور التالية على تاريخ الاتحاد السوفيتي منذ تأسيسه حتى انهياره في ديسمبر 1991.

قبل تأسيس الاتحاد السوفيتي

قبل تأسيس الاتحاد السوفيتي، كانت روسيا تخضع لحكم القياصرة مثل دول أوروبا الغربية التي يحكمها الملوك. ربما سمعت عن إيفان الرهيب، توّج إيفان الرابع فاسيليفيتش كأول قيصر لروسيا عام 1547. والذي قام بتعزيز سلطته على كل مناطق روسيا وتمكن من تحديث القوانين والقوات المسلحة، وعرف بحكمه القاسي وعنفه وسلطته غير المحدودة.

في عهد القيصر بطرس الأكبر، أصبحت روسيا دولة حديثة منفتحة على العالم، وتعززت العلوم والثقافة فيها. وفي عام 1703 أسس مدينة سانت بطرسبرغ، والتي أصبحت نموذجًا للتقدم الروسي. جعل بطرس الأكبر روسيا قوة عظمى بعد هزيمة السويد في حرب الشمال العظمى التي استمرت 20 عامًا.

في عهد القيصر نيكولاس الثاني، الذي يعتبر آخر قياصرة روسيا، اندلعت احتجاجات شعبية بين عامي 1904 و 1905، وذلك ردًا على الحرب الروسية اليابانية، التي خسرت فيها روسيا. قمع القيصر بعنف تلك الاحتجاجات. ورفض مطالب المحتجين بمنحهم مزيدًا من الحرية.

انتهاء حكم القياصرة

خلال الحرب العالمية الأولى، ازداد الجوع والبؤس بين السكان بسبب مشاركة روسيا في هذه الحرب ضد الامبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية. أدت مجاعة في الشتاء الطويل 1916 – 1917 إلى تفاقم استياء المواطنين. الذين تظاهروا في سانت بطرسبرغ من أجل تحسين ظروف معيشتهم.

لم يستجب القيصر نيكولاس الثاني للمطالب وقمع المحتجين بشكلٍ دموي. فواجه المحتجون عنف السلطة بالعنف المضاد. واقتحمت الحشود قصر القيصر وأجبرته على التنازل عن العرش.

لأول مرة في فبراير 1917، تولى أشخاص من الشعب الحكم في روسيا. وتم تشكيل حكومة مؤقتة، لكن النقابات العمالية لما يسمى بـ “البلاشفة” بقيادة ليون تروتسكي وفلاديمير إيليتش أوليانوف المعروف باسم “لينين”، استولت على السلطة بالقوة في أوائل أكتوبر من نفس العام. كان البلاشفة الذين يضمون العمال والفلاحين والجنود مقتنعين بأفكار الشيوعية. ومنعوا إجراء انتخابات ديمقراطية وسيطروا على السلطة في ثورة أكتوبر. كان هدفهم إنشاء نظام اجتماعي لا ينبغي أن يكون فيه أي تمييز بين الأغنياء والفقراء، لذلك، كان على الجميع تسليم كل ممتلكاتهم إلى الدولة للصالح العام. وتحت رئاسة لينين، أسست الحكومة ما يعرف باسم “السوفييت” أي “مجالس العمال والجنود”.

انتصار الجيش الأحمر وتأسيس الاتحاد السوفيتي

خريطة الاتحاد السوفيتي

بعد ثورة أكتوبر، اندلعت حرب أهلية بين البلاشفة “الجيش الأحمر” والقوى المعادية للشيوعية  والمؤيدة للقيصرية (الجيش الأبيض)، انتصر الجيش الأحمر البلشفي في 10 يوليو 1918، وتم إصدار أول دستور لـ “جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية”.

احتلت قوات الجيش الأحمر الدول المجاورة لروسيا التي أعلنت استقلالها بعد الحرب العالمية الأولى، مثل أوكرانيا وبيلاروسيا. وشكلت مع دول القوقاز (المكونة من أرمينيا وأذربيجان وجورجيا) “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية” (الإتحاد السوفيتي) في 30 ديسمبر 1922، وتم اختيار مدينة موسكو عاصمة للاتحاد.

تم فرض القوانين الاجتماعية والاقتصادية الشيوعية في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي. وفي عام 1924، أصبحت تركمانستان وأوزبكستان أيضًا جمهوريات سوفيتية، وفي عام 1929، انضمت طاجيكستان للاتحاد. تبعتها قيرغيزستان وكازاخستان في عام 1936، وفي عام 1940، انضمت استونيا ولاتفيا وليتوانيا، وهكذا أصبح اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية مكونًا من روسيا و 14 دولة أوروبية وآسيوية.

في كل دول الاتحاد السوفيتي، استولت الدولة على الممتلكات الخاصة. ولم يعد هناك سوق حر قائم على العرض والطلب، وكل العمليات الاقتصادية كانت خاضعة لسيطرة الحكومة. ولم يُسمح لأحد بامتلاك ثروة كبيرة، ويتم تقسيم الممتلكات بالتساوي بين السكان.

منذ عام 1928، تحسنت الصناعة والطرق مما عزز اقتصاد الدولة، وتم أخذ أراضي المزارعين والاستيلاء عليها بالقوة، وأصبحت اللغة الرسمية هي الروسية.

لم تكن دول الاتحاد جيدة اقتصاديًا، معظم السكان عاشوا في ظروف سيئة وتوجب عليهم العمل لفترة طويلة. ولم يكن هناك أي حرية سياسية.

الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة

استولى الاشتراكيون الوطنيون على السلطة في ألمانيا عام 1933، وأصبح أدولف هتلر مستشار ألمانيا الجديد، وأسس تدريجيًا دكتاتورية في البلاد. في أغسطس 1939، وقع رئيس الاتحاد السوفيتي جوزيف ستالين اتفاقية عدم اعتداء مع هتلر، تعهدت فيه الدولتان بعدم استخدام القوة ضد بعضهما البعض. كما اتفقا على تقسيم بولندا بينهما.

رغم وجود هذا الاتفاق، في 22 يونيو 1941، هاجم أكثر من 4 ملايين جندي ألماني الاتحاد السوفيتي. قاوم الجيش الأحمر وأعلنت وأصبح الاتحاد السوفيتي جزءً من الحلفاء (فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية) التي كانت تحارب ألمانيا.

تمكن الجيش الألماني من احتلال أجزاء واسعة من الاتحاد السوفيتي، ووصل إلى مسافة قريبة من العاصمة موسكو، لكن الجيش الأحمر قام بهجوم مضاد مدعوم بمساعدات عسكرية جاءت من الولايات المتحدة، تراجع الجيش الألماني وبدأ السوفييت في التقدم غربًا، ليحرروا أراضي أوروبا الشرقية تدريجيًا، وفي نفس الوقت، تقدمت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية نحو ألمانيا، لم تتمكن ألمانيا من مقاومة قوات الحلفاء، وفي مايو 1945، دخل الجيش الأحمر السوفيتي إلى برلين وأعلنت ألمانيا استسلامها بعد انتحار هتلر.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا واستسلام ألمانيا، عقد في مدينة بوتسدام الألمانية مؤتمر بوتسدام بين زعماء دول الحلفاء، وهم الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، ورئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل، والرئيس الأمريكي هاري ترومان، اتفق الزعماء على اجتثاث النازية من ألمانيا وجعلها منزوعة السلاح ومحاكمة مجرمي الحرب النازيين. كما اتفقوا على تقسيم ألمانيا إلى 4 مناطق نفوذ، أصبح الاتحاد السوفيتي القوة المسيطرة على الولايات الألمانية (تورينجيا ومكلنبورغ فوربومرن وسكسونيا وساكسونيا أنهالت وبراندنبورغ). وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا القوة المسيطرة على باقي ألمانيا.

زعماء الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة الكتحدة في مؤتمر بوتسدام

في عام 1949، تم إعلان المنطقة التابعة للاتحاد السوفيتي دولة مستقلة تعرف باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية ذات النظام الاشتراكي الديكتاتوري، بينما تشكلت جمهورية ألمانيا الغربية ذات النظام الحر والديمقراطي على المناطق التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا.

شهدت الدول التي تحالفت مع الولايات المتحدة نموًا اقتصاديًا هائلًا وتقدمًا، في حين كانت كل الدول تحت السيطرة السوفيتية تعاني من الفقر وسوء الأوضاع المعيشية والفساد، ومنذ بداية الخمسينيات، كان الاتحاد السوفيتي الشيوعي يعتبر العدو الأكبر للدول الغربية الديمقراطية.

عرف الصراع بين الاتحاد السوفيتي من جهة والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهةٍ أخرى باسم الحرب الباردة، التي اتسمت بالصراعات على السلطة في عدة دول والتهديدات النووية المتبادلة وسباق التسلح.

انهيار الاتحاد السوفيتي

توفي ستالين في عام 1953، وفي عام 1955، وصل نيكيتا خروتشوف إلى السلطة، حاول الزعيم الجديد أن ينأى بنفسه عن سلوك ستالين، وبدأ سياسة “نزع الستالينية”. المقصود من هذه السياسة بداية مسار سياسي جديد ينهي عبادة الفرد. وتم إقالة أنصار ستالين وتخفيف بعض القوانين الاقتصادية الصارمة.

لكنه خروتشوف لم يشكك أبدًا في الديكتاتورية الشيوعية. واستمر في قمع احتجاجات المواطنين في بلدان شرق أوروبا بوحشية. ففي عام 1956، سحقت الدبابات السوفيتية انتفاضة شعبية كبرى في المجر، وقتل آلاف الأشخاص الأبرياء.

قام الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، الذي حكم الاتحاد السوفيتي من عام 1985 إلى عام 1991، بتغييرات جذرية في نظام الحكم، بادر بما يعرف بالروسية باسم “البيريسترويكا”، والتي تعني التحول، أي إلغاء القيود السياسة والاقتصادية الصارمة، بالإضافة إلى ذلك، تفاوضت الولايات المتحدة بشأن نزع السلاح النووي. ومنح السلطات المحلية في الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية فرصة لتقرير المصير.

نتيجة لذلك، اندلعت احتجاجات في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وانتهت بسقوط جدار برلين في عام 1989 وتوحيد ألمانيا الشرقية والغربية، ثم اندلعت احتجاجات في الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية أدت لاستقلالها واحدة تلو الأخرى. وأخيرًا، تم حل الاتحاد السوفياتي في 21 ديسمبر 1991.

أعلنت روسيا نفسها وريثة الاتحاد السوفيتي، هذا يعني أنها حصلت على كل الحقوق التي كانت للاتحاد السوفييتي وتعهدت بكل الالتزامات التي عليه، لذلك، حصلت روسيا على عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي التي تمنحها حق النقض (الفيتو).