أبو بكر الصديق خليفة المسلمين الأول – سيرته من نشأته وحتى مماته

أثنى عليه الله جل وعلا في كتابه العزيز، وشهِد له بالصُّحبة، وبشَّره بالسَّكينة، وحلاَّه بثاني اثنين. هو رجل عظيم القدر، رفيع الشأن، نصر الرسولَ يوم خذله الناس، وآمن به يوم كفر به الناس، وصدَّقه يوم كذَّبه الناس، هو خير عبادِ الله بعدَ الأنبياء والمرسلين، وأول الخلفاء الراشدين، هو الصحابي أبو بكر الصديق.

كان رضي الله عنه وأرضاه من كبار الصحابة، وأكثرهم فضلًا وقربًا من النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان رضي الله عنه ثاني اثنين في الغار، وفي الدعوة، وفي الخلافة، وحتى قبره كان مجاوراً لقبر النبي، ولتعرف أكثر عن نسبه وصفاته وأعماله ومناقبه تابع معنا حتى النهاية.

نسب أبو بكر الصديق

هو عبد الله، بن عثمان، بن عامر، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان التيمي القرشي. حيث أنه يلتقي مع النبي محمد عليه السلام في الجد السادس مرة بن كعب. ولد أبو بكر الصدِّيق في مكة المكرمة سنة 573م بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وكان من أغنياء قُريش في الجاهليَّة.

أبوه أبو قحافة عثمان بن عامر، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة التيمي القرشي. أسلم يوم فتح مكة، وعاش بعد ابنه أبي بكر وورثه، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام، إلا أنه رد نصيبه من الميراث على حفيده ولد أبي بكر، وتوفي سنة 14هـ وله سبع وتسعون سنة.

أمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة التيمية القرشية. أسلمت في مكة قبل الهجرة مع ابنها أبي بكر، وتوفيت قبل أبي قحافة.

ألقاب أبو بكر الصديق

لُقب أبو بكر الصديق بألقاب عديدة أشهرها:

الصّدّيق

لقَّبه به النبي محمد عليه الصلاة والسلام، حتى أن النبي محمد عليه السلام كان قد صعد جبل أحد يومًا ومعه أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، فرجف بهم الجبل فقال النبي محمد: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان. أخرجه الترمذي والبخاري.

وأما سبب تسميته بالصديق فهو لكثرة تصديقه للنبي محمد علي السلام، قالت السيدة عائشة: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعى رجال إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر بالصديق.

العتيق

أيضًا لقَّبه به النبي محمد (ص)، فقد قال له: (أنت عتيق الله من النار). فسمي عتيقًا، وقالت السيدة عائشة: دخل أبو بكر الصديق على رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: أبشر، فأنت عتيق الله من النار. أخرجه الترمذي.

وقد ذكر المؤرخون أسبابًا كثيرة لهذا اللقب، فقد قيل: إنما سمي عتيقًا لجمال وجهه، وقيل: لأنه كان قديمًا في الخير، وقيل: أن أمَّ أبي بكر كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة وقالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي.

الصاحب

لُقب به في القرآن الكريم، وذلك في قول الله تعالى في سورة التوبة في الآية 40: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود في الآية هو أبو بكر، وقال الإمام ابن حجر العسقلاني في تفسير هذه الآية: (فإن المراد بصاحبه هنا أبو بكر بلا منازع).

الأتقى

أيضًا لُقب به في القرآن الكريم، وذلك في قول الله تعالى في سورة الليل في الآيات (17 – 21):

{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى}.

وسبب نزول الآية أن أبا بكر عندما كان يشتري العبيدَ المسلمين ويعتقهم، قال له أبوه أبو قحافة: يا بني، إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك إذا فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل.

 الأوّاه

لُقب أبو بكر بالأواه، وهو لقب يدل على الخشية والوجل من الله تعالى، قال إبراهيم النخعي: كان أبو بكر يسمى بالأواه لرأفته ورحمته.

زوجات وذرية أبو بكر الصديق

زوجاته

تزوج سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أربع نسوة، أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث، وهن بالترتيب:

ذريته

أنجب أبي بكر الصديق رضي الله عنه ستة أولاد، ثلاثة ذكور وثلاث إناث وهم:

  • عبد الرحمن.
  • عبد الله بن أبي بكر.
  • محمد بن أبي بكر.
  • أسماء بنت أبي بكر، (ذات النطاقين).
  • عائشة بنت أبي بكر، (أم المؤمنين).
  • أم كلثوم بنت أبي بكر.

صفات أبو بكر الصديق

صفاته الخِلقية

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه جميل الخِلقة، كما وصفته ابنته عائشة رضي الله عنها قائلة: رجلٌ أبيض، نحيف، رقيق العارضين، أجنأ، معروق الوجه، غائر العينين.

  • أجنأ تعني: منحني الظهر.
  • معروق الوجه تعني: قليل لحم الوجه.

صفاته الخُلُقية

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يتميز بالأخلاق الكريمة المحبَّبة لطبائع البشر متأثّرًا بأخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد كان رضي الله عنه:

  • صادقًا أمينًا، وكان صدقه يدلُّ عليه، فما شهد القوم عليه كذبًا قط.
  • كان لطيفًا رقيقًا رفيقًا رحيمًا بالضعفاء والمساكين، فقد قال (ص) عنه: أرحمُ أُمَّتي بِأُمَّتي: أبو بكرٍ. أخرجه الترمذي. فكان القوم يحبُّون مجالسته لحسن معاشرته لهم، وحسن منطقه، ورزانة عقله.
  • كان متواضعًا سواء في خلافته أم قبل ذلك، ومن المواقف التي دلت على ذلك أنّه كان يحلب لأهل الحي أغنامهم، وعندما ولي الخلافة قالت جارية الآن يمتنع أبو بكر عن ذلك، فقال أبو بكر: بل أحلبها لكم، وإني لأرجو الله ألا يغيرني ما دخلت فيه. فقد كان أليفاً ودوداً حسن المعشر.
  • كان رضي الله عنه غزير الدمعة، لا يكاد يملك نفسه من البكاء في الصلاة وأثناء قراءته للقرآن الكريم.
  • كان رجلاً وقورًا ذا عزَّة، حيث منع أبو بكر الصّديق رضي الله عنه نفسه عن شرب الخمر أيام الجاهلية، صيانةً لعرضه وحفظًا لمروءته.
  • كان أبو بكر رضي الله عنه مقدامًا شجاعًا ودلّ على هذا الخلق الكريم ثباته في معارك المسلمين ومنها معركة أحد ويوم حنين.
  • كان الصّديق رضي الله عنه يقظ الضمير، ورعًا يخشى الله خشية شديدة، فقد أتاه يومًا خادمه بطعام فأكل منه لقيمات، وبعد أن أخبره الخادم بمصدره وشكّ الصّديق بحرمة هذا الطعام، وضع أصابعه في فيه حتى يتقيأ ما أكله.
  • كان الصّديق رضي الله عنه وأرضاه سبّاقًا للخير والمعروف دائمًا، وقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام صحابته يومًا عمن أصبح صائمًا، أو عاد مريضًا، أو تصدق بصدقةٍ، وفي كل مرة يقول أبو بكر الصّديق، أنا يا رسول الله.
  • كما عُرف أبو بكر بلينه وكرمه وسخائه، وكان عظيم الحياء، كثير الحِلم. فقد اجتمعت فيه رضي الله عنه أفضل الأخلاق وأرفعها.

أبو بكر الصديق قبل الإسلام

اكتسب أبو بكر رضي الله عنه مكانة رفيعة في قريش حتّى قبل دخوله في الإسلام، وقد اشتهر في الجاهلية بصفات عدة، منها ما يأتي ذكره:

  • كان من كبار رؤساء قريش وأعلمهم بالدّيّات والمغارم والدّيون، وكانوا يصدّقون شهادته في ذلك.
  • كان من أعلم النّاس في الجاهلية بالأنساب، وأخبار العرب، وله في ذلك باعٌ طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين، إذ كان يعلم أنساب قريش وكلّ ما فيها من خير وشرّ، وقد رُوي أن النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام قال: إن أبا بكر أعلمُ قريش بأنسابها. صحيح مسلم.
  • وقد كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من كبار التّجار المشهورين الذين اتّصفوا بالخُلق الحسن، حيث قال ابن كثير: كان رجلًا تاجرًا ذا خُلُق، وكان رجالُ قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.
  • كان راجح العقل مترفّعًا عمّا يفعله قومه من سفاهةٍ، فمنعته فطنته وحذاقته من شرب الخمر، وحرمها على نفسه قبل الإسلام، وقد سأل أحدُ الناس أبا بكر: هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله، فقيل: ولمَ؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعًا لعرضه ومروءته.
  • لم يسجد أبا بكر رضي الله عنه لصنم قط، ولم يذبح له، ولم يمارس ما كان يقوم به قومه من قتل الأولاد ووئد البنات، فكان بريئًا من عادات الجاهلية الأولى.

إسلام أبو بكر الصديق

قد ذكر ابن إسحاق وغيره أن أبو بكر كان صاحب النبي محمد قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الناس. فقد ورد أنّه لما نزلت الدّعوة على نبيّ الله جاء رجل يخبر أبا بكر بذلك، فجاء مسرعًا إلى بيت صاحبه مستفسرًا، حيث قال ابن إسحاق: إن أبا بكر الصدِّيق لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد؟ مِن تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا؟، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله الحق، فو الله إنه الحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته. ثم قرأ عليه القرآن، فقال رضي الله عنه صدقت، وكفر بالأصنام، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق.

وقد روي عن النبي محمد أنه قال: ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عتم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه. أخرجه ابن بطة في الأبانة الكبرى. فلم يُعرف عن أحدٍ دخل الإسلام دون تردّد كأبي بكر، فكان بذلك أبو بكر ثاني من آمن برسول الله بعد السّيدة خديجة، وهو أوّل من آمن من الرّجال.

مواقف وأعمال أبو بكر الصديق في عهد الرسول

مواقف وأعمال أبو بكر الصديق في عهد الرسول (ص)

تصديقه لرسول الله

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصدّق رسول الله (ص) في كل ما يقوله، ويظهر ذلك في قصة الإسراء والمعراج، وهذا سبب تسميته بالصديق.

جهوده في الدعوة للإسلام

انطلق الخليفة أبو بكر الصّديق منذ اليوم الأوّل من اعتناقه الإسلام مع صاحبه رسول الله (ص) يدعو معه لعبادة الله تعالى وترك عبادة الأوثان، فكان له دور كبير في بناء أساس الإسلام الأوّل، وكان دافِعه في ذلك حبّ الله تعالى وإيمانه به، وحبّ نبيّه (ص) ، وكان ممّن أسلم على يديه عدد كبير من كبار الصّحابة الأجلاء منهم:

عثمان بن عفّان، والزّبير بن العوّام، وأبو عبيدة الجرّاح، وعبد الرّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وطلحة بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهم جميعًا.

كما دعا أبو بكر عائلته فأسلمت أسماء وعائشة بناته، وابنه عبد الله، وزوجته أم رومان، وخادمه عامر بن فهيرة.

دفاعه عن الرسول في مكة

تميّز أبو بكر الصديق بشدة دفاعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتّضح ذلك من موقفه في قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عندما سُئل عن أشد ما فعله المشركون بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.

هجرته مع الرسول الكريم من مكة إلى المدينة

بعد أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة بسبب كثرة إيذاء الكفار لهم، أقام هو في مكة منتظرًا الأمر له بالهجرة، وكان من معه هو على بن أبي طالب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما، وكلما استأذن أبو بكر من رسول الله (ص) للهجرة قال له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا، فاستبشر أبو بكر وتأمل أن يكون رسول الله ﷺ هو رفيقه في الهجرة، فاشترى راحلتين واعتنى بهما من باب تجهيز نفسه للهجرة.

وعندما علم الكفار بهجرة المسلمين وأنّ الرسول لم يلحقهم بعد، اتفقوا أن يختاروا من كل قبيلة فتى ويعمدوا إليه ويضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، وبهذا يتفرق دمه بين القبائل. فعلم رسول الله (ص)، وذهب في وقت غير معتاد إلى صاحبه الصديق، فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ وقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة. وقالت عائشة أم المؤمنين وهي تروي القصة: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي. (صحيح ابن حبان).

لم يدخّر أبو بكر في مسير الهجرة أي جهدٍ لحماية النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتأمين راحته، فكان يتحرّك تارةً أمامه وتارةً خلفه، وعن يمينه وشماله، يراقب أي تحركٍ قد يأتي بسوءٍ، وبعد ذلك سارا حتى وصلا جبل ثور، ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الغار دخل قبله ليستبرأ الغار لئلا يُصيب النبي صلى الله عليه وسلم شيء، ومكثا في الغار ثلاث ليال.

قد جعلت مكافأة لمن يأتي برسول الله ﷺ وأبو بكر أسيرين أو مقتولين، ووصل المشركون إلى الغار، وصعد بعضهم أعلى الغار للبحث عنهما، ونظر أبو بكر الصديق إلى أقدام المشركين على باب الغار، فهمس إلى النبي ﷺ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فرد ﷺ بإيمان وسكينة: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ (صحيح البخاري).

مشاركته في جميع غزوات النبي (ص)

شارك أبو بكر الصديق في جميع الغزوات والمعارك التي شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما يلي ذكرها:

  • غزوة بدر سنة (2هـ): كانت له فيها مواقف عظيمة، شارك ابنه عبد الرحمن في صف المشركين، فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي (أي ظهرت أمامي) يوم بدر، فملت عنك ولم أقتلك، فقال له أبو بكر: لو أهدفت لي لم أمل عنك.
  • غزوة أحد سنة (3هـ): لما شاع أن الرسولَ ﷺ قد قُتل، شقَّ أبو بكر الصفوف، وكان أولَ من وصل إلى الرسول ﷺ.
  • غزوة بني النضير سنة (4هـ).
  • غزوة بني المصطلق سنة (5هـ).
  • غزوة الخندق سنة (5هـ).
  • غزوة بني قريظة سنة (5هـ).
  • صلح الحديبية سنة (6هـ).
  • غزوة خيبر سنة (7هـ).
  • عمرة القضاء سنة(7هـ).
  • فتح مكة سنة (8هـ).
  • غزوة حنين سنة (8هـ).
  • غزوة تبوك سنة (8هـ): وكان يحمل لواء الرسول ﷺ.

والسرايا التي قادها أبو بكر هي:

  • سرية نجد: وكان الأمير على المسلمين فيها.
  • غزوة بني فزارة: وكان الأمير على المسلمين فيها.
  • سرية ذات السلاسل سنة (8هـ).
  • أرسله النبي ﷺ أميراً على الحج سنة (9هـ).
  • شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ سنة (10هـ).

الإنفاق من ماله في سبيل الله

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أكثر المسلمين إنفاقًا في سبيل الله تعالى، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نفعَني مالٌ قطُّ، ما نفَعني مالُ أبي بَكرٍ، قالَ: فبَكى أبو بَكرٍ وقالَ: يا رسولَ اللَّهِ هل أنا ومالي إلَّا لَكَ يا رسولَ اللَّهِ. رواه ابن حبان وأحمد وابن ماجه وصححه الألباني.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. قال عمر قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا. رواه الترمذي.

كما أعتق أبو بكرٍ رضي الله عنه عشرين من الصحابة من العبودية، وأنفق في ذلك أربعين ألف دينارًا، واستمر أبو بكر في مساعدة الفقراء والضعفاء ممن آمن وأسلم، حيث كان يشتري الإماء والعبيد المسلمين لينقذهم من تعذيب سادتهم لهم للرجوع عن الإسلام، وكان يعتقهم أحرارًا بعد شرائهم.

كما أنفق أبو بكر كلّ ما معه من مالٍ في سبيل الله يوم الهجرة، مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعندما توفي أبي يكرٍ لم يُبق درهمًا ولا دينارًا.

موقفه عند وفاة الرسول

يوم وفاة الرسول (ص) قام عمر بن الخطاب وقال: والله ما مات رسول الله ﷺ، وليبعثنه الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم. وسكت عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر على أبي بكر رضي الله عنه، فاقترب أبو بكر مسرعًا من رسول الله وهو يبكي، فكشف عن وجهه وقبّله، وقال بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، طبتَ حيًا وميتًا، ثم خرج وخطب بالنّاس قائلًا:

ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ، فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، وقرأ قوله تعالى من سورة آل عمران الآية (١٤٤):

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.

قالت السيدة عائشة: فو الله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر رضيَ الله عنه، فتلقاها منه الناس، فما يُسمع بشر إلا يتلوها.

خلافة أبو بكر الصديق (مبايعته)

لما علم الصحابة بوفاة الرسول محمد، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيد عمر بن الخطاب ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بينهما، فأبى عمر ما أراده أبو بكر، ورفض أن يتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر، فاقترح أحد الأنصار وقال: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، فوقف عمر ابن الخطاب وطلب من أبا بكر أن يبسط يده فبايعه وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار.

وفي رواية أخرى قال عمر: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم على أبا بكر رضيَ الله عنه؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.

وخطب أبو بكر معتذرًا من قبول الخلافة فقال: والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلةً قط، ولا كنت فيها راغبًا، ولا سألتها الله عز وجل في سر وعلانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمرًا عظيًما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني.

وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلافته، واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس، أذكركم الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه، فقام علي بن أبي طالب ومعه السيف، فدنا منه حتى وضع رِجلًا على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله فمن ذا يؤخرك؟

بعد أن تمت بيعة أبي بكر البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، اجتمع المسلمون في اليوم التالي للبيعة العامة، ثم قام أبو بكر وتكلم من على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال أما بعد:

أيها الناس، فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

أعمال أبو بكر الصديق بعد الخلافة

من أعظم أعمال سيدنا أبو بكر التي قام بها بعد تولّيه الخلافة هي كالتالي:

إدارة شؤون الدولة وتنظيمها

بدأ أبو بكر إدارة شؤون الدولة بعد مبايعته بالخلافة، واتخذ من الصحابة أعوانًا يساعدونه على ذلك، فأسند إلى أبي عبيدة بن الجراح شؤونَ بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء، ولكن هذا لم يُعطِ لعمر صفة الاستقلال بالقضاء، فقد كان أبو بكر يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء، وكان الجانبُ القضائي في العصر الراشدي امتدادًا للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ما ثبت فيه، وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه.

وقد جعل مصادرُ الأحكام القضائية هي: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، والسوابق القضائية أو التقليد، والرأي الاجتهادي مع الشورى.

تقسيم الدولة الإسلامية

استعمل أبو بكر الولاة في البلدان المختلفة، وكان ينظر إلى حسن اختيار النبي محمد للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، وكانت مسؤوليات الولاة في عهد أبي بكر بالدرجة الأولى امتدادًا لصلاحياتهم في عهد النبي محمد، أما أهم مسؤولياتهم في عهد أبي بكر فهي:

إقامة الصلاة وإمامة الناس، والجهاد، وإدارة شئون البلاد المفتوحة، وبعض الأمور المالية كالزكاة والجزية، وإقامة الحدود، وتأمين البلاد، ونشر الإسلام في البلاد التي يتولَّون عليها، وكان الكثير من هؤلاء الولاة يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والأحكام.

وقد قُسمت الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر إلى عدة ولايات، وهذه أسماء الولايات والولاة:

المدينة المنورة: عاصمة الدولة الإسلامية، وبها الخليفة أبو بكر.

مكة المكرمة: أميرها عتاب بن أسيد الأموي القرشي.

الطائف: أميرها عثمان بن أبي العاص الثقفي.

صنعاء: أميرها المهاجر بن أبي أمية المخزومي القرشي.

حضرموت: أميرها زياد بن لبيد الخزرجي.

زبيد ورقع: أميرها أبو موسى الأشعري.

الجند: أميرها معاذ بن جبل الخزرجي.

نجران: أميرها جرير بن عبد الله البجلي.

جرش: أميرها عبد الله بن ثور الغوثي.

البحرين: أميرها العلاء بن الحضرمي.

العراق والشام: كان أمراء الجند هم ولاة الأمر فيها.

سلطنة عمان: أميرها حذيفة بن محصن القلعاني.

اليمامة: أميرها سليط بن قيس الخزرجي.

تسيير جيش أسامة بن زيد إلى الشام

جهز رسول الله المسلمين لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين سنة 11هـ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، ولكن مرضه أخر هذا الأمر. ولما تولى أبو بكر الخلافة أمر أن يُبعث أسامة بن زيد الكلبي، واقترح بعض الصحابة على أبي بكر أن يؤجل الأمر ريثما تنتهي حروب الردة، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته. ثم خرج أبو بكر حتى أتى الجيش فقال:

يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منه شيئًا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقًا، اندفعوا باسم الله.  

حروب الردة وقتال المرتدين

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد الكثير من المسلمين عن الإسلام لمّا ادّعى كل من مُسيلمة وطليحة الأسدي النبوة، فاتّبعهم الناس وصدقوهم، فأمر أبو بكر رضي الله عنه بمحاربتهم، وأمر بتسيير الجيوش لمواجهتهم، وكان أتباع مُسيلمة هم بنو حنيفة واليمامة، وأتباع طليحة الأسدي من أهل نجد بأسد وغطفان.

والمرتدين الذين حاربهم أبا بكر هم من ارتدوا عن دين الإسلام وامتنعوا أيضًا عن أداء الزكاة المفروضة، على اعتبار أنَّها تشبه في مبدئها الجزية، وكان يقول: والله لأُقاتِلَنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقاتلتُهم على منْعه.

بدأت حروب الردة في السنة الحادية عشرة للهجرة، وقد استمر رضي الله عنه بإرسال الجيوش إلى مناطق جزيرة المرتدين عن الإسلام حتى عادوا جميعهم لدين الحق، وكانت النهاية في معركة اليمامة بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، والتي تمحضت عن فوز المسلمين وبقتل مسيلمة في الثاني عشرة للهجرة.

تسيير الجيوش لفتح بلاد الشام والعراق

قام أبو بكر بإرسال الفاتحين شرقاً وغرباً في الوقت ذاته، فأرسل إلى الجهة الشرقية (منطقة الفرس) خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، وانتصروا وفتحوا عددًا من المدن العراقية، كالأنبار، ودومة الجندل، والفراض، وفتحوا الحيرة.

كما أرسل إلى الجهة الغربية (منطقة الروم) في بلاد الشام جيوشًا بقيادة يزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، وأرسل أبو بكر دعمًا لهم بقيادة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم جميعًا، وكانت البلاد المُستهدفة هي الأردن وفلسطين ودمشق وحمص، وقد وقعت معركة اليرموك بين الروم والمسلمين وانضم خالد بن الوليد إليهم لدعمهم.

كان الهدف وراء الفتوحات المتتالية في عهد أبي بكر الصديق وصول رسالة الإسلام لشتى بقاع الأرض، وتمهيدًا لفتح الطريق أمام الدعوة الإسلامية، ونشرها دون عوائق أو عُدوان.

جمع القرآن الكريم

في حرب اليمامة التي قُتل فيها مسيلمة الكذاب استشهد سبعون قارئًا من حفاظ القرآن، فأقلق ذلك الأمر عمر بن الخطاب، وخاف أن يُنثر شيء من القرآن الكريم بموت حفظته، فدخل على أبي بكر، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من اقتراحه، وكَبَرَ عليه أن يفعل ما لم يفعله النبي، فظل عمر يراوده حتى اطمئن أبو بكر لذلك.

ثم كلف أبو بكر زيد بن ثابت بتتبع الوحي وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال. حرص زيد بن ثابت على التثبت مما جمعه، ولم يكتف بالحفظ دون الكتابة، وحرص على المطابقة بين ما هو محفوظ ومكتوب، وعلى أن الآية من المصدرين معًا، ولا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان، أي أنه لم يكن يكتفي بمجرد وجدان الشيء من القرآن مكتوبًا حتى يشهد به من تلقاه مسموعًا، مع أن زيد كان حافظ للقرآن، لكنه كان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط. فكان ذلك، أول جمع للقرآن بين دفتين في مصحف واحد. واحتفظ أبو بكر بالمصحف المجموع حتى وفاته، ثم أصبح عند عمر بن الخطاب ومن بعده حفصة بنت عمر.

وفاة أبو بكر الصديق

نجح أبو بكر الصديق في فتح العراق وجزء كبير من الشام وضمها إلى الدولة الإسلامية، ولم يمنعه من تكملة مسيرته سوي اشتداد المرض عليه، ففي شهر جمادي الأخر عام 13هـ أمر بجمع الناس وخطب فيهم قائلًا: إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي. فتشاور الصحابة، ثم رجعوا إلى أبي بكر فقالوا: رأيُنا يا خليفة رسول الله رأيُك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، ثم وقع اختيار أبي بكر بعد أن استشار بعض الصحابة على عمر بن الخطاب، ثم كتب عهدًا مكتوبًا يُقرأ على الناس، وكان نص العهد:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عَدَلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بَدّلَ فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قد روت السيدة عائشة رضي الله عنها خبر وفاة أبيها أبي بكر فقالت: أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يومًا باردًا، فَحُم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه.

واستمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يومًا، حتى مات يوم الإثنين ليلة الثلاثاء 22 جمادى الآخرة سنة 13هـ، عن عمرٍ ناهز 63 عامًا. وكان قد أوصى قبل وفاته أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب النبي محمد، وكان آخرَ ما تكلم به أبو بكر قولَ الله تعالى: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين}.

ضجت المدينة وارتجت لوفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وحزن الصحابة رضوان الله عليهم حزنًا شديدًا على فراقه، واهتزّت مكة المكرمة بهذا الخبر الأليم، وأقبل علي بن أبي طالب مسرعًا باكيًا، ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلفَ رسول الله ﷺ وأنيسه، ومستراحه وثقته، وموضع سره ومشاورته. إلى أن قال: والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا وحرزًا وكهفًا، فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد ﷺ، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك. فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت.

وقالت ابنته الصدّيقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في رثائه: نضّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلًا بإعراضك عنها، وللآخرة معزًّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، فإنا لله وانا إليه راجعون، عليك السلام ورحمة الله.

وقامت بغسله زوجته أسماء بنت عميس، وصلّى المسلمون عليه صلاة الجنازة بإمامة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحُمل رضي الله عنه على الخشبة التي حُمل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ودفن بجانبه، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق

الخصائص التي تميز بها أبو بكر الصديق

كان لأبي بكر الكثير من المناقب والخصائص التي يميز بها عن غيره، نذكر منها:

  • زكىّ الله عز وجل رضي الله عنه في كتابه العزيز.
  • خلافته رضي الله عنه منصوص عليها فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرضه أن يُصلي بالناس، روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.
  • كان أبو بكر ممن يُـفتي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على الحج في الحجّة التي قبل حجة الوداع..
  • كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو أول من أسلم وأول من جمع القرآن وأول من سماه مصحفًا وأول من سمي خليفة.
  • كان أزهد الصحابة، وأشجع الناس بعد رسول الله صلى عليه وسلم، وهو أفضل الأمة بعد النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
  • وُصِف سيدنا أبو بكر بأوصاف رسول الله (ص) التي وصفت بها خديجة رضي الله عنها، وذلك على غير اتفاق بينهما، ولم يوصف بهذه الصفات مجتمعة أحد غيرهما.
  • يُدعى أبو بكر من أبواب الجنة كلها.
  • أبو بكر الصديق رضي الله عنه صحب رسول الله (ص) من حين أسلم إلى حين توف وهو رفيقه في الغار قال تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} سورة التوبة الآية 40.
  • بشّره النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أول من يدخل الجنة، روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي. (رواه الحاكم).

المراجع:

إذا استفدت من المقال، فساعدنا بمشاركته مع من تحب